من الذي يدفع للزمار؟ (الأخيرة) ، هناك كيان اسمه (الناتو الثقافي)

تعود العرب على مر السنين النظر الى حلف شمال الاطلسي باعتباره تكتلا عسكريا وسياسيا غربيا, غير ان مؤلفتنا, فرانسيس سوندرز, تفاجئنا في الفصل العشرين من كتابها الذي تختتم مناقشته هنا بوجه آخر لهذا الحلف الذي ، تتحدث عنه تحت عنوان (الناتو الثقافي), وفيه تقول ان مكانة حزب العمال البريطاني ازدادت علوا بنهاية الحرب العالمية الثانية مع انتصاره الساحق في الانتخابات العامة سنة 1945 التي اطاحت برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. غير ان شتاء عام 1947 كان شتاء مريرا بالنسبة للحزب, فقد بدأ الشعور الحماسي يتلاشى, وادت الحرب الباردة الى حدوث انشقاق داخل الحزب وانقسم اهل اليسار فيه الى قسمين: الاول يعادى الستالينية, والثاني يرى ضرورة التوافق مع الاتحاد السوفييتي, اما اهل اليمين فقد اصروا على التزامهم بهزيمة الشيوعية, وانتظم الفريق الاخير حول صحيفة (سوشياليست كومنترى) وضم بين ابرز اعضائه كلا من دنيس هيلي, وانتوني كروسلاند, وريتاهيندن, وهيوجيتسكل. وقد عرف هذا الفريق الاخير باسم (المنادين بالتعديل) بسبب التزامهم بتحديث حزب العمال بما في ذلك الغاء المادة 4 الخاصة بالتأميم, وبذلك وفر هذا الفريق الفرصة التي كانت وكالة المخابرات الامريكية تبحث عنها لربط الفكر السياسي البريطاني بخططها الخاصة بأوروبا, وقد اتضحت معالم هذه الخطط في وثائق متتابعة من وثائق السياسة الامريكية باسم تماسك حلف الاطلسي والدفاع الاوروبي واقامة السوق المشتركة, والاهداف التي تتطلب من دول اوروبا التضحية بحقوق وطنية معينة لصالح الامن الجماعي, ولكن كان خبراء الاستراتيجية في واشنطن يعرفون جيدا ان انجلترا بوجه خاص, سارعت الى التشبث بعاداتها السيادية, وقد جاء في احد تقارير وزارة الخارجية الامريكية انه ليس من السهل القول ان المملكة المتحدة يسعدها ان تتنازل عن حقوق سيادة محددة لصالح الامن الجماعي, الا اذا اضطرت الى ذلك تحت ضغط منطق الظروف. بريطانيا المتأمركة كانت (الحركة الاوروبية) هي جماعة الضغط الرئيسية لترويج فكرة وجود اوروبا موحدة بالشراكة مع امريكا, وكانت هذه الحركة المظلة التي تغطي مجموعة انشطة موجهة الى تكريس الاندماج السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي, وقد اشرف على الحركة كل من ونستون تشرشل وافريل هاريمان وبول هنري سباك, واصبحت هذه الحركة تحت الاشراف المكثف للمخابرات الامريكية, وكان تمويلها يأتي بكامله من وكالة المخابرات المركزية من خلال واجهة مزيفة تسمى (اللجنة الامريكية لاوروبا الموحدة) والتي كان توم برادن هو سكرتيرها التنفيذي (وهو رجل المخابرات الذي سبقت الاشارة اليه) اما الذراع الثقافية, للحركة فهو (المركز الاوروبي للثقافة) الذي يديره رجل مخابرات آخر هو دنيس دي روجمونت, وفي عام 1950 بدأ برادن برنامجا هائلا للمنح المقدمة للطلاب واتحادات الشباب بما في ذلك ما يسمى بـ (الحملة الاوروبية, للشباب), وبتوجيه من وكالة المخابرات المركزية الامريكية كانت هذه المنظمات رأس الحربة في حملة الدعاية والاختراق التي صممت لنزع شوكة حركات جناح اليسار السياسية, وتوليد القبول بنوع معتدل من الاشتراكية, اما اولئك الليبراليون الدوليون المهتمون بفكرة وجود اوروبا موحدة تلتف حول مبادىء داخلية من بينها ولا تتبع المصالح الامريكية الاستراتيجية, فان واشنطن اعتبرتهم على المستوى نفسه من السوء مع الحياديين. وصدرت التعليمات الى وكالة المخابرات المركزية ومجلس الاستراتيجية النفسية (بتوجيه وسائل الاعلام نحو القضاء على هؤلاء الاشخاص بالذات). وكان الشخص الذي لعب دورا محوريا في هذه العملية هو جاي لفستون الذي عمل مع جيمس جيسوس انجلتون, وكانت مهمة لفستون هذا ان يخترق النقابات العمالية الاوروبية, ويتخلص من العناصر المشكوك في امرها, ويشجع بروز قيادات مقبولة لدى واشنطن وخلال تلك المدة قام بامداد انجلتون بالعديد من التقارير حول شئون النقابات العمالية في بريطانيا بمساعدة معارفه في تلك النقابات وفي حزب العمال وسمح انجلتون لنظرائه في المخابرات البريطانية القليلين الذين كانوا موضع ثقته, بالاشتراك مع لفستون في خليته, وقد كان هؤلاء ضمن دوائر العمل البريطانية, الذين وجدوا انفسهم في حالة صعود في اواخر الخمسينيات. وكلفت المخابرات مؤتمر الحرية الثقافية بالانضمام الى هذه العملية فقامت بتمويل رحلات للسياسي البريطاني هيوجيتسكل الى نيودلهي ورودس وبرلين ثم الى مؤتمر مستقبل الحرية عام 1955 في مدينة ميلانو, وقد اجتذب المؤتمر ايضا ريتا هنيدن ودينس هيلي, وبعد ان فقد السياسي البريطاني دينس كروسلاند مقعده في البرلمان عام 1955 وظفه رجل المخابرات الامريكية جوسلسون للمعاونة في خطة الندوات العالمية لمؤتمر الحرية الثقافية تحت اشراف دانييل بل الذي تم (استيراده) من امريكا لهذه الغاية. كان كروسلاند قد ألف كتابا عنوانه (مستقبل الاشتراكية) الذي اصبح بمثابة برنامج العمل (لبريطانيا المتأمركة) وقد وصف جوسلسون ايضا ريتا هيندن بقوله: (انها واحدة منا) وهذه السيدة هي شخصية اكاديمية من جنوب افريقيا تعمل في جامعة لندن وقد لعبت دورا اساسيا في الحصول على منحة من جوسلسون لدعم صحيفة الجمعية الغابية المسماة (فنتشر) التي تدافع بقوة عن سياسة توحيد اوروبا كذلك اصبح دينس هيلي, بصلاته الوثيقة باليسار الامريكي غير الشيوعي وبدعاة حلف الاطلسي, حليفا وفيا لمؤتمر الحرية الثقافية ومجلة (المواجهة) على وجه الخصوص, كذلك كان هيلي احد العناصر المتلقية والموزعة للمواد التي تنتجها دائرة البحث الاعلامي, وفضلا عن ذلك كان يقوم بامداد الدائرة بالمعلومات عن اعضاء حزب العمال واعضاء النقابات العمالية. وكان هيوجيتسكل زعيم حزب العمال اهم شخصية بين هؤلاء جميعا, وسرعان ما ارسلت المخابرات الامريكية, لاسكي الى لندن لينضم الى مجموعة المثقفين الصغيرة التي تجتمع في منزل جيتسكل, وفي عام 1960 عقد حزب العمال مؤتمرا في سكاربورو وخلاله شن جيتسكل هجوما عنيفا على اليسار (رفيق الدرب), وتساءل بعض مستمعيه عن (الدرب) الذي ينتمي اليه هو وذلك نظرا لصلاته الوثيقة بدائرة البحث الاعلامي التابعة للمخابرات البريطانية فضلا عن صلاته بمجلة (المواجهة) المدافعة عن وجهات نظره وسياساته وعندما هزم حزب العمال بقيادة هارولد ويلسون المحافظين في انتخابات عام 1964 كتب جوسلسون رسالة الى دانييل بل يقول فيها (اننا جميعا سعداء لوجود هذا العدد الكبير من الاصدقاء في الحكومة الجديدة) (وتلاحظ المؤلفة انه كان في حكومة ويلسون الجديدة ستة كتاب منتظمين في مجلة (المواجهة)), وهكذا عمل لاسكي على ان تحتل تلك المجلة مكانا مهما على الاجندة السياسية لملاكها المتسترين, وكان الثمن غاليا كما قال ريتشارد وولهايم الذي اكد ايضا انها اصبحت تمثل غزوا خطيرا جدا للحياة الثقافية البريطانية وحملها المسئولية عن رضا العديد من المثقفين البريطانيين واعضاء حزب العمل عن حرب فيتنام. نيران امريكية على نيرودا قصة اخرى ترويها مؤلفة الكتاب عن معركة ادارتها المخابرات المركزية الامريكية لحرمان الشاعر بابلو نيرودا من جائزة نوبل التي كان مرشحا لها لعام 1964 ففي بدايات عام 1963 تلقى جون هنت ــ رجل المخابرات الامريكية ــ اشارة تفيد ان الشاعر التشيلي نيرودا مرشح لنيل جائزة نوبل في العام التالي وكان ارسال هذه المعلومات الى هنت امرا نادرا للغاية اذ كان معروفا ان لجنة الجائزة تقوم بعملها في سرية مطلقة فكيف تسربت تلك المعلومات؟! وبحلول شهرديسمبر 1963 بدأت حملة من الدعاية الخفية ضد الشاعر, وبذل هنت جهودا كبيرة لاخفاء دور منظمة مؤتمر الحرية الثقافية في شن حملة اشاعات حول نيرودا, والحقيقة ان هنت كان قد بدأ تنظيم الهجوم منذ شهر فبراير عام 1963, وتعود المؤلفة في ذلك الى رسالة كتبها جوليان جوركين الى صديق له في ستوكهولم يتحدث فيها عن بابلو نيرودا وذكر له انه اخبر هنت برغبته في تأليف كتاب باللغة السويدية موضوعه: (حالة نيرودا) ولكن هنت ابدى شكه في فائدة مثل هذا الكتاب, وطالب عضو (المؤتمر) الناشط رينيه تافرنييه باعداد تقرير مدعم بالوثائق باللغتين الفرنسية والانجليزية لتوزيعه على اشخاص معينين, وأكد على انه لايوجد وقت كاف اذا اريد تحاشي (فضيحة) حصول بابلو نيرودا على جائزة نوبل, وطلب من تافرنييه اعداد ذلك التقرير بالتعاون مع جوليان جوركين (وصديقه السويدي). وقد ركز تقرير تافرنييه على انتماء نيرودا السياسي, وذكر انه كان (مستحيلا الفصل بين نيرودا الفنان ونيرودا الداعية السياسي) واتهم التقرير نيرودا, عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيلي, بأنه استخدم شعره كأداة لانتمائه السياسي الذي كان (شاملاً وشمولياً), وذكر التقرير ان ذلك كان فنا من (مناضل ستاليني منظم). واستغل التقرير حصول الشاعر على جائزة ستالين عام 1953. ولم يصحل نيرودا على جائزة نوبل لعام 1964 للآداب, وفاز بها جان بول سارتر, وكان على بابلونيردا ان ينتظر حتى عام 1971 عندما كرمته الاكاديمية السويدية, وكان آنذاك سفيرا لبلاده في فرنسا ممثلا لحكومة صديقه المنتخب ديمقراطياً سلفادور الليندي الذي اطيح به بانقلاب دموي واغتيل عام 1973 بمعاونة الذراع الطويلة لوكالة المخابرات المركزية الامريكية. قيصر الارجنتين في هذا الجو القاتم لعالم الاسرار الخفية والمؤامرات والاغتيالات الجسدية والفكرية ادعوك عزيزي القارىء الى الخروج منه بسرعة مع هذه الحكاية الطريفة عن نهاية رجل مخابرات, ففي فصل طريف بعنوان (قيصر الارجنتين) تتحدث سوندرز عن تفاصيل هذه القصة, ولكنها تعود الى ما قبل ذلك بسنوات, فتقول ان منظمة مؤتمر الحرية الثقافية ظلت اعواما طويلة تحاول ان تزيد من نفوذها في امريكا الجنوبية. وكانت صحيفتها هناك هي صحيفة (كوادرنوس) التي تولى رئاسة تحريرها جوليان جوركين, وكان جوركين قد أنشأ الحزب الشيوعي في فالنسيا عام 1921 وعمل ضمن شبكة تحت الارض لحساب الكومنترن, وتعلم تزوير جوازات السفر. وفي 1929 اختلف مع موسكو وزعم ان السوفييت حاولوا تشجيعه على أن يكون قاتلا. وقرب نهاية الحرب الاهلية الاسبانية هرب الى المكسيك حيث نجا هناك من خمس محاولات لاغتياله. وكان عمله كرئيس تحرير لصحيفة (كوادرنوس) ان يخترق جو (عدم الثقة) السائد في امريكا اللاتينية. في ذلك الجو تقرر ارسال روبرت لوويل الاديب الشهير الذي كان يحضر حفلات ومقابلات الرئيس الامريكي كنيدي الى امريكا الجنوبية. ووصل لوويل وزوجته اليزابيث هاردويك الى ريو دي جانيرو ومعهما ابنتهما هارييت ذات السنوات الخمس من العمر, وكان وصولهم في الاسبوع الاول من يونيو 1962 واستقبلهم نابوكوف في المطار. ومرت الامور بسلام حتى عادت عائلة لوويل الى نيويورك في اول سبتمبر وتركته وحيدا ليكمل جولته الى باراجواي والارجنتين. وكان بصحبته كيث بوتسفورد الممثل الدائم المتجول لمؤتمر الحرية الثقافية في امريكا الجنوبية والذي زرعه جون هنت في هذه الجولة ليكون عينه على الشاعر. وفي بوينس ايرس بدأت المشكلات.. كان روبرت لوويل يتناول دواء لعلاج حالات الاكتئاب, ولكنه قرر فجأة الخلاص منه وقذف الكبسولات بعيداً, ثم عندما ذهب الى حفل الاستقبال الذي أقيم في القصر الجمهوري انكب على الشراب ووقف وأعلن انه هو (قيصر الارجنتين) وألقى خطبة هتلرية عصماء مدح فيها الفوهرر وأيديولوجية السوبرمان. وانطلق الى احد الميادين الرئيسية في المدينة وخلع ملابسه وصعد الى تمثال احد الفرسان وجلس فوقه. وبعد ان استمرت حالته على هذا النحو من الاضطراب اضطر بوتسفورد الى اصدار اوامر بتقييد رجليه ويديه وألبسوه سترة المجانين وحقنوه بعدة جرعات من دواء الثورازين. وزاد حرج بوتسفورد وإحساسه بالمهانة عندما اشار اليه لوويل وهو في وضع البطل الاسطوري (بروميثيوس مقيدا وأخذه يأمره بأن يصفر لحن انشودة (يانكي دودل) و(ترنيمة معركة الجمهورية). فيلم امريكي بغيض وفي هذا الشهر نفسه اتصل نابوكوف هاتفياً بماري مكارثي وكان صوته حزيناً وخفيضاً ليخبرها بأن لوويل تم احتجازه في عنبر المجانين في بوينس ايرس, وان مارلين مونرو انتحرت بسب علاقتها الغرامية مع روبرت كنيدي وان البيت الابيض قد تدخل في الأمر. وتقول المؤلفة ان ماري مكارثي شاركت نابوكوف في شعوره بالاشمئزاز قائلة له: (لقد بدأ عصرنا يظهر وكأنه فيلم أمريكي بغيض عن آخر ايام اباطرة الرومان, بينما اصبحت بركة السباحة في بيت روبرت كنيدي وكأنها حمام ممتلىء بحليب الحمير). وكانت حادثة لوويل مأساة مؤلمة, فقد كان الرجل المختار من قبل مؤتمر الحرية الثقافية باعتباره الامريكي البارز والشاعر القادر على مواجهة الشيوعية من امثال بابلونيروا, ولكن لوويل تحول الى مبعوث لافائدة منه بدون اقراص دواء الثورازين. وتنتهي المؤلفة في حكايتها الى الاعراب عن دهشتها الشديدة لانه لم تمض أكثر من سنة على هذه الحادثة حتى عادت المخابرات الى التفكير في ارسال روبرت لوويل ليمثل مؤتمر الحرية الثقافية في أحد المؤتمرات في المكسيك. ولا أجد ختاما لهذا العرض لكتاب فرانسيس سوندرز افضل مما اقتبسته من احدى المقالات التي تنتقد المخابرات الامريكية والتي نشرت في صحيفة (نيويورك تايمز) عام 1966 وتشير المقالة الى انشطة الـ (سي آي ايه) تبدو بلا نهاية سواء داخل امريكا أو خارجها, وعلى الرغم من وجود الأقمار الصناعية والالكترونيات وادوات التنصت يظل هناك استغلال عميق للبشر في التجسس. وتمضي الصحيفة الى القول ان كثيرين اصبحوا مقتنعين بأن (فرانكنشتاين) متوحشاً قد نما داخل وكالة المخابرات المركزية الامريكية ولم يعد ممكنا السيطرة عليه. ثم تتساءل الصحيفة: (هل لابد أن يعتمد حكم الناس الشرفاء المعتزين بوطنهم على عمليات (سوداء) وعلى (حيل قذرة) وتصرفات قاسية وغير مشروعة في (الأزقة الخلفية) للعالم؟ وهل سيأتي زمن تصبح فيه مقابلة النار بالنار, والقوة بالقوة والاذلال بالإذلال, والجريمة بالجريمة, أمرا سائداً مقبولاً, بحيث لا يبقى هناك أي تمييز للشرف والكبرياء بين خصوم شرسين يملؤهم الحقد؟ تلك اسئلة حقيقية وضرورية تقلق الشعب الامريكي وفي اعتقادنا انها مازالت تقلق كثيراً من الشعوب حتى يومنا الحاضر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات