يصعد إلى قمة المؤسسة الحاكمة في موكب من التوتر الإقليمي

لا يحوي التاريخ السياسي الإسرائيلي مسوغا حقيقيا للإدعاء بأن صعود حزب العمل ومناصرية للحكم, يعبر عن ميول شعبية للتسوية, وأن حكم الليكود ومحازبيه يعني العكس. فكل حروب إسرائيل العدوانية الشاملة, جرت تحت رعاية القوى الموسومة زورا باليسار. وحدث الشئ ذاته بالنسبة لعمليات التوسع الاستيطاني وضم القدس وقمع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة, وإحباط المساعي الدولية لإحلال السلام, ومخالفة أحكام الشرعية الدولية. وليس ثمة في سيرة إسرائيل الذاتية مايؤكد الصلة بين تبوؤ زعيم بعينه لقمة صناعة القرار, وبين إضرام نيران الحرب مع العرب أو إخمادها. فمثل هذا الزعم ينفي عن الدولة اليهودية صفة المؤسسة والتراتبية الوظيفية في الحكم والسياسة ويشخص السلطة لديها, قياساً على ما يجري في منظومة الدولة التي تنبع قراراتها الفارقة من رأس الحاكم ومزاجه الذاتي. وهذه حالة لا تتوفر في إسرائيل. علينا أن نعترف بذلك. وعلينا أيضا أن نلاحظ كيف كانت حروب إسرائيل العدوانية الكبرى, نتاجا لتدابير تتجاوز رغبة دوائر السياسة والحكم في تل أبيب. فإعلان الدولة وحرب 1948- 1949 حظيا بمباركة غربية عامة قادتها واشنطن. وحرب 1956 تمت بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا, وعدوان 1967 نال شارة خضراء من الولايات المتحدة, وحدث الشئ ذاته عند غزو لبنان 1982. ذلك بأن إسرائيل ظلت دوما بحاجة إلى تغطية دولية من صناعها التاريخيين, تهيئ لها سد أوجه العجز السياسي والقانوني والعسكري والاقتصادي واللوجستي, في إطار بيئة إقليمية ودولية, لا قبل لها وحدها بمواجهتها على مدى زمني معين. وهذا متغير غائب الآن طي الأفق الدولي. مؤدى ذلك, أنه لا توجد علاقة خطية أو شرطية مباشرة بين صعود أرييل شارون إلى رئاسة الوزارة الإسرائيلية وبين وقوع عدوان إسرائيلي جديد ضد العرب. فثمة محددات لهذا الاحتمال تخرج به عن إرادة هذا المجرم القديم الجديد, مهما بلغت لديه شهوة الاجرام (ثم من قال إن أسلافه الذين ترددوا على هذا المنصب لا يشاركونه صفة مجرمي الحرب؟) والأمر كذلك, من أين تأتت فكرة اقتران عهد شارون بنمو احتمال انفجار الموقف في ( الشرق الأوسط ) نحو الحرب؟ لقد ظهر لهذه الفكرة مؤيدون كثيرون منذ بدأت منافسة شارون على أرفع موقع في العملية السياسية الإسرائيلية. ويبدو أنها لن تفقد جاذبيتها بوصول الرجل إلى هذا الموقع بالفعل. هذا على الرغم من مجافاتها للتقاليد والمحددات المذكورة أعلاه, والواقع أن قناعة بعض العرب بصحة الربط بين التصويت لشارون والانحياز للحرب إسرائيليا, بلغت حد اليقين, فلابد إذن من تحري دوافع هذه الظاهرة. وعلى سبيل الاجتهاد في هذا السياق نلفت النظر إلى: أولا: تأثير السيرة الذاتية لشارون, فهو من عتاة المجرمين الصهاينة منذ كان جنديا إلى أن تولى وزارة الدفاع إنه نموذج للعلو الصهيوني في الممارسات الإرهابية بحق العرب, وباسمه تقترن مذابح شهيرة من غزة في السبعينيات إلى صبرا وشاتيلا في الثمانينيات وهو مصنف حتى في إطار المؤسسة الصهيونية بالتطرف الإجرامي ومدان منها بلجنة تحقيق خاصة (لجنة كاهانا 1983 ), وإذا ألحقنا بهذا السجل الأسود القديم أراء الرجل الحالية في عملية التسوية وحدودها, أضحى من السخرية انتظار تحولات درامية في هذه العملية على يديه. ثانيا: صحيح أن القرار السياسي الإسرائيلي يبنى على تراتب مؤسسي, لكن التطور المؤسساتي لا يحجب في كل النظم دور القيادات ورؤاها الخاصة, ومنظورها للقضايا الحيوية وكيفية التعامل معها. وفي حالة شارون, ثمة مبرر للقول بأنه سيكون للاعتبارات الشخصية تداعيات كبيرة على السياسة الإسرائيلية. نقول ذلك مستحضرين أن هذا الرجل مال دوما للخروج عن النص, فأثناء حملته في لبنان, وقيل إنه تخطى المهمة المحددة لقواته الغازية حين مضى بها إلى احتلال بيروت وإرتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا بالتحالف مع بعض القوى اللبنانية . وليس زيارته الاقتحامية للحرم القدسي في أواخر سبتمبر الماضي, وانعكاساتها التي سمعنا ورأينا على مدار الشهور الماضية, إلا بعضا من شطحاته غير المحسوبة بدقة. ثالثا: يصعد شارون إلى قمة المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة في موكب من التوتر الإقليمي, ساهم هو ذاته مع أنصاره في تأجيجه, ولا تجدنا بحاجة للتذكير بحملتهم التي وصفت عربيا بالعنترية الخاصة باطلاق تهديدات بالحرب على محور واسع يصل من طهران إلى أسوان مرورا ببغداد ودمشق. ومهما تعلقت هذه الحملة بالمزايدات والمناقصات الانتخابية, فإنه لا ينبغي لعاقل أن يهمل مفعولها ماديا ونفسيا على الصعيد الإقليمي. ففي منطقة مفعمة بالاحتقان, في أجواء محبطة من عملية التسوية, ومع كيان تجري العدوانية في تضاعيفه مجرى الدم, وتحت حكم مجموعة مشهود لها بالإجرام, تتعزز عوامل الحذر واليقظة. رابعا: أهم من ذلك كله, هذه الثقة التي منحها التجمع اليهودي الصهيوني الاستيطاني لشارون وزمرته ورؤاهم عبر صناديق الاقتراع, فقد اكتسح الرجل منافسه بنسبة لا سابقة لها في الانتخابات الإسرائيلية المشابهة. إذا فضل نحو 63 في المئة من الإسرائيليين التصويت لصالحه وهذا يعني بين أشياء أخرى, ميل التفضيلات الشعبية لبديل الأكثر إرهابية في تاريخ دولة معروفة بالارهاب أصلا, فكان شارون يمثل رأس هرم له قاعدة عريضة من أنصار خيار الحرب والقوة لإكراه العرب على تسوية تبدو لهم غير مقبولة, وهنا لا ضمانة مرجحة كيلا يخذل شارون مؤيديه ويترجم برنامجه, الذي بات بحكم التصويت له برنامجا له شعبية واسعة في الداخل الإسرائيلي, بالقوة. بانتخابهم لشارون أثر الإسرائيليون خطاب الإرهاب الصريح, بدعوى تحقيق الأمن المطلق. ونظرية كهذه تستدعي حتما الإضرار بالأمن العربي, الأمن المطلق حالة مثالية يأخذ بها الذين ينزهون أنفسهم عن تفاعلات العلاقات الدولية بمعناها المنطقي, حيث الأمن قضية نسبية مهما بلغت الأطراف الدولية من قوة. ومهما يكن من أمر, فإن تقلصات الداخل الإسرائيلي التي رفعت شارون لمكانة لم يحلم بها هو نفسه, تخبرنا مجددا عن أي عقلية حائرة ومزاج غير سوي تتحكم في هذا التجمع الاستيطاني, بما يفرض التحسب لأكثر الاحتمالات سوءاً, ولكن برؤية غير وجلة وأعصاب قوية, حتى تكون الحسابات أقرب إلى الصواب. ولعل السؤال الأكثر إلحاحا الآن وحتى إشعار آخر من إسرائيل هو: بافتراض ثبات شارون وحكومته المقبلة على منظور للتسوية غير القانونية أو العادلة أو حتى المقبولة عربيا وفلسطينيا بالذات ما الذي يتعين على العرب فعله؟.. واضح أن قمة عمان العربية الوشيكة ستواجه مهمة صعبة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات