تطورات

ملامح المسارات اليمنية بين الشمال والجنوب

التطورات السياسية الراهنة في اليمن تأتي استتباعاً لسلسلة من المقدمات التي تشكل بجملتها منظومة واحدة، ونقطة البداية التاريخية لما يمكن أن يسمى انقلاباً على الماضي تجسّدت في محطتين أساسيتين:

المحطة الأولى: في شمال اليمن فيما كان يُسمى بالمملكة المتوكلية اليمنية على عهد الإمام احمد بن يحي حميد الدين، وقد زالت تلك المملكة بإعلان ثورة 26 سبتمبر في عام 1962م تأسياً بثورة يوليو المصرية.

وكان من شأن هذا التحول استبعاد النظام الإمامي التاريخي وإعلان النظام الجمهوري، غير أن هذا التبادل بين النظامين لم يكن له أن ينسف جذور التقاليد التاريخية التي ترسّخت دهراً، وهذا ما لم يدركه العقل السياسي المُنخطف بديماغوجية الستينات، والباحث عن ألفية طوباوية مستحيلة، فالنظام الجمهوري الذي أعلن لتوه وساعته «أهداف الثورة الستة» مازال إلى يومنا هذا متعثراً في تحقيق تلك الأهداف.

والشاهد أن الملكيين المؤيدين لنظام الإمامة سرعان ما استعادوا شكيمتهم وبدأوا في مقاتلة الجمهوريين، الأمر الذي أفضى إلى التدخل المصري الشهير وما جاء بعد ذلك من تفاهم بين الملكيين والجمهوريين برعاية مصرية سعودية أومأت إلى تسوية موازية على خط العلاقات المصرية السعودية.

المحطة الثانية: تمثّلت في إعلان استقلال جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني، ومن سخريات القدر أن ذلك الاستقلال لم يترافق معه ما كان مؤملاً من دعم بريطاني للدولة الوليدة، فقد تأبّى ثوار الجبهة القومية على المساعدات البريطانية، وذهبوا بعيداً في المنطق الثوري الانقلابي على كل ما كان.

وبدت تباشير المتاهة منذ الأيام الأولى للدولة الوليدة، فمن التقاتل بين الجبهة القومية وجبهة التحرير الذي سبق الاستقلال بأيام، مروراً بالاستقطابات القبائلية داخل الجيش والمؤسسة السياسية الفتية، وحتى بداية سلسلة الاغتيالات، ثم ما تلا ذلك من صراعات.

هاتان المحطتان حددتا مُسبقاً ملامح المسارات السياسية في شطري اليمن لما قبل الوحدة الاندماجية في مايو من عام 1990م، وفيهما تكمن الشفرات الأولى للإخفاقات، ومنهما يمكن قراءة مآلات الحال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات