الطيران الإسرائيلي يكثف عمليات الاستطلاع جنوب لبنان

إسرائيل تصعد الاستعدادات لحربها المقبلة

صورة

تبدو الحدود الفاصلة بين إسرائيل وجنوب لبنان محصنة بصورة مبالغ فيها. فما أن تصل إلى المنطقة حتى يعترضك أول سياج مكهرب، ثم شريط ترابي للتعرف على آثار الأقدام، ثم طريق إسفلتي، ثم سياج مكهرب آخر، ثم مساحات كبيرة من الأشجار المزروعة. وتنتشر بساتين الفاكهة في المنطقة بدلا من الدبابات، وتمتد بعدها منطقة الجليل.

ويبدو المكان وقت العصر في فصل الشتاء في غاية الهدوء ورطبا وداكن الخضرة. ويعتقد المرء أن الهدوء والسلام ينتشر في الأرض الممتدة بين دولتين هما إسرائيل في الجنوب ولبنان في الشمال. وتنتشر مزارع التبغ وسط التلال الصخرية، وتمر بين الفينة والأخرى عربة مدرعة تابعة لقوات الأمم المتحدة تبقي المرء متأهبا. ويخبرك أحد الجنود الدوليين بأن تصوير المنطقة محظور بحسب أوامر قائده، ثم يأتي جندي آخر ويكرر الكلام نفسه، ثم يظهر ضابط مخابرات لبناني ويقوم بتدقيق الأوراق الشخصية، ويتأكد من وجود تصريح لدخول المنطقة. وانطلقت بعيدا بعد أن التقطت بعض الصور للحقول والسياج الحدودي وبرج المراقبة الذي يلوح في الأفق بتقنيته المتطورة. وحتما لا بد أن تكون هذه الحدود من أكثر المناطق التي تتعرض للتصوير في العالم.

وبالطبع، فإن الريف الوادع هو مجرد وهم خادع. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وطاقمه الوزاري يدعون باستمرار بأن الجيش الوحيد في لبنان هو حزب الله الذي قد أخل بتحصيناته والصواريخ التي يمتلكها شمال نهر الليطاني بميزان القوى في الحرب التالية مع إسرائيل. ويوجه الأمين العام للحزب حسن نصر الله زعيم الحزب باستمرار مزيدا من التهديدات لإسرائيل، فقد صرح مؤخرا بأن قواته ستغير خريطة الشرق الأوسط إذا نشبت حرب أخرى معها. ولا يشك أحد في طبيعة ما يعنيه من ذلك، فالطرق اللبنانية التي تم شقها حديثا بتمويل حزب الله توحي بالاستعداد لتحريك قوات نحو الحدود بأقصى سرعة، وربما حتى بعبور الحدود.

هذا ما تشك به إسرائيل أيضا، وهو يبرر تحذير نصر الله لها أخيراً. ويؤكد حزب الله أنه حقق نصرا في حرب عام 2006. وحتى إسرائيل تعترف بأنها كادت أن تتعرض للهزيمة وقتئذ نتيجة ضعف تدريب جنودها. والسؤال المطروح هو: «كيف يكون رد فعل إسرائيل إذا نجح حزب الله بدخول حدودها» ؟

ويتحدث القادة الإسرائيليون عن هذا الأمر في صحفهم. ويعتقدون بأن السيناريو قد يكون وثبا دراماتيكيا سريعا عبر الحدود باتجاه الغرب نحو مدينة نهاريا، أو الإطباق على مستوطنة «كريات شمونة»، وسيعلن حزب الله حينئذ أنه حرر جزءا من فلسطين التاريخية.

وستضطر إسرائيل لقصف هذه الأراضي لإخراج قواته منها. وليست هذه مجرد لعبة، فالجيش الإسرائيلي يريد الانتقام لنفسه من حزب الله الذي أذل جنوده، ومرغ أنوفهم في التراب في حرب عام 2006.

وغالبا ما يتحدث حسن نصر الله عبر شاشات تلفزيونية ضخمة لأسباب أمنية بما يوحي بأهمية موقعه.

في غضون ذلك، تتواصل التهديدات الإسرائيلية. فوزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك يعلن أن الحكومة اللبنانية ستتحمل المسؤولية في أية حرب تنشب في المستقبل، فيما يتلقى اللبنانيون التحذيرات نفسها من إسرائيل.

ويهدد باراك بأن البنية التحتية للبنان ستتعرض للهجوم، وستتعرض جسورها وطرقها العامة للتدمير، وستمحى قراها عن الخارطة، ويدعى أن إسرائيل مارست ضبط النفس في حرب يوليو، عندما هاجمت البنية التحتية اللبنانية ودمرت طرقاتها وجسورها وقراها، لكن الأمر لن يتكرر الآن.

وقد حدث تغير كبير منذ انتهاء الحرب السابقة، فإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بدأت تتودد إلى سوريا، كما يتودد إليها حلفاؤها القدامى كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط. وقد زار الرئيس السوري بشار الأسد طهران مؤخرا ليؤكد استمرار علاقة بلاده الوثيقة مع إيران.

وتشكو الأمم المتحدة من زيادة تحليق الطائرات الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية، وتبرر إسرائيل ذلك بأنها للرد على زيادة نفوذ حزب الله في لبنان. وبدأ الجيش اللبناني يطلق مدافعه المضادة للطائرات على الطائرات الإسرائيلية. وبالطبع لا جدوى من ذلك، فواشنطن لا تزود الجيش اللبناني بأسلحة قد تؤذي إسرائيل.

صحافي مخضرم

روبرت فيسك هو صحافي بريطاني مخضرم يعمل مراسلا خاصا لصحيفة «إندبندنت» البريطانية في منطقة الشرق الأوسط، وهو يعتبر أبرز مراسل غربي خلال ثلاثين سنة من تغطيته لأبرز الأحداث في المنطقة، ومن ضمنها الحرب الأهلية اللبنانية، كان شاهدا على مذبحة صبرا وشاتيلا والثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الأولى وغزو العراق 2003، وهو من المراسلين الغربيين القلائل الذين أجرو مقابلة مع أسامة بن لادن ومن المعارضين لسياسة بريطانيا وأميركا.

وقد تألق اسم فيسك أيضا من خلال مؤلفاته العديدة التي يكشف فيها الكثير مما لا تريده المؤسسات الرسمية الغربية، ويضع من خلال تلك المؤلفات خلاصة تجاربه ورؤيته وانتقاداته لأركان السياسة الدولية المعاصرة.

بقلم ـ روبرت فيسك

ترجمة ـ عمر حرزالله

طباعة Email
تعليقات

تعليقات