تحليل اخباري: ملامح للتفاؤل في المشهد السوداني ـ كتب: عمر العمر

رغم الارتباك الذي يبدو غالبا على المشهد السياسي السوداني الا ان العين الثاقبة يمكن ان تلمح اكثر من سمة تحث على التفاؤل في سياق الاحداث المتلاحقة بدءاً من رفض المهدي المشاركة في السلطة ومرورا باتفاق الترابي قرنق ثم اعتقال عراب النظام ومرشده وانتهاء بالتشكيل الوزاري الجديد. ولعل الارباك ناجم عن ايقاع الاحداث وليس افرازا لنوعيتها او تراكمها ومن ثم فان كثافة الغبار الناجم عن الحركة لا يعمي كل ذي بصيرة مدربة على النفاذ الى جوهر الاشياء. وربما مما يحرض على التفاؤل انه يمكن للمرء ان يقرأ بوضوح مؤشرات لنبض وعي معافى بدأ يدب في جسد الحركة السياسية السودانية المترهل. واذا صدقت هذه القراءة واثبتت مصداقيتها ففيها ما يدعو للتفاؤل وازاحة التشاؤم والاحباط المكرسين بتراكمات عديدة في الداخل والخارج. فرفض المهدي الدخول طرفا في التشكيل الوزاري المعلن لم يعد فقط حزب الامة الى موقعه المؤثر في المعارضة وانما تأسس على نظرة عقلانية وموضوعية معلنة. وهذا ملمح جدير بالتشديد عليه ومؤشر للوعي والعافية, فالمهدي لم يرفض الاستوزار فقط كما كان يريد اهل النظام ولكنه ضغط على ماهو اكثر اهمية من المناصب او المكاسب الانية كما انه تجاوز بذلك (المكايدة الحزبية) التي تمثل معضلة حقيقية في السياسة السودانية. ما يحرض على التفاؤل اكثر في رفض المهدي انه جاء خلاصة لحوار مكثف ومطول مع النظام ودخول الطرفين في اشتباك فكري من هذا الطراز يؤشر هو الآخر لنبتة طرية ومثمرة على الساحة السودانية. وبرفضه المعلن افلح للهدى في الضغط مجددا على مفاصل الخلاف بين تجمع المعارضة والنظام. هذا الحوار الذي اخفق في حمل المهدي الى السلطة نجح في ابانة روح جديدة لدى النظام اذ اعترف علنا بالتباين في وجهات النظر مع المهدي لكن النظام لم يعاقب حزب الامة على موقفه. على نقيض ذلك اكد اهل السلطة عزمهم على مواصلة الحوار مع حزب المهدي. وهذا مؤشر آخر جدير بالوقوف لديه وتثمينه فهو يعكس ضمن ما يعكس جدية في السعي من اجل تحقيق الوفاق الوطني واذا ما مضى النظام في تأكيد هذا المسعى فانه يكون قد اصبح مؤمنا بالوفاق الوطني مدخلا اساسيا للاستقرار والسلام والتنمية, وهذه قناعة جاءت عبر جهود مضنية تكبدها شعب السودان. كما ان موقف حزب الامة الرافض للاستوزار جاء عبر مخاض سياسي طويل من خلال اجهزة الحزب ولم يكن قرارا فوقيا او نزغاً فرديا. وشاهد الجميع جمعا من قاعدة الحزب يتسلق دار المقر الرئيسي في ام درمان من اجل الضغط على القيادة لجهة رفض القبول باقتسام السلطة او المشاركة فيها. ليس مهما ما اذا كانت فئة من القيادة استقوت بقطاع من القاعدة ام ان ذلك الجمع الجماهيري زحف طوعا الى مقر قيادة الحزب. ففي الحالتين جاء القرار منسجما مع قاعدة الحزب. ولا يضر الحزب ان يستقوي جناح من القيادة بالقاعدة على جناح آخر ولا يضير القيادة ان تذعن لضغط قاعدتها. الحالتان تعكسان مؤشرا للوعي الذي يبث الأمل, فالثابت ان مشاركة حزب الامة في السلطة لن تجعله شريكا في النظام كما ان استوزار بعض وجوه الحزب قد يعني طي ملف من ملفات التناحر بين النظام والمعارضة لكنه لا يعني اسدال الستار على حقبة سياسية بعينها في التاريخ السوداني او رفع الستار عن مشهد سياسي يبشر بأمل جديد. رفض حزب الامة على النحو الذي انتهى يعكس كذلك ان هذا الحزب نجح في اعادة بناء اجهزته وربما يكون هذا ابرز ثمار عودة المهدي. واعادة بناء حزب سياسي سوداني مؤشر بالغ الحيوية. ربما من مفارقات السودان السياسي الدرامية ان هذه العلاقة المعافاة بين المهدي والنظام بدأت من (لقاء جنيف) الا ان لقاء ثانيا في جنيف بلغ بالعلاقة الموتورة بين البشير والترابي مرتبة القطيعة الدامية. من اليسير كيل الاتهامات اذ انه ممارسة لا تحتاج الى عناء الاجتهاد لكن النفاذ الموضوعي الى الجوهر يتطلب مهارة ضمن شروط اخرى. فاسباغ الانتهازية على اي سياسي ليس حكما موضوعيا بالضرورة فليس ثمة فاصل حاد بين مقومات هذه الوصمة وبين مكونات التكتيك. فالسياسة في ابلغ صورها هي فن الممكن. كما ان اعتبار ما اقدم عليه رجل بقامة الترابي مجرد انتهازية قد لا يسيء الى الموصوف وحده فليس مطلوبا من سياسي بحنكة الترابي ان يلتزم السكون بعد ان تم تجريده من نظام بناه بفكره ولسانه. قد يعتقد البعض ان قرنق حقق مكاسب من وراء لقاء جنيف الثاني وان الترابي خسر ما تبقى لديه من رصيد, هذا هو النصف الفارغ من الكوب. القراءة المتأنية لنصوص اتفاق التفاهم بين حزب الترابي وحركة قرنق لا تنتهي الى بنود جديدة شاذة عن ادبيات السياسة السودانية المتبادلة منذ مطلع التسعينيات. التلاقي بين الترابي وقرنق ليس جريمة يعاقب عليها الدستور والعرف السياسي في السودان. ربما من الافضل ان نتفق ان الترابي قفز قفزة طويلة حين التقى على مذكرة للتفاهم مع قرنق, وقد يكون بيننا من يدين الترابي على تلك الوثبة اذ يرى فيها نكوصا عن قناعات سابقة رددها الترابي. ولكن بيننا كذلك من يرى في قفزة الترابي وثبة الى الامام باعتبارها تذهب لجهة تكريس الحوار الذي يفضي الى الوفاق الوطني. واذا كان الترابي قد تخلى عن قناعات سابقة فالحكم على تحركه يأتي من منطلق النظر الى التوجه الجديد فليس ثمة افكار سياسية صمدية لاتتبدل. لا يعيب الترابي بل ربما يزينه ان يعلن عن قناعات سياسية هي ليست مستحدثة على الساحة السودانية بل ان هناك فصائل عديدة تلاقت عندها. وربما يكون في هذه القفزة الطويلة من قبل الترابي مؤشر يدعو للتفاؤل بتلاقى جميع الفرقاء السودانيين بدلا عن تدابرهم. قد يزعم البعض ان الترابي يفتقد الى المصداقية في تفاهمه مع قرنق. وأزيد على ذلك ان الترابي لم يكن يقصد قرنق لذاته وانما اراده معبرا الى فصائل المعارضة الشمالية, فالترابي يعرف انه وجه غير مقبول لدى انداده من قادة المعارضة الذين عانوا كثيرا من نظامه ولكنه يدرك في الوقت نفسه ان قرنق رقم لا يمكن تجاوزه في الحساب السياسي السوداني. ويعلم كذلك انه اذا أصبح مقبولا لدى قرنق فلدى الزعيم الجنوبي القدرة على ترويجه وسط حلفائه الشماليين. اعتراف الترابي بهذه المعادلة يمثل في حد ذاته مؤشرا يدعو الى التفاؤل. لم يكن الترابي اول شخصية شمالية تذهب الى الجنوب والالتقاء مع قرنق في سبيل العودة مع مياه النيل الى الخرطوم. كذلك فعل الفعلة من قبله الدكتور منصور خالد الذي كان وجها غير مقبول لدى انداده من الشماليين ولم يكن لديه مظلة سياسية يستظل بها فادرك ببراعته قدرة قرنق على حمله الى الشمال نجما مجددا وكذلك عاد. اي تقارب بين الفصائل الشمالية وحركة قرنق يؤدي الى تذويب مسافة من الخلافات بين طرفي القطر المتناحرين. وهذا مؤشر يدعو إلى التفاؤل. ربما كان اجدى للنظام والوطن فيما اذا سلك النظام مع الترابي نهج الحوار نفسه الذي استخدمه مع المهدي. فمن المقبول ان نتحاور كثيرا ونختلف ازاء ما اذا كان الترابي قفز الى الامام ام نكص حين التقى مع قرنق على مذكرة تفاهم. ولكن لا مجال للتباين ازاء موقف النظام. فمن المؤكد ان حملة الاعتقالات تمثل ردة وقفزة كبيرة الى الوراء بمعايير الحوار والوفاق الذي يتبناه النظام. ربما جاء اعتقال الترابي رد فعل متسرعاً ولكن المفرح ان رد الفعل لم يشوه المشهد السياسي العام فلا تزال جسور الحوار ممدودة بما في ذلك تلك التي بين النظام وقرنق. اذ اختلفنا ازاء تعامل النظام مع الترابي فاننا نتفق معه في الرغبة التي ابداها من خلال التشكيل الوزاري لجهة توسيع المشاركة في السلطة. ليس بالضرورة تأييد شكل او جوهر التشكيل الحكومي او حتى حجمه غير أنه في مظهره العام ما يدلل على وعي النظام بحقيقة الوفاق الوطني فكما خلع الترابي قناعاته السابقة مارس النظام الخلع نفسه وقبل شركاء في السلطة. من المباح ان تتباين الرؤى ازاء ثقل وفعالية الشركاء على المسرح السياسي ولكن ما من احد ينكر وجودهم على الخشبة السودانية. مجرد الظهور في هذا المشهد يعطي اللعبة سمة الفريق الجماعي وهذه في حد ذاتها خطوة تدعو للتفاؤل مقارنة مع ما انقضى. الأمل في اكتمال الممثلين وليس في اسدال الستار يبقى قائما طالما هناك قدرة على الحراك باتجاه الوفاق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات