التشدد مع روسيا على كل الجبهات ، هل توقظ إدارة بوش أشباح الحرب الباردة؟

إذا كانت السنوات الأخيرة من حكم الديمقراطية برئاسة بيل كلينتون قد شهدت توترا ملحوظا في العلاقات الأمريكية الروسية, فإن انتقال السلطة في الولايات المتحدة إلى أيدي الجمهوريين برئاسة جورج دبليو بوش، ينذر بأن تشهد السنوات المقبلة مزيدا من التوتر في العلاقات بين موسكو وواشنطن ولا يرجع ذلك فقط إلى التشدد المعروف عن الجمهوريين وأقطاب إدارتهم الجديدة (الرئيس بوش نفسه, ونائبه ديك تشيني, ووزير الخارجية كولين باول, ومستشارة الرئيس للأمن القومي كوندوليزا رايس). بل يرجع أيضا إلى أن القضايا محل الخلاف والتي أدت إلى توتر العلاقات بين الدولتين في السنوات الأخيرة هي قضايا جوهرية للغاية, ترتبط بالمصالح الحيوية لكل منهما, وبصورة النظام العالمي في مجمله, وبتصاعد نزعة الهيمنة الأمريكية إلى درجة باتت تستثير انتقادات واسعة لدى حلفائها أنفسهم, فما بالنا بمنافسيها و(ضحايا) ما يسمى بالنظام العالمي الجديد, وخاصة روسيا التي تشهد في الأعوام القليلة الماضية ما يمكن تسميته بـ (عودة الوعي), بعد أن ترنحت طوال التسعينيات في (حالة انعدام الوزن) تحت وطأة انهيار الاتحاد السوفييتي وتضعضع قوة الدب الروسي الاقتصادية والعسكرية. ورثة ريجان وبوش الأب ينسب الجمهوريون لأنفسهم الفضل في تفكيك الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو, وتحقيق الانتصارات الحاسمة في الحرب الباردة, التي دارت جولاتها الأخيرة في الثمانينيات واوائل التسعينيات, أي في عهدي الرئيسين رونالد ريجان (يناير 1981 ــ يناير 1989) وجورج بوش الأب (يناير 1989 يناير ــ 1993). وكان الشعار الرئيسي للسياسة الأمريكية تجاه الاتحاد السوفييتي في تلك المرحلة هو (السلام من خلال القوة) وشهدت الثمانينيات استنزاف قوة الاتحاد السوفييتي من خلال سباق تسلح منهك, وهجوم سياسي وإعلامي شديد الضراوة, ودعم عسكري واقتصادي سخي للدول والقوى المعادية لموسكو في مختلف أنحاء العالم, مع تشديد الحصار على أصدقائها وحلفائها بهدف تقليص النفوذ السوفييتي.. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي مارست الولايات المتحدة بقيادة جورج بوش الأب ضغوطا بالغة الشدة على روسيا لإجبارها على الالتزام بخفض تسلحها النووي (اتفاقية ستارت ــ 2) وضمان عدم تسرب العقول والتكنولوجيا والمواد النووية من روسيا (وبقية الجمهوريات السوفييتية السابقة) إلى دول أخرى, وخاصة إلى تلك الدول (الخارجة على القانون) حسب التسمية الأمريكية.. وكذلك من أجل إجبار روسيا على سحب قواتها من دول حلف وارسو السابق بأسرع ما يمكن وواصلت الإدارة (الديمقراطية) الأمريكية ما بدأه الجمهوريون من سعي حثيث لتوسيع حلف (الناتو) باتجاه الشرق وهو ما تم في سياقه التحاق جمهورية التشيك, والمجر, وبولندا بالحلف, بينما تستعد دول أوروبية شرقية أخرى للانضمام إلى (الناتو) خلال السنوات المقبلة. كما واصلت إدارة كلينتون جهود إدارة بوش (الأب) في السعي إلى عزل روسيا ليس فقط عن دول أوروبا الشرقية, بل وأيضا عن الجمهوريات السوفييتية السابقة في البلطيق والقوقاز وآسيا الوسطى, فضلا عن أوكرانيا. وكان طبيعيا أن تؤدي محاولات عزل روسيا وإضعاف مكانتها الدولية, بل والإقليمية, إلى شعور عميق بجرح الكرامة القومية لدى أغلبية الروس, وخاصة في صفوف المؤسسة العسكرية, وقطاع واسع من النخبة السياسية. ومن ثم بدأت تتصاعد في موسكو الدعوات إلى تحدي محاولات الولايات المتحدة للهيمنة على العالم تحت اسم (النظام العالمي الجديد). وتوجهت روسيا إلى (المتضررين) من ذلك النظام والرافضين للهيمنة الأمريكية على العالم. فشهد النصف الثاني من تسعينيات القرن المنعدم توجها لبناء (تحالف استراتيجي) روسي صيني يقوم على تعزيز شامل للعلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وقدمت موسكو لبكين طائرات قاذفة ومقاتلة حديثة ومنظومات صاروخية, فضلا عن تراخيص لإنتاج الطائرات الحربية المتطورة, وغيرها من أوجه التكنولوجيا العسكرية الحديثة. كما حاولت روسيا الاستفادة من علاقاتها القوية بالهند للدعوة إلى إقامة تحالف استراتيجي يجمعهما مع بكين, كخطوة في اتجاه بناء عالم متعدد الأقطاب. لكن التناقضات بين نيودلهي وبكين حالت دون نجاح هذا المسعى. وسعت موسكو إلى اختراق الحصار الأمريكي لها في آسيا الوسطى, بإقامة علاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع طهران, فضلا عن التعاون في بناء مفاعل نووي في (بوشهر). وتمثل العلاقات الروسية الإيرانية بدورها تحديا مباشرا لمحاولات الولايات المتحدة لاحتواء إيران, بإعتبارها أحد أبرز الدول (المارقة) وفقا للتعبير الأمريكي. كما تقيم روسيا علاقات قوية مع كوريا الشمالية, التي تعتبرها الولايات المتحدة بدورها أحد أسوأ الدول (المارقة). وينطبق هذا الوصف على العراق أيضا التي تسعى الولايات المتحدة إلى إطالة أمد العقوبات الدولية القاسية المفروضة عليه, رغم أن الرفض العالمي الواسع النطاق نجح في إحداث شقوق واسعة في جدران هذا الحصار. وتلعب روسيا دورا هاما في تحدي الحصار الأمريكي للشعب العراقي. والواقع أن إدارة كلينتون لم تدخر جهدا في كل هذه الاتجاهات, بدءاً من محاولة إفشال التقارب الروسي الصيني, إلى محاولة حمل روسيا على وقف تعاونها مع (الدول المارقة), إلى وضع شتى أنواع العراقيل في وجه تحسن العلاقات بين موسكو (ودول الجوار المباشر) السوفييتية السابقة.. الخ.. الخ. ومع ذلك فإن الجمهوريين ينتقدون إدارة كلينتون, ويتهمونها (بالتساهل) مع روسيا, فيما يتصل (بتحدي) الأخيرة أو (مناوأتها) لمحاولات الهيمنة الأمريكية ويعتبرون أن الإدارة (الديمقراطية) سمحت لروسيا بالخروج من حالة الحصار التي كانت إدارة بوش قد نجحت في إقامتها حولها. ويلومون إدارة كلينتون لأنها لم تستخدم أسلحة كانت متاحة لها مثل ممارسة الضغوط الاقتصادية على روسيا. ويسمح لنا ذلك باستنتاج أن الإدارة الجديدة يمكن أن تلجأ لاستخدام ضغوط (خشنة) على موسكو, لحملها على (احترام) المصالح الأمريكية. وتتجاهل مثل هذه التوجهات حقائق الوضع العالمي وعلاقات القوى الدولية التي تميل بشدة لصالح الولايات المتحدة, لكنها في نفس الوقت تنطوي على عناصر غير مواتية لها. والواقع أن تجاهل مثل هذه الحقائق من شأنه زيادة التوتر في علاقات القوى الدولية عموما وليس في العلاقات الروسية الأمريكية وحدها. مطلوب نزع مخالب روسيا النووية! ويزيد من احتمالات تصاعد التوتر حقيقة أن إدارة (بوتين) تميل إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحا تجاه المصالح الاستراتيجية لروسيا, على عكس ما كانت تتسم به مواقف إدارة يلتسين من تبعية للولايات المتحدة حتى قرب نهاية عهد الرئيس الروسي السابق. وينبغي هنا أن نشير إلى أن الآثار الوخيمة لهذه السياسة على الأمن القومي الروسي, كانت قد دفعت المؤسسة العسكرية وأقساما واسعة من النخبة السياسية الروسية لاتخاذ مواقف أقرب للتشدد تجاه الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة من حكم يلتسين. وعلى سبيل المثال فإن البرلمان الروسي ظل يرفض التصديق على معاهدة (ستارت ــ 2) لخفض التسلح النووي حتى ربيع العام الماضي (2000). وحينما صدق البرلمان على المعاهدة, فإن بوتين والقادة العسكريين الروس ربطوا بوضوح بين البدء في تنفيذ هذه المعاهدة, والتزام الولايات المتحدة بالتوقف عن مشروعها لاقامة درع الصواريخ المضادة للصواريخ النووية (الطبعة الجديدة من مشروع (حرب النجوم) الريجاني). وأعلنت روسيا أن انتهاك الولايات المتحدة لمعاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ (المبرمة بين الطرفين عام 1972) ستعني دفع روسيا إلى التراجع عن التزامها بتطبيق (ستارت ــ 2) فضلا عن التفاوض من أجل مزيد من تقليص التسلح النووي, أو ما يعرف بمفاوضات (ستارت ــ 3). ومعروف أن المعارضة الواسعة من جانب روسيا وحلفاء أمريكا الغربيين لمحاولات بناء (درع صاروخية) أمريكية, علاوة على فشل تجربتين من ثلاث تجارب تم إجراؤها في إطار (حرب النجوم) الجديدة.. قد دفعا إدارة كلينتون لإعلان وقف المشروع, وترك تقرير مصيره للإدارة الجديدة. ومعروف أيضا أن إقامة (الدرع الصاروخية) من أهم نقاط برنامج بوش الابن الانتخابي. وقد أعلن بوش فور نجاحه أنه سيستأنف العمل في هذا المشروع. ويعني هذا إطلاق سباق جديد للتسلح بين أمريكا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. كما يعني احتمال تراجع روسيا عن التزامها بإتفاقية (ستارت ــ 2).. وفي جميع الأحوال فإن استئناف البرنامج الأمريكي يعني تصعيد التوتر في علاقات موسكو و واشنطن, واحتمال إطلاق سلسلة من الأفعال وردود الأفعال تعيد إلى الذاكرة أشباح مرحلة الحرب الباردة, وما حفلت به من استقطاب دولي. الاطلاع على الطريق الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مارست الولايات المتحدة ضغوطا عنيفة على روسيا لاجبارها على التحول نحو اقتصاد السوق وتطبيق برامج الخصخصة, بوتائر عاصفة أدت إلى انهيار البنى الاقتصادية القديمة, قبل أن تحل محلها بنى جديدة قادرة على المضي قدما بالإنتاج الاجتماعي. واستخدمت واشنطن نفوذها لمنع تقديم أية قروض أو مساعدات لموسكو ما لم تلتزم بصرامة بالتطبيق الدقيق (لروشتة صندوق النقد الدولي) المنسجمة مع السياسات (الريجانية) و(التاتشرية) المتطرفة, التي راجت على نطاق واسع في تلك المرحلة, والتي لا تقيم أدنى اعتبار للجوانب الاجتماعية لعملية (الاصلاح) الاقتصادي. والواقع أن التشدد الأمريكي تجاه روسيا في تلك المرحلة رافقه نوع من (نشوة الانتصار) في الحرب الباردة, وما يمكن تسميته بـ (الفظاظة الأيديولوجية) التي لا تقيم اعتبارا للظروف الخاصة لأي بلد أو مجتمع. ولسان حال هذه (النشوة) وهذه (الفظاظة) يقول : إذا كنتم قد انهزمتم وأفلس نظامكم فإن عليكم أن تنفذوا شروطنا وبرامجنا بدون لجاجة أو مماحكة. ومعروف أنه على المستوى الاجتماعي والسياسي الداخلي أدت هذه السياسات المتطرفة إلى إثارة سخط شديد بين أوسع فئات السكان في الدول الاشتراكية السابقة, نتج عنه عودة أحزاب اليسار إلى الحكم في أغلب تلك الدول. أما في روسيا فقد أدت هذه السياسات وما صاحبها من سخط اجتماعي واسع إلى تعزيز مواقع الشيوعيين, وإلى تعثر مسيرة (الاصلاح الاقتصادي). ولم يكن بوسع الإدارة الديمقراطية خلال حكم كلينتون أن تتجاهل هذه التطورات, خاصة وأن اليمين كان يتعرض للخسارة في الانتخابات في أغلب بلدان أوروبا الغربية نفسها, وهي المعقل التاريخي للرأسمالية وبالتالي فقد كان منطقيا أن يتم تخفيف (الهجوم الأيديولوجي) الكاسح ضد الشيوعية واليسار, وإبداء قدر من التفهم إزاء صعوبات الانتقال السريع إلى الرأسمالية في روسيا وغيرها من الدول الاشتراكية السابقة وإن لم يؤد هذا إلى تدفق المساعدات, وحتى القروض والاستثمارات الأمريكية إلى تلك الدول, وفي مقدمتها روسيا. وواضح أن الجمهوريين لم يستطيعوا فهم هذا الموقف, واعتبروه نوعا من (الليونة) الزائدة من جانب الديمقراطيين, وعدم الحزم في (تشجيع) التحول إلى اقتصاد السوق الرأسمالي في روسيا. وبالتالي فإن من المرجح أن تلجأ الإدارة الأمريكية الجديدة إلى محاولة ممارسة مزيد من الضغوط على روسيا لحملها على استئناف (الإصلاح) بالوتائر القديمة أو ما يقاربها. وصحيح أن ضآلة أو انعدام المساعدات الأمريكية لروسيا, وزيادة عائدات الأخيرة من صادرات النفط, كلها أمور تضعف قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على روسيا في هذا المجال.. إلا أن ضعف فاعلية الضغوط لا ينفي أنها مرشحه لزيادة التوتر في علاقات الجانبين. الشيشان .. موقف أمريكي جديد؟ معروف أن إدارة كلينتون اتخذت في بداية الحرب الشيشانية الأولى (94 ــ 1996) موقفا مؤيدا للشيشان, إنطلاقا من أن استقلال هذه الجمهورية الصغيرة من شأنه إضعاف مواقع روسيا الاستراتيجية في منطقة القوقاز, والتقليص الواضح لسيطرتها على مسارات نقل النفط والغاز من تلك المنطقة إلى العالم الخارجي, فضلا عن إضعاف تماسك الاتحاد الروسي كدولة مركزية. ثم أدى عدم الاستقرار في الشيشان وإقامة علاقات بين مقاتليها والمقاتلين الأفغان إلى إثارة مخاوف الولايات المتحدة من انتشار الإرهاب في منطقة القوقاز, إلى جوار خزان النفط الغني في المنطقة. كما تم الاتفاق على مسار جديد لمد خطوط أنابيب نقل النفط القوقازي بعيدا عن الشيشان (خط باكو جيهان). وأدى ذلك كله إلى تغيير الموقف الأمريكي من الشيشان إلى تأييد ضمني للجهود الروسية في (مكافحة الارهاب) بغض النظر عن الجرائم الوحشية التي ارتكبتها وترتكبها قوات الكرملين ضد المدنيين الشيشان, والتي كانت واشنطن تكتفي بإدانتها بغمغمات غامضة مع التأكيد على (تفهمها لأهمية مواجهة الارهاب).. الخ.. الخ. والأمر اللافت للنظر في الأيام الأخيرة هو مراجعة هذا الموقف الأمريكي. فقد انتقد الناطق بلسان وزارة الخارجية الأمريكية (ريتشارد باوتشر) بوضوح انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان على يد روسيا. والأهم من ذلك أن (باوتشر) أكد أن (الولايات المتحدة ترى أن السبيل الوحيد للتسوية يتمثل في إجراء حوار سياسي مع القيادة الشيشانية). وهذا تطور جدير بالملاحظة ليس من زاوية التعاطف الأمريكي مع الشعب الشيشاني بالتأكيد, ولكن من زاوية أن الإدارة الأمريكية تفكر جديا في استخدام (الورقة الشيشانية) للضغوط على روسيا.. وربما كان في هذا إشارة إلى أن واشنطن تريد أن تقوم بدور أكثر هجومية في القوقاز.. تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة لروسيا.. والتي تحتوي أيضا على ثاني أهم خزان للنفط في العالم, بعد منطقة الخليج.. وهذا سبب أكثر من كاف لاهتمام الولايات المتحدة بها وخاصة على ضوء الأزمات المتجددة مع (أوبك). وعلى ضوء هذا كله لا يبدو من المبالغة أن نقول إن الإدارة الأمريكية الجديدة تسعى لإرتباط أشباح الحرب الباردة مع روسيا. أو على الأقل لبث أجواء تعيدها إلى الذاكرة. بقلم: د. محمد فراج أبو النور * * كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات