مجيء شارون إلى الحكم مرحلة انتقالية ، مواقف أمريكية غامضة والسلام على كف عفريت

علّق وزير العدل في حكومة باراك يوسي بيلين على انتخاب شارون رئيساً للحكومة الاسرائيلية بالقول: (هذه هي المغامرة الأكبر التي تقوم بها اسرائيل منذ العام 1948). وقال شارون إثر الإدلاء بصوته في السادس من الشهر الجاري: (إنها انتخابات تتعلق بمستقبل الدولة وبوحدة القدس). وإذا كان يوسي بيلين يضمر اعترافاً بأن تأسيس الكيان الصهيوني كان وليد مغامرة ناجحة قادها رموز الارهاب من زملاء شارون وأساتذته, فإنه يعبّر عن قلق بعض الأوساط اليهودية من خطورة المغامرة الشارونية الجديدة, مغامرة إعادة بناء الكيان الصهيوني وضمان ديمومته بنفس الأساليب والقواعد التي مارستها الحركة الصهيونية في الأربعينيات. لكن تصريح شارون وفوزه بأصوات اليمين والمتدينين يعكس تعبيراً عن قلق مماثل على مصير الكيان الصهيوني وحدوده, وميزان القوى الذي سيدخل فيه مستقبلا. وعلى هذا القلق يلتقي شارون والليكود مع باراك وحزب العمل واليسار الاسرائيلي, وذلك من خلال وقوف ما يسمي نفسه معسكر السلام حائلاً دون ايصال مفاوضات السلام, التي توقفت الآن على جميع المسارات الى نتيجتها الطبيعية, هذا في حال كان يراد لها ان تصل الى حل دائم للنزاع العربي الاسرائيلي, أي الاقرار بالحقوق الفلسطينية التي ارتضت معظم الفصائل الفلسطينية تقليصها الى الحدود التي كان عليها الوضع قبل حرب العام 67, وعدم مناقشة الوضع الذي نشأ في العام 48 إلا من زاوية مبدأ حق العودة للنازحين من الأراضي التي احتلت ذلك العام وقام عليها الكيان الصهيوني, مع الاستعداد للابقاء على هذا الحق مقروناً بالتباسات تفاوضية وعرضة لبدائل تمنعه من أن يشكل شرطاً تعجيزياً للطرف الاسرائيلي. والحال ان مسار المفاوضات طوال السنوات الماضية لم يخل من غض الطرف عن التباسات اخرى تتعلق بالاراضي المحتلة عام 67 بما في ذلك القدس. وفي هذا الاطار فإن الزعم بأن الفلسطينيين فوتوا الفرصة التي اتاحها باراك زعم مردود. فإذا كان ثمة فرص فإن باراك هو الذي فوتها ولجأ الى الانتخابات هروباً منها. إن ما يسمى معسكر السلام نفسه كان مسكوناً بنفس الهم الذي أفصح عنه شارون: (مستقبل الدولة ووحدة القدس). لذلك وصل المجتمع الاسرائيلي الى حدود الحاجة لمغامرة جديدة وقائية تحافظ على مغامرة العام 48 وتحفظ القدر الأكبر من مكاسب حرب العام 67 ولا سيما على الساحة الفلسطينية. ووصول شارون وسقوط باراك نتيجة طبيعية لحال المجتمع الاسرائيلي ولحاجة المشروع اليهودي الى ترسيخ اقدامه بتجريب (منقذ) جديد. إن شارون وعلى غرار ما كانه نتانياهو وباراك, منقذ تجريبي مما يعني انه قابل للسقوط, وسوابقه, وإن دلت على نهجه الارهابي الدموي وعلى اندفاعها المهووس نحو المغامرات الحربية, حافلة بحالات السقوط والعزلة الداخلية, ولذلك فلعل اكثر القلقين من فوز شارون هو شارون نفسه. وسوابق سقوطه, وفي ضوء المتغيرات على اختلافها, وفي طليعتها التشظي السياسي والحزبي الاسرائيلي, في مقابل تجدد الانتفاضة الفلسطينية, أفضت الى شبه اجماع لدى المتابعين بأن عهد شارون, ومهما شهد من مغامرات دموية, لن يكون طويلاً ومجيئه الى الحكم يشكل مرحلة انتقالية يعود بعدها المجتمع اليهودي الى اصطناع (منقذ) جديد من مأزقه الكياني الذي بات مزمناً. وكي لا يصل شارون سريعاً الى هذا المصير (الروتيني) لحكام اسرائيل في السنوات الاخيرة, لابد له من ارتداء قفازات حريرية يتلمس بها طريقه الى الكرسي ويلوح بها الى دول العالم طلباً للعون خشية الانزلاق وسط ازدحام الساحة السياسية الاسرائيلية بشراذم حزبية تخوض تنافساً تختلط في دوافعه المصالح الخاصة والعوامل العرقية. حكومة ائتلاف واسع واحتضان أمريكي حميم هما رغبة شارون المنتصر انتخابياً كي يحقق انتصاره كحاكم. ويبدو ان حيازة الرعاية الامريكية من شأنها ان تعبّد له الطريق داخلياً وخارجياً الأمر الذي أخذت بوادره بالظهور سريعاً. وفي هذا الصدد يرتسم السؤال الكبير: ما هو موقع شارون وطروحاته التي كشف عنها مباشرة, أو بواسطة مساعديه إبان الحملة الانتخابية في السياسة التي تعتمدها الإدارة الأمريكية الجديدة في المنطقة وهل أن مجيء شارون يشكل حاجة أمريكية ولو مؤقتة؟ كان الغالب على توقعات المراقبين قبيل الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة, أن نجاح شارون قد يؤدي الى عزلة سياسية لإسرائيل يمكن أن تتخذ شكل العقوبات أو شكل المقاطعة الاقتصادية وبصورة تلقائية. ولم يستبعد البعض مشاركة دول غربية في عزل اسرائيل وان تتأثر دول أخرى وتتجاوب مع هذا الاتجاه, خصوصاً اذا ما التقى العرب على موقف واحد في هذا الشأن. ولكن بعد إعلان فوز شارون لم يعلُ الصراخ في الدوائر الرسمية الدولية وحتى العربية. وسارعت واشنطن الى تكرار نداءاتها الى الدول العربية من أجل التزام الهدوء وضبط النفس واعطاء شارون فرصة تشكيل حكومة وبلورة مواقفه. وعبّرت بقية العواصم الغربية عن الأمل في ان يتخلى شارون عن تطرفه وعرضت عليه المساعدة في دفع عملية السلام. ولكن هذا لم يحجب خوفاً أبدته الدوائر السياسية والإعلامية الغربية جراء وصول شارون الى رأس السلطة في اسرائيل وإقدامه على خوض مغامرات عسكرية في شتى الاتجاهات, ورأت الصحف الفرنسية والأوروبية الأخرى في مجيء شارون مؤشرات على صعوبة المرحلة المقبلة نظراً لتطرف مواقفه وماضيه. وعلى انقسام وتخبط المجتمع الاسرائيلي. ثم هو مؤشر لتحولات كبيرة في عملية السلام وكيفية التعاطي معها. ولم تر بعض الصحف أملاً إلا اذا انتفض المجتمع الاسرائيلي سريعاً وقلب الطاولة على شارون. إلا ان نقاط الضعف التي تشوه صورة شارون في الغرب, بالاضافة الى عوامل ضعفه في الداخل, تعمد المنظمات الصهيونية في الغرب الى التعويض عنها والترويج لشارون. فقد أشاد يهود أوروبا بفوزه وأعلن المؤتمر الصهيوني الأوروبي الذي يتخذ من باريس مقراً له انه يرغب في أن تشجع الحكومات الأوربية, على غرار الرئيس الأمريكي جورج بوش, رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب على سلوك طريق السلام والأمن لجميع شعوب المنطقة. وفيما يبدو إعلان استنفار يهود أوروبا في وجه حكومات دولهم والضغط عليها لتغطية سياسة شارون, خلص المؤتمر الصهيوني الأوروبي الى القول: (إن مصداقية أوروبا على المحك). أوروبا على المحك أىضاً من وجهة نظر العرب الذين عبر بعضهم عن الثقة بأن موقف أوروبا من صعود شارون واستشراء العنصرية في اسرائيل عموماً, سوف يكون مماثلاً لموقفها من ظاهرة النازية الجديدة في أوروبا. وفي المقابل, يبدو أن مصداقية واشنطن ليست موضوع شك لدى الحركة الصهيونية خاصة وأن الرئيس الأمريكي حث العرب على اعطاء شارون الفرصة لتشكيل حكومته الجديدة. وقال إن إدارته ستتعامل مع شارون (وسوف نلعب الأوراق التي أعطيت لنا وسوف نفعل ذلك بشكل جيد, وفي ذهننا أمر واحد: تعزيز السلام في الشرق الأوسط). وتابع الرئيس الأمريكي انه سيواصل اتصالاته مع قادة المنطقة لخلق مناخ من الاستقرار والهدوء وإعطاء شارون الفرصة لكي يحقق ما وعد به أي محاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية ومد يده للأطراف الأخرى لتعزيز السلام في المنطقة. بوش الذي امتلك بفضل شارون أوراقاً جديدة كان قد كشف عن أوراقه, أو بعضها, في أكثر من مناسبة أو عبّر عنها بلسان مساعديه. فخلال حملته الانتخابية أعلن أمام المنظمات اليهودية الأمريكية أن الرحلة التي قام بها الى فلسطين المحتلة عام 98 حيث جال برفقة شارون بواسطة مروحية في أجواء الضفة والجولان, أعلن أن هذه الرحلة أقنعته ان اسرائيل ستجازف كثيراً وتضر بأمنها إذا انسحبت من الضفة الغربية. ووصف بوش شارون انه محارب عظيم وبطل للحرية والديمقراطية. وحسبما كشف شارون في كلمته الأولى بعد فوزه, فإن بوش توقع لمضيفه ان يصبح رئيساً لوزراء اسرائيل و ان يصبح هو رئيساً للولايات المتحدة. وهكذا فإن ما كان أقرب الى الدعابة بين الرجلين يصبح بعد أقل من ثلاثة أعوام تحالفاً سياسيا استراتيجياً. ولقد تبلورت خلال الأسابيع الماضية أسباباً قوية للشك فيما ذهب اليه بعض المراقبين بأن الإدارة الأمريكية مارست ضغوطاً كي يفوز باراك في الانتخابات إلا انها أخفقت مثلما أخفقت في الماضي في الحيلولة دون وصول نتانياهو الى رئاسة الحكومة. وأخذ بالرجحان الرأي القائل انه من الصعب التصديق ان واشنطن عملت جدياً على افشال شارون. وقد سُجل غياب ظاهر للأمريكيين خلال جولات المفاوضات بين أركان حكومة باراك والسلطة الفلسطينية قبيل الانتخابات, كما لم يبدر عن ادارة بوش ما يسيء الى حملة شارون أو يزكي باراك. وبدأت الولايات المتحدة منذ الساعات الأولى لولايتها وحتى عشية الانتخابات الاسرائيلية تحتاط لاحتمالات تعرض الكيان الصهيوني للعزلة الخانقة في المنطقة والعالم, ولذلك دعا وزير خارجيتها كولن باول قادة المنطقة الى التحلي بالصبر خلال ما وصفه بـ (الفترة الحساسة) وإعطاء الفائز الفرصة. وجاء ذلك في السادس من الشهر الجاري لاستباق ردود الفعل العربية على فوز شارون ووضع اطار تحرك ردود الفعل هذه. وفيما يبدو انه دفع للأطراف العربية الى التعامل بإيجابية مع الأمر الواقع الجديد في اسرائيل, بالترغيب والترحيب معاً وخاصة في الحقل الاقتصادي, وفي نفس الوقت محاولة التملص مسبقاً من مسئولية واشنطن عما يمكن ان تقدم عليه حكومة شارون. قال كولن باول (إن التوسل الكلامي وبصورة عملية, هو كل ما نستطيع ان نفعله الآن ونأمل أن يعرف قادة المنطقة وبصورة قاطعة اهمية ضبط العواطف والمشاعر. وإذا قاموا بذلك وأعطوا الحكومة الاسرائيلية المقبلة الوقت لوضع سياستها, فإن أشياء جيدة ستحدث. بالاضافة الى الكلام: هناك مساعدات اقتصادية... وستكون في وضع يسمح لنا بالمشاركة دبلوماسياً وسياسياً لرؤية كيفية تقريب الوضع التفاوضي بين الطرفين ونأمل بتحريك السعي من أجل السلام قدماً من أجل الحل). تصريحات الوزير الأمريكي هذه تحمل ولاشك دلائل ورسائل في اتجاهات عدة, ولاحظ المراقبون ان كولن باول لم يستخدم فيها ولا مرة عبارة (عملية السلام) بل استبدلها بعبارة السعي من أجل السلام. وعبرت هذه التصريحات عن تغيير رؤية الادارة الأمريكية الجديدة لمسار التسوية في المنطقة. وأكد هذا التوجه الجديد تشديد باول ولأكثر من مرة على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه اطراف اخرى مثل المجموعة الأوروبية والأمم المتحدة وبريطانيا مما فُسر على انه قبول الولايات المتحدة التخلي عن احتكار دور الوسيط في العملية السلمية بدون التخلي عن الدور الفريد لواشنطن بسبب تاريخها مع المفاوضات خلال السنوات الماضية. غير ان هذا القبول بالتخلي عن (احتكار دور الوسيط) ما زال فرضية تأخذ الأمور بظواهرها, والأيام المقبلة كفيلة بالكشف عن البواطن. وما تجدر الإشارة إليه في ما سبق من سياق أو وزير الخارجية الأمريكية وبعد توجيهاتها الشفهية الى موظفي وزارته بحذف عبارة (عملية السلام) من مفرداتهم وان يستبدلوها بصيغ مثل (مفاوضات السلام) أو (خطوات نحو السلام), أصدر تعليمات خطية الى موظفي الخارجية بهذا الشأن. واستدرك باول بقوله ان المصطلحات الجديدة لا تعكس تغييراً جوهرياً في السياسة الأمريكية بل ان الهدف هو الاقرار بحقيقة الأمور على أرض الواقع. (المطابقة) بين المصطلحات والوقائع حسب شروحات باول ليست عملية أكاديمية يقوم بها علماء مختصون انما هي وفي الاطار الذي وردت فيه عملية سياسية بالدرجة الأولى, وصائغ المصطلحات هو نفسه شريك رئيسي في صُنع الوقائع أو القائد الممسك بحركة الواقع في حالة عملية السلام انطلاقاً من مدريد. وهذه المطابقة تتضمن على الأرجح فسحة لدور يمارسه شارون لأن الانتقال على مطابقة مصطلحات اللغة مع الواقع قد تعوزه عمليات احداث تغييرات في هذا الواقع يخشى معها البعض ان تكون مرحلة شارون اسرائيلياً أفضل أداة لصنع واقع جديد يجسد لغة ما زالت مكتومة في أدراج البيت الأبيض. وأن سياق الأحداث في الأسابيع القليلة الماضية تظهر أن صعود شارون وما يمثله جاء مواكباً ومتناغماً مع إعداد الأدارة الأمريكية أسلوبها الجديد في التعاطي مع شئون المنطقة. وهذا الأسلوب لابد أن يتأثر بإشفاق بوش على اسرائيل اذا ما (جازفت) بالانسحاب من الضفة الغربية وان يسعى الى استعادة اسرائيل هيبتها المنتهكة وإرهاب الدول العربية بها منعاً لارتخاء القبضة الأمريكية للساحة العربية. بقلم: سامي العياش *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات