لعبة توزيع الأدوار ، شارون ابن الحركة الصهيونية ووجهها الحقيقي، بقلم: نبيل سالم

بعد استقالة رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي السابق ايهود باراك تحت ضربات الحجر الفلسطيني ودعوته لانتخابات مبكرة نشطت وسائل الاعلام العربية في الحديث عن مخاطر وصول الارهابي الصهيوني أرييل شارون، الى السلطة, لا سيما وان استطلاعات الرأي أكدت تقدمه بفارق كبير على باراك, ولأنها حذرت من مجيئه الى السلطة في الكيان الصهيوني فإن هذه الوسائل أخذت تتسابق في التذكير بالمجازر والجرائم التي ارتكبها هذا الارهابي المعروف بتعطشه للقتل وحقده الشديد على العرب حتى ان بعض المسئولين في السلطة الفلسطينية طالبوا صراحة المواطنين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 بالتصويت لصالح رئيس الوزراء الاسرائيلي المستقيل ايهود باراك اعتقاداً منهم بأن رمد باراك أفضل بكثير من عمى شارون. ومن تابع تعليقات وتحليلات وسائل الاعلام العربية وكذلك تصريحات بعض المسئولين العرب وربما أكثرهم يلاحظ كيف نجحت هذه التعليقات والتحليلات والتصريحات في تصوير شارون وكأنه حالة نافرة في الكيان الصهيوني لا تنسجم والسياق العام في الشارع الاسرائيلي. والحقيقة المؤسفة ان وسائل الاعلام العربية دأبت على تخويف العرب من شارون استناداً الى عقدة الخوف من الحرب التي يعتقد الكثير من الرسميين ان الأمة العربية غير قادرة على منازلة (اسرائيل) في ساحات الوغى وهي مقولة خاطئة أدت الى تمسك العرب بما يسمونه الخيار الاستراتيجي للسلام, في الوقت الذي تناسوا فيه ان خيار السلام الاستراتيجي لابد لكي ينجح من ان يستند أولاً الى القوة العربية التي تستطيع ان تقنع العدو بالاتجاه نحو خيارهم السلمي. ولعل من أبرز المفارقات التي تفرض نفسها في هذه المرحلة الحساسة من الصراع العربي الاسرائيلي هي انه في الوقت الذي يكرر فيه العرب ان السلام خيارهم الاستراتيجي يسعى الصهانية وبدعم مباشر من الولايات المتحدة الراعي الاساسي لعملية التسوية الى تعزيز قوتهم العسكرية وتوسيع تحالفاتهم المشبوهة في المنطقة على أية حال وبالعودة للانتخابات الاسرائيلية وما آلت اليه نرى ان الاعلام العربي صوّر أرييل شارون على انه الرجل الذي سيقلب معادلة (السلام). وفي هذا مغالطة كبيرة لا يمكن تجاهلها فوصول شارون الى السلطة في الكيان الصهيوني الذي تحقق بالفعل من خلال الانتخابات الاسرائيلية لن يضيف أي جديد على السياسة التي تتبعها الطغمة العسكرية الحاكمة في (اسرائيل) التي استندت في ادارتها للحياة السياسة في الكيان الصهيوني الى المنطلقات النظرية الاساسية للحركة الصهيونية سواء أكان الحاكم هو حزب العمل أو تكتل الليكود, ومن يقرأ التاريخ الصهيوني جيداً وبتمعن يرى بوضوح ان قادة العدو الصهيوني لم يحيدوا قيد أنملة عن الاستراتيجية التي رسمتها لهم الحركة العنصرية الصهيونية وان لعبة تبادل الادوار التي دأب عليها هؤلاء الصهاينة انما تندرج في الاساس ضمن المخططات الصهيونية المرسومة بدقة والمدروسة بعناية فائقة بحيث يظهر للمراقب الخارجي أن هناك تبايناً في المواقف الاسرائيلية وان هناك في (اسرائيل) من يريد السلام مع العرب ويناضل لأجله الأمر الذي يفتت نظرة الآخر (لاسرائيل) التي لا تعدو كونها ثكنة عسكرية يقطنها متعصبون عنصريون همهم الأول والأخير السيطرة على المنطقة بالتعاون مع القوى الامبريالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي ترى في هذه المنطقة امتداداً حيوياً لمصالحها في العالم. وإذا أردنا ان نتلمس بموضوعية النتائج التي أفرزتها عملية الانتخابات في الكيان الصهيوني بعيداً عن لهجة التهويل الاعلامي التي وقعت فيها معظم أجهزة الإعلام العربية نرى ان هذه النتائج هي: 1ــ إن الانتخابات الاسرائيلية المبكرة نتيجة من النتائج التي فرضتها الانتفاضة الفلسطينية الجديدة على الحكام الصهاينة وبالتالي فإنها تمثل صورة جديدة لفشل منطق القوة الذي اعتمده رئيس وزراء الكيان الصهيوني المستقيل ايهود باراك وهذا يعني ايضاً ان الفلسطيني اثبت مرة اخرى ان بمقدوره ان يكون فاعلاً للحدث وليس منفعلاً به لأن الحجر الفلسطيني والبندقية الفلسطينية والمظاهرات الشعبية العارمة هي الادوات التي اسقط بها الشعب الفلسطيني المناضل حكومة الارهابي ايهود باراك وهو صاحب سجل اسود ولا يقل اجراماً ودموية عن أرييل شارون الذي تسابقت اجهزة ووسائل الاعلام العربية على تصويره بأنه حالة نافرة في الكيان الصهيوني, كما ذكرنا سابقاً والتلاحم الوطني الفلسطيني الذي تجسد في انتفاضة الأقصى هو في الواقع الصخرة التي هشمت رأس الجنرال السابق ايهود باراك وهي نفسها التي تستطيع ان تطيح بالجنرال الجديد أرييل شارون. 2ــ لقد أثبتت نتائج الانتخابات في الكيان الصهيوني من جديد ان حالة التطرف والعنصرية والحقد على العرب والكراهية للسلام كامنة في (المجتمع الاسرائيلي) ومتأصلة في نفوس الاسرائيليين فلاءات باراك المعروفة قبل أقل من عامين والتي قادته الى سدة الحكم في (اسرائيل) هي نفسها التي حملت شارون الى السلطة, وإن كان باراك قد حاول قبل انتخابه ان يوهم العرب والعالم بأنه رجل السلام القادم لتخليص عملية التسوية من مأزقها الذي أوقعها فيه سلفه بنيامين نتانياهو, وهذا يعني ان الاسرائيليين لم يصوتوا لصالح السلام لا في عهد نتانياهو أو باراك أو في الانتخابات الأخيرة, وانما يصوتون للاءات التشدد الانتخابية التي يطلقها المرشحون لرئاسة حكومتهم والتي تتحول فيما بعد الى ثوابت في سياستهم عند توليهم السلطة. 3ــ أثبتت الانتخابات الاسرائيلية وما آلت اليه من نتائج مدى تماسك العلاقة الأمريكية الاسرائيلية اذ لم يكد أرييل شارون يعلن عن رفضه نتائج مباحثات طابا وما سبقها من مفاوضات في كامب ديفيد حتى أعلنت الادارة الأمريكية الجديدة تنصلها من المبادرات التي قدمها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وكأنها تقول للارهابي أرييل شارون انه حر في الانطلاق في المفاوضات من النقطة التي يريد, أي من نقطة الصفر الأمر الذي يعني ادخال المفاوض الفلسطيني في متاهة جديدة كتلك التي قاده فيها الثنائي السابق كلينتون ــ باراك ومحاولة جديدة لاستفراد المفاوض الفلسطيني في مفاوضات جديدة يكون ثمنها تقديم تنازلات فلسطينية جديدة وتحت ضغوط امريكية جديدة بدأ أول مؤشراتها من خلال ما رشح عن ضغوط امريكية على العرب لتأجيل موعد انعقاد القمة العربية المقبلة بحجة اعطاء شارون فرصة قبل الحكم على سياسته وبالتالي ادخال العرب مجدداً في سوق المراهنات السياسية وإعطاء العدو الصهيوني الفرص الكافية لكسب الوقت وفرض سياسة الأمر الواقع على الأمة العربية ولا سيما فيما يتعلق بالمواضيع الرئيسية في المفاوضات مثل موضوع القدس الشريف وموضوع اللاجئين الفلسطينيين. بالاضافة الى اعطاء شارون الفرصة الكافية لإنهاء الانتفاضة الفلسطينية التي أكد قادتها أكثر من مرة انها انتفاضة الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال ونيل الحرية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. إن هذا الارهابي قد يسعى الى تصدير أزمات الكيان الصهيوني الى الخارج عبر القيام بمغامرات عسكرية واعتداءات على جبهات عربية اخرى مثل لبنان أو حتى سوريا. خاصة وأن جنرال (اسرائيل) الجديد معروف بتهوره وميله للعدوان بمقدار ما هو معروف بفشله السياسي والدليل على ذلك انه نجح في اجتياح لبنان عام 1982 وإخراج قيادة (م.ت.ف) من لبنان إلا انه أوقع الكيان الصهيوني في المستنقع اللبناني بشكل لم يسبق له مثيل واضطر هذا الكيان الى دفع ثمن باهظ قبل خروجه مدحوراً من لبنان. حتى ان بعض المحللين في الكيان الصهيوني ذهبوا الى القول ان خروج (اسرائيل) من لبنان يعد مكسباً كبيراً لها لأنه بمثابة الخروج من الشرنقة التي لفتها حول عنقها. وهذا يعني بالتأكيد فشل منطق القوة الذي راهن عليه أرييل شارون اثناء قيامه بمهام وزارة الحرب في الكيان الصهيوني. وأمام هذه النتائج وغيرها من تلك التي يمكن سردها بعد وصول أرييل شارون الى سدة القرار في الكيان الصهيوني يبقى السؤال المطروح بقوة: ما هو المطلوب فلسطينياً وعربياً في هذه المرحلة وهل تكفي سياسة اعطاء الفرص لشارون أو غيره من قادة العدو ليملوا شروطهم على الأمة العربية؟ وللإجابة عن هذا السؤال لابد من القول إن محاصرة الارهابي شارون سياسياً وإعلامياً ورفض التعامل معه باعتباره مجرم حرب مسئولاً عن الكثير من المذابح التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني يمثلان خطوة أولى لابد منها لنقل العمل العربي من خانة الانفعال وردة الفعل الى الفعل الذي يتجسد بأروع صوره في استمرار الانتفاضة الفلسطينية وتطويرها حيث اعطى المواطنون الفلسطينيون ردهم على نجاح شارون بالمواجهات المستمرة بينهم وبين قوات الاحتلال الاسرائيلي. ولعل أفضل ما يرد به العرب على فوز شارون في الانتخابات الاسرائيلية هو تقديم الدعم الفعلي لا اللفظي للمقاوم الفلسطيني الذي أدرك بحكم تجربته الطويلة مع الاحتلال ألا فرق بين قادة العدو في عدائهم القوي للعرب وان شارون أو بارك أو نتانياهو أو بيريز أو رابين ليسوا سوى وجوه للحركة الصهيونية قد تختلف في الشكل أو اللون ولكنها تتحد في المضمون لأن قادة العدو الصهيوني كلهم شربوا ويشربون من معين واحد ألا وهو الحركة العنصرية الصهيونية التي تؤمن فقط بإلغاء الآخر عبر أبشع الجرائم العنصرية في التاريخ, ولعل ما يجب التذكير به هنا هو انه حتى لو نجحت القوى العالمية الكبرى في فرض تسوية سياسية في المنطقة مستغلة حالة الضعف العربي الراهن فإن الصراع العربي الصهيوني سيبقى بالتأكيد طالما بقيت العقلية العنصرية الصهيونية القائمة على العدوان هي السائدة في الكيان الصهيوني الذي يفرخ في كل يوم آلاف الشارونات الذين يتخرجون من المدارس التلمودية التي تدرس الحقد على كل من هو غير يهودي وتربي الأجيال الناشئة في الكيان الصهيوني على الحقد والعنصرية وكراهية الأمم والشعوب الأخرى. * كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات