بيان الاربعاء ــ صراع المصالح على رقعة التسوية السودانية.. قرنق ينقل نشاطه لمناطق حقول النفط والحكومة خياراتها محدودة

في الوقت الذي تحدى فيه الرئيس السوداني عمر البشير المتمردين وأعلن ان الجيش الحكومي على استعداد لمنازلة المعارضة المسلحة وطردها من كل المناطق التي تسيطر عليها, كان العقيد جون قرنق زعيم الجيش الشعبي لتحرير السودان يعقد اجتماعات مطولة مع حليفه السابق د. رياك مشار في إحدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي, والمؤكد ان قرنق يسعى دوما من خلال مثل هذه اللقاءات إلى احداث تغيير لصالحه في ميادين القتال في جنوب السودان والتي شهدت هدوءا (نسبيا) في الفترة الماضية, إذا استثنينا طلعات طائرات الحكومة فوق المناطق الواسعة التي يسيطر عليها المتمردون. وبالتزامن مع فوزه الكاسح في الانتخابات الرئاسية والانتصارات العسكرية التي حققها الجيش السوداني في مناطق جبال النوبة, أدلى البشير بتصريحات فهم منها ان الهدنة الحالية في مسرح العمليات العسكرية في جنوب السودان اقتربت من نهايتها, وهو ما ظل يردده العديد من قادة الحركة الشعبية الميدانيين, بل إن قرنق اتخذ قرارا مع نهاية العام المنصرم يلزم كل القيادات بالتواجد في مناطقهم وعدم مغادرتها, وهو القرار الذي شرحه معاونوه باعتباره تحسبا من هجمات كبيرة تعد لها القوات الحكومية على المواقع التي تسيطر عليها الحركة الشعبية, فيما يعتقد المراقبون انه قد يكون استعدادا من جانب الحركة للسيطرة على مناطق جديدة. ويرى المراقبون أن اجتماع نيروبي بين قرنق ومشار يصب في نفس الاتجاه, وان قرنق يحاول الاتفاق مع أحد خصومه والتركيز على المواجهة القادمة مع الجيش السوداني. والاتفاق إذا تمّ, يعني أن الحكومة لم يعد يساندها من القوى العسكرية الجنوبية إلا القوات التابعة للواء فاولينو ماتيب والتي تتركز في ولاية الوحدة البترولية كما يعني أن الصراع بين قبيلتي الدينكا والنوير اكبر قبيلتين في جنوب السودان في طريقه للتهدئة. وخطورة انضمام قبيلة النوير للتمرد بصورة مباشرة, يكمن في أن هذه القبيلة تقع في أراضيها مناطق استخراج النفط السوداني, وان مهمة الحكومة السودانية وحماية حقول النفط قد تصبح مستحيلة إذا لم تسارع وتقطع الطريق أمام الاتصالات التي يجريها قرنق مع بعض زعماء النوير, وقد أكد أحد معاوني قرنق ان الحركة الشعبية قدمت العديد من الضمانات لهذه القيادات أهمها إن كل العمليات العسكرية القادمة في أعالي النيل سيقوم بها ضباط وجنود من قبيلة النوير تابعين للحركة الشعبية, وقد بدأ قرنق ذلك بتعيين جيمس اوث مسئولا عسكريا للحركة في إقليم أعالي النيل وهو أحد أبناء قبيلة النوير. تنسيق لوقف العداء من المرجح إلا تصل المفاوضات بين قرنق ومشار إلى عودة مشار للحركة من جديد, ولكن الأقرب كما أكد أحد معاوني قرنق أن يتم التوصل إلى تنسيق بوقف العمليات العدائية بين الجانبين. وأضاف إن هناك مجهودات لتطوير ما تم في منطقة مابان في إقليم أعالي النيل حين نسقت قوات الطرفين ميدانيا وانه منذ ذلك الوقت يسعى الطرفين للتنسيق على مستوى القيادة. وان مشار وقرنق قد يتوصلان إلى تنسيق اكبر للعمليات العسكرية في إقليم أعالي النيل. يرى المراقبون أن موقف د. مشار العسكري ضعيف, وقد يقبل في الفترة الحالية كل شروط قرنق, فهو اعتمد على قوة قبيلته (النوير) عندما انشق عن الحركة الأم في العام 1991 بعد إعلان الناصر الشهير وشاركه فيه د.لام أكول ولكن عددا غير قليل من قيادات النوير فضل البقاء في صفوف حركة قرنق وقتها, وعندما وقّع مشار اتفاقية الخرطوم للسلام أو السلام من الداخل مع الرئيس البشير وتولى بعدها منصبي مساعد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس تنسيق الإقليم الجنوبي انشق عنه عدد آخر من القيادات بحجة عدم رضائهم عن بنود الاتفاق مع الحكومة, رجع معظمهم لحركة قرنق التي كانت قد استعادت المبادرة العسكرية في ذلك الوقت وبدأت تسيطر على بعض المناطق في الإقليم الاستوائي. وكذلك عندما قدّم د. مشار استقالته من الحكومة فضل عدد من قادته البقاء مع النظام الحاكم وعدم العودة للتمرد مرة أخرى وعلى رأس هؤلاء حليفه ومهندس الانشقاقات د. مهندس لام اكول ولا ننسى الأعداد الكبيرة لقوات مشار في المدن الجنوبية الكبرى وحتى في الخرطوم وهذه القوات إذا أرادت أن تنضم لمشار الآن لن تجد طريقا إلى ذلك واصبح مصيرها مرتبط بالقوات الحكومية. ولأن مشاركان يفقد العديد من مسانديه في كل خطوة من خطواته .. كانت محاولات عودته إلى صفوف الحركة الأم والتي بدأت منذ العام 1998 غير مرحب بها, خاصة وان مشار كان يرى أن ثمن انشقاقه من النظام الحاكم لن يكون اقل من عودته إلى جميع مناصبه التي كان يحتلها في قيادة حركة قرنق. ومن المعروف أن مشاركان يعتبر الرجل الثالث في ترتيب قيادة الحركة الشعبية بعد جون قرنق ونائبه سلفا كير, وقد حاول مشار بعد تعنت الحركة في بداية اتصالاته بها البحث عن مكان آخر في خارطة السياسة السودانية, واتصل بقيادة التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لكن تجمع المعارضة كان يعلم أن الحركة الشعبية ستستخدم حق الفيتو ضد مشار لذلك لم يعير مشار أي اهتمام ورفض طلبه بطريقة آلية, خاصة وان حركة قرنق تطرح نفسها إقليميا ودوليا على أنها الممثل الشرعي والوحيد لجنوب السودان. كما اتصل مشار بحزب الأمة الذي يقوده الصادق المهدي عارضا التنسيق معه, وكان حزب الأمة اكثر تفهما لوضع مشار ولكنه كان يعلم أن الاتفاق أو التنسيق مع مشار يعني قفل الباب نهائيا أمام أي محاولات للتنسيق مع حركة قرنق التي هي ودون شك القوة الرئيسية في جنوب السودان عسكريا وسياسيا, لذلك اكتفى المهدي بوعد مشار بالتنسيق معه في المستقبل وإشراكه كقوة مستقلة في مؤتمر الحوار الشامل المؤمل عقده, ولكن يبدو أن حزب الأمة الآن, بعد أن تصاعد خلافه مع قرنق يسعى إلى التعاون مع جبهة جنوبية عريضة, للضغط على الحركة الشعبية وإبراز إنها ليست الممثل الوحيد للقضية السودانية في المستقبل. ويجري الأمير عبدالرحمن نقدالله عضو المكتب السياسي لحزب الأمة هذه الأيام اتصالات مكثفة مع قيادات الحركة الشعبية في العاصمة الأوغندية, وبناء على نتائجها سيحدد حزب الأمة موقفه النهائي, وقد يترتب عليها تجديد الاتصالات مع مشار وقيادات جنوبية أخرى. بابان للحكومة اكتشف د. مشار في الفترة الماضية وقبل انقسامات التجمع الوطني المعارض ان أمامه فقط بابي الحكومة وحركة قرنق, وكان قرنق اكثر إدراكا من الحكومة خاصة ان العديد من المتمردين الجنوبيين يلقون الاتهام على الحكومة في مقتل القيادي الجنوبي كاربينو كوانين بعد انشقاقه منها وانضمامه لحركة قرنق وعودته مرة أخرى لصفوف الحكومة بمعنى أن د. مشار يتخوف من تصفيته بعد أن سلك ذات الطريق الذي سلكه سلفه كاربينو. كما ان العديد من المراقبين لا يجدون تفسيرا للموقف المتشدد لحكومة البشير والذي واجهه اتباع مشار الذين مازالوا على تحالفهم مع الحكومة عندما حاولوا إقناع الحكومة بتشكيل وفد منهم لإقناع مشار بالعدول عن استقالته وهو ما كان يحتاجه مشار في ذلك الوقت ويحفظ له ماء وجهه.. قرنق مع كل المعارضة التي كان يواجهها من معاونيه حول عودة مشار إلى صفوف الحركة الأم ترك الباب مواربا لعودة مشار بشروط الحركة الأم لأنه على علم تام أن مشار ليس فردا إنما هناك قبيلة كبيرة تقف خلفه, ومع علم قرنق بالوضع العسكري الضعيف لمشار إلا أن الاتفاق معه يعطي الحركة الضوء الأخضر لمزاولة نشاطها العسكري بحرية اكبر في إقليم أعالي النيل الهام جدا في الوقت الحالي, بدعم مباشر من النوير أو في اضعف الاحتمالات تحييدهم في قتاله مع القوات الحكومية وتصبح خطواته اكثر خفة للوصول إلى حلمه والسيطرة على كل جنوب السودان دون الخوف من طلقات تأتى من خلفه. وهناك عامل هام جعل مشار يختار التنسيق مع الحركة الشعبية التي يقودها قرنق, فقد وجد مشار بعد جولة طويلة, إن كل أبواب الدول الأفريقية التي قد تسانده مقفلة في وجهه مثل أوغندا وزامبيا وجنوب أفريقيا وزيمبابوي, وان مفتاح هذه الأبواب في يد حركة قرنق. وقد يكون تقدير مشار إن الدخول في تنسيق مع قرنق سيساعده في تسليح فصيله وترتيب أوضاعه الداخلية ويمكن له أن يفرض شروطه في المستقبل. وفي اتجاه آخر فان مشار يعلم تماما أن مشاركته في أي تسوية سياسية للحرب في جنوب السودان لا بد أن تمر عبر قرنق وان التنسيق معه الآن يجعله داخل اللعبة السياسية وان كان يدري أن وزنه لن يكون كالسابق ولكن من المؤكد انه يراهن على الزمن. مستقبل الصراع في جنوب السودان من الواضح أن القوات الحكومية فشلت في استعادة بعض المواقع التي سقطت في يد حركة قرنق, وإذا استمر الوضع العسكري على ما هو عليه ستصبح القوات الحكومية محاصرة في المدن الكبيرة فقط. الحركة الشعبية بدأت في نقل نشاطها العسكري إلى المناطق النفطية في إقليم أعالي النيل, وان التهديد سيصل إلى حقول النفط قريبا, بعد أن سيطرت على معظم المناطق في إقليمي بحر الغزال والاستوائية. ويعزي المراقبون تمدد قوات قرنق إلى ضعف تدريب القوات الحكومية والقوات المساندة لها من قوات الدفاع الشعبي خاصة بعد انشقاق د.حسن الترابي من الحكومة, فقد كان معلوما ان معظم نشطاء قوات الدفاع الشعبي من الطلاب والذين مازالوا على ولائهم لشيخهم, مقارنة بالخبرة الكبيرة للمتمردين الذين تواصل عملهم لنحو 17 عاما, تلقّى معظم قادتهم تدريباتهم العسكرية في كوبا وأثيوبيا, كما إن تعدد جبهات المواجهة في الشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة, بالإضافة الجبهات العديدة في جنوب السودان شتت جهود الجيش السوداني. يرى المراقبون للحرب الأهلية في جنوب السودان ان أمام العهد الجديد لحكومة البشير ثلاثة اختيارات جميعها صعبة, ولكنها قد تكون مجبرة على اتخاذها قبل انهيار الوضع كليا: * الأول: الإسراع بعملية الحل السلمي لمشكلة جنوب السودان, ومن المؤكد أنها في هذه الظروف ستضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة. * الثاني: تعيد ترتيب قواتها المسلحة بحيث تستعيد المبادرة من جديد, وتحقق انتصارات عسكرية على الأرض يجعلها تفرض بعض شروطها. ويبدو أن هذا الخيار بعيد المنال في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها الدولة السودانية في الوقت الراهن بالإضافة إلى انه يحتاج لفترة زمنية طويلة. * الثالث: وهو احتمال غير متوقع في ظل الاستقطاب الحاد الذي تمر به حكومة البشير مع حلفائه السابقين, ولكنه تردد في الأعوام الماضية كثيرا, ويتركز في انسحاب القوات الحكومية طواعية من المدن الجنوبية الكبيرة مثل توريت وكبويتا, وتركيز القوات الحكومية في عواصم الأقاليم فقط, بل إن آخرين طرحوا فكرة الانسحاب من الاستوائية وبحر الغزال, وإعادة انتشار الجيش السوداني في إقليم أعالي النيل النفطي حتى يتم التوصل لحل سياسي, وخطورة هذا الحل إذا أقدمت عليه الحكومة يكمن في رفع معنويات حركة قرنق وقد يقود هذا الشعور إلى الإعلان عن دولة جنوب السودان وعاصمتها جوبا وعند ذلك المنعطف يصبح أمر السودان الموحد أثرا يتباكى عليه الجميع. نيروبي ـ المركز الأفريقي للاخبار:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات