المستشرق الإسرائيلي غاي معيان: حذار من الاستهانة بقوة العراق والحرب طويلة الأمد

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 كانت المفاجأة تكمن في مقال غاي معيان المستشرق الاسرائيلي عبر صحيفة «هآرتس» العبرية حيث نبه القوات الانجلو أميركية، إلى مخاطر الاستهانة بقوة العراق العسكرية والتهيؤ لحرب طويلة الأمد مشيدا بشكل يثير الاستغراب بانجازات الرئيس العراقي الداخلية رغم وصفه بالدكتاتور. قال المستشرق الاسرائيلي هذا في مقاله: تواصل الحرب في العراق نتيجة للصمود غير المتوقع لدى الطرف الذي يتعرض للهجوم يطرح تساؤلات حول صورة العراق في العقود الاخيرة. المحللون لم يتنبأوا بطول هذه الحرب وعنادها، والكثيرون توقعوا انتهاءها خلال اسبوع على أبعد تقدير. ولكن القتال تواصل لشدة الدهشة ورفض سكان البصرة وغيرها من المدن رشق القوات المهاجمة التي يفترض بها ان تحررهم، بالأرز، ولم يسارع أهالي بغداد لازاحة العائلة التكريتية الحاكمة. في الولايات المتحدة بدأوا من الآن يغضبون على رامسفيلد الذي أرسل نصف القوات المطلوبة للمهمة فقط، من المحتمل انه لو أرسلت اميركا نصف مليون جندي كما حدث في عام 1991 لكان علمها يرفرف الآن فوق ضفاف دجلة والفرات. ولكن يبدو ان صغر حجم القوات المهاجمة هو عارض وليس المشكلة ذاتها. صورة العراق في الغرب وفي اسرائيل في السنوات الاخيرة لا تختلف كثيرا عن الوصف الذي أطلقه عليه الملك فيصل الاول والذي نصبه الانتداب البريطاني قبل 70 سنة. الفيصل ادعى في حينه انه لا يوجد شعب عراقي وانما «أناس كثيرون مفتقدون لأي نزعة وطنية ومشبعون بالعقائد الدينية والتفاهات، ومن دون أي علاقات مشتركة فيما بينهم، وانهم يصغون لكل دسيسة ويميلون الى التفريط والتمرد ضد كل حكومة مهما كانت». الا ان صدام حسين نجح في تجذير القومية العراقية بدرجة أكبر مما يود الغرب الاعتراف به. خلال أكثر من عشرين سنة استطاع نظامه اقامة جهاز وطني، وقد نجح هذا الجهاز في الصمود حتى الآن في محك الحرب. هذا الجهاز نجح في الربط بين الرموز الوطنية والدينية التي يحترمها اغلبية العراقيين. الجمهورية البعثية تعتبر امتدادا لبابل القديمة والامبراطورية العباسية في ذات الوقت، وزعيمها يعتبر امتدادا وخليفة لحمورابي ونبوخذ نصر وصلاح الدين الايوبي. الرمز الصوري البارز لهذا الوعي القومي هو النصب التذكارية المعمارية التي شيدت لصدام حسين حيث يصعب على من ينظر اليها ان لا يرى فيها تعبيرا عن تاريخ العراق خلال آلاف السنين - من الماضي القديم وحتى الغزوات الاسلامية والى الحروب التي بادر صدام اليها. حتى ان الوحدات العسكرية المختارة قد سميت بأسماء وطنية عتيقة واسلامية. النجف وكربلاء والبصرة وبغداد ليست مجرد أسماء لميادين المعارك في حرب 2003، هذه المدن تعبق بالماضي الاسلامي العريق، وقرار صدام حسين وضع فرقه العسكرية فيها وخوض المعارك الدفاعية الأساسية من خلالها يأتي لتعزيز صورة نظامه كدرع للعروبة والاسلام في معركة تمتد لـ 1366 سنة.خلال الاثنتي عشرة سنة التي مرت منذ حرب الخليج وحتى الآن استطاع العراق ان يستفيد من الدروس والعبر. وليست المسألة مجرد قمع للسكان واجبارهم من خلال التخويف والدعاية على التعاون مع النظام. النظام العراقي استطاع إحداث تغييرات ومجريات داخلية ساعدت في زيادة التكافل والوحدة الداخلية العراقية وبلورة اجماع حول أفكار ورموز وطنية. صدام نجح في تقريب كبار الضباط اليه من خلال عدة وسائل مثل الغاء رقابة البعث على القوات المسلحة، وتعيين ضباط كبار في مناصب ادارية كمحافظين في أرجاء الدولة. وهذا الامر رفع من معنويات الجيش وعزز ثقة الجنود والمدنيين بالدولة ومؤسساتها. عدد الفارين من الجيش أصغر من عددهم إبان حرب الخليج الاولى. وارتفاع أسعار النفط أسهم في تحسين وضع الاقتصاد العراقي. والغاء نظام الرقابة اعتبر بدرجة كبيرة من العدالة انجازا لصدام. وهذا الامر زاد من مكانته في نظر شعبه والمنطقة.مع ذلك لا يتوجب الاستنتاج بأن الولايات المتحدة وبريطانيا ستخسران المعركة. ولا يتوجب ان ننسى اننا نشاهد أمامنا حربا ضد دكتاتور ومستبد حيث لم يتردد في ذبح أبناء شعبه وارسال مئات آلاف الجنود لحتفهم، وانه خطر على استقرار المنطقة. ولكن يحظر ان نقع ضحية للتصورات المتعالية على الشعب العراقي أو ان نستخف بنزعته الوطنية وقيمه التي يمثلها حتى وان فرضت بالدم والاكراه. يتوجب اعادة تقييم القوة العراقية وان يكون هناك استعداد لحرب أطول مما هو مخطط له. وكما قال جورج بيدو: الضعفاء يملكون سلاحا واحدا فقط وهو أخطاء من يعتقدون انهم الأقوياء.

طباعة Email