EMTC

غياب الديمقراطية الحزبية مأزق يفاقم أزمات العرب

غياب الديمقراطية الحزبية مأزق يفاقم أزمات العرب

صورة

شكّل مأزق غياب الديمقراطية داخل الأحزاب العربية أحد التحديات الرئيسة التي تقف عائقاً في وجه تقدم هذه الأحزاب وتفاعلها مع جماهيرها، الأمر الذي جعل من هذه الأحزاب مجرد ديكورات سياسية، تملأ الوطن العربي الذي يقبع في براثن الشعارات الرنانة للأحزاب التي لا تجد سوى الشعارات والإيديولوجيات تأكيداً لصيرورتها وديمومتها.

وقال المفكر العربي الدكتور يوسف سلامة، في تصريح لصحيفة «البيان»: إن الأحزاب العربية هي صورة عن المجتمعات العربية التي تمثلها، والاتجاهات الرئيسة والعامة للمجتمعات العربية هي صورة عن الاتجاهات الرئيسة للأفراد الذين يتكون منهم هذا المجتمع أو ذاك، مضيفاً أنه إذا ما أردنا أن نتقصى فعلاً فكرة الديمقراطية تقصياً دقيقاً، علينا أن نعود إلى الفرد، إلى المواطن. ونطرح السؤال بمنتهى الشفافية والصراحة، ونرصد الإجابة بشفافية وصراحة أكبر؛ والسؤال هو: هل هذا المواطن حقاً يريد الديمقراطية؟ هل هذا المواطن حقاً يريد الحرية؟ هل هذا المواطن حقاً مستعد لتحمل المسؤوليات التي تترتب على الحرية والديمقراطية؟ هل هذا المواطن مستعد للتسامح مع غيره من المواطنين الذين يتبنون آراء مخالفة ومختلفة ومناقضة؟

جماعة المستبدين... ويجيب الدكتور سلامة عن مجموع هذه الأسئلة بالنفي، ويقول: إن أكثر من تسعين في المئة من المثقفين هم جماعة من الأفراد، أو جماعة من المستبدين، فالمثقف يتحدث عن الديمقراطية ولكنه ليس ديمقراطياً، ويتحدث عن التسامح ولكنه ليس متسامحاً. ويتحدث عن الحرية ولكنه ليس مستعداً لاحترام حرية الآخرين، وهذا في المستوى الأعلى من شريحة المجتمع؛ أي شريحة المثقفين، فإذا كان هذا موقف المثقفين فكيف بموقف الإنسان العادي الذي لم يحصل من الثقافة والمعرفة ما يكفي، والذي عاش ضمن نظام تربوي أبوي تقليدي قمعي، عناصره كلها مستمدة من الماضي ومن التراث ومن المقدسات؟!. وأوضح الدكتور سلامة أن المواطن العربي مواطن مقدِّس، يعبد الأفكار التي ورثها عن آبائه وأجداده، ومن ثم فلا يمكنه أن يكون - والحال كذلك - ديمقراطياً؛ لأن الذي يتخذ مواقف يرتقي بها إلى مستوى القداسة لا يستطيع أن يكون نقدياً، ولا يستطيع أن يكون ديمقراطياً بحال من الأحوال.

مضيفاً: إذا عممنا هذا الكلام على الأحزاب، فالأحزاب مؤلفة من المواطنين، ومن شريحة من المثقفين، الذين هم في معظمهم غير ديمقراطيين من الناحية النفسية ومن الناحية الاجتماعية، ورؤساء الأحزاب ينتمون إلى هذه الشريحة أيضاً، ومن ثم يصبح نظام الوراثة هو النظام الساري في هذه الأحزاب، ونظام الوراثة نظام مقدس في الثقافة العربية على نحو أو آخر.

وعلى ذلك لا تفكر في الديمقراطية ما دام المواطن ما زال ينظر نظرة قداسة إلى ما يعتقده، ولا ينظر نظرة نقدية، أو على الأقل يسمح بأن تُنتقد آراؤه بصورة أو بأخرى. ورداً على سؤال حول بروز ظاهرة الأحزاب التي تطلق على نفسها تسميات الأحزاب الديمقراطية.

وما إذا كانت هذه الأحزاب تشكل بذور تغير في الواقع العربي، قال الدكتور سلامة: إن العالم العربي يعيش مرحلة نكوص وارتداد، وعودة وانكفاء، ولا يعيش مرحلة نهوض أو انبثاق لمرحلة جديدة، وعلى ذلك فالعلامات الخارجية هي التي تتغير، ومن الممكن لحزب أن يسمي نفسه ديمقراطياً مع أنه أبعد ما يكون عن الديمقراطية، ومن الممكن لحزب أن يسمي نفسه شعبياً وهو أبعد ما يكون عن الشعب، ومن الممكن لحزب أن يسمي نفسه قومياً وهو أبعد ما يكون عن القومية.

ومن هنا فلا ينبغي أن ننخدع بالمظاهر كالتسميات؛ كأن يسمي حزب نفسه بأنه حزب ديمقراطي، لأن البنية النفسية والاجتماعية للمواطن العربي ما تزال بنية قمعية، وبنية لا تؤهله لأن يوصف بأنه مواطن ديمقراطي، أو قادر على احترام الديمقراطية، أو قادر على احترام الآخرين. بدوره قال الأمين الأول للحزب الشيوعي السوري حنين نمر، في تصريح لـ «البيان»: إنه كما في الأنظمة كذلك في الأحزاب العربية، هناك مأزق في الديمقراطية.

وفي الحالتين لا يوجد نموذج واحد للديمقراطية في العالم تقاس الأمور عليه، مضيفاً أن الديمقراطية السياسية انعكاس للتركيب الاجتماعي والطبقي والثقافي والحضاري والتاريخي لكل شعب من الشعوب، وهي تعبّر عن المستوى الذي وصل إليه هذا الشعب أو ذاك في تلك المضامير.

مقارنات

وأوضح نمر أنه يصعب أن نتصور بأن الديمقراطية في غينيا بيساو أو الصومال - مثلاً - يجب أن تشبه ديمقراطية فرنسا، لأن أية ديمقراطية في العالم يجب أن تستهدف أولاً إفلات هذه البلدان من قبضة التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما أن أية ديمقراطية تفرض فرضاً على الشعوب أو تقيمها سلطات احتلال ما، كما في العراق مثلاً، هي ديمقراطية تدعو إلى الرثاء، فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فحسب كما راجت وروجت أجهزة الدعاية الغربية.

وأكد نمر أن نقل صناديق الاقتراع على ظهور الحمير في أفغانستان أمر أثار سخرية العالم، ودلل على حجم الديماغوجية السياسية الغربية، وهذا لا يعني أنه ليست هناك مبادئ أساسية تنطبق على كل الشعوب بدرجات مختلفة، باعتبار أن المهمة الأساسية للبلدان النامية هي تأمين انتقالها إلى مدارج العصر.

موضحاً أن الديمقراطية بوصفها أداة ووسيلة فإنها يجب أن تؤمن حرية واستقلال البلاد أولاً، ثم تأمين تطور قوى وأساليب الإنتاج وإزالة التخلف والتبعية الاقتصادية ثانياً، وضمان حرية الإنسان في المشاركة بصنع القرار السياسي وفي تكوين الدولة الديمقراطية ثالثاً.

دمشق ـ أحمد كيلاني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات