رجال يسطرهم التاريخ بأحرف من نور ، زايد.. آمن بأمته وسجل تجربة من الأخوة والتجانس

الملف السياسي : كثير من الرجال الذين يسطع نجمهم ويسطر اسماءهم التاريخ بين صفحاته لكن سرعان ما يسقطهم من بين صفحاته القلقة ليضعهم في عالم النسيان او المجهول وقد لايعاود ذكرهم الا بعض المتخصصين، والدارسين للبحث عن مثالبهم لتبيان بعض انماط السلوك اللاانساني في مجرى حياتهم تجاه شعوبهم والشعوب الاخرى والامثلة اكثر بكثير من ان تحصى, لكن فقبالة هؤلاء المارقين على التاريخ المستغلين لعاملي الصدفة والزمن ثمة رجال قلائل تغار عليهم صفحات التاريخ النقي الناصع, وتدافع عنهم حتى لكأنهم جزء لا يتجزأ منها, وتبقى تحافظ على اسمائهم بأحرف من نور لانهم مثل يحتذى على المستوى الانساني والقيمي الذي لا يخالطه الشك بشيء الا الفعل الحسن والنوايا الطيبة النابعة من قناعة راسخة لا تلين في بناء الانسان على المستوى الروحي وأنسنة كل ما يحيط به على المستوى المادي, فحري بنا ومن موقع الفراسة وفهم الرجال ومعرفة معادنهم التي حكت في اكثر من منعطف وبأن بريقها ولمعانها. واكثر من موقف ان نقيم لاؤلئك الرجال الذين حنى التاريح بين دفتيه على اسمائهم, ضربا من الاحترام, وان نبقي الذاكرة الجمعية فينا متأججة لتحافظ هي الاخرى حتى في احلك الاوقات على نبراس او مثل يمنحنا شيئا من الثقة المفقودة او المكلومة التي ألمت بنا في غمرة الاحداث والنكسات المتلاحقة التي اوصلتنا في اغلب الاحيان الى نقطة الشك واستحضار (ديكارت) بكل ما يحمله من شك قد يغمر وجه الارض وعلينا ان نقيم لهؤلاء العرب القلائل صرحا روحيا في النفس المتعبة التي اضناها البحث عن العدل في عالم تتلاطم امواجه ولا يقيم للفعل الانساني الخالص شأنا لكن قبالة ذلك يجب ألا يخالط هذا الصرح الروحي المؤنسن التماثيل الحجرية التي قد تبلد الحس فينا لتبقينا نتناقل الاسماء ونكرر الافعال الحسية المجردة وكأنها صور مبهمة بلا تفاسير مفتقدة لعامل الديمومة والحركة والحيوية التي تمنحنا التفاؤل بالقادم استنادا الى الماضي المضيء. وبعيدا عن التكلف او التعقر في البحث عن الجمل والكلمات المعسولة وبعيدا عن التكسب واخلاقية المتكسبين لابد لنا من الاعتراف بأن رجالات قلائل قد لايساوي عددهم اصابع اليد الواحدة ومنهم ذاك الشيخ الجليل الذي آمن بان امته امة واحدة ودافع عن هذه المقولة بالصوت العالي في لحظة كممت فيها الافواه واخرست الاصوات سوى في الصالونات المحروسة بكل اصناف العسس والعسكر المقنعين ولعلي عندما اتكلم بهذه الطريقة لا اجازف بكلمة قد اكتبها قط, بل استحضر في ذات اللحظة من الذاكرة تجربة بلد مثل الامارات العربية المتحدة التي سجلت تجربة من الاخوة والتجانس لم يشهد التاريخ العربي مثلا لها منذ نهاية القرن التاسع عشر واعادت الاعتبار لصدقية مقولة الاخوة العربية وامكانية تحققها على الارض بكل ما تحمله الكلمة من معنى موضوعي لا يقبل الشك ولا يحتاج للبراهين بعد ان خرجت علينا مقولات ما انزل الله بها من سلطان اقلها نحن شعوب ولسنا شعبا لكن بالمقابل لابد من الاعتراف ايضا ان هذا الفعل الانساني المثل, لم يتحقق بغفلة من الزمن بل تحقق بارادة الخيرين من ابناء هذه البقعة الطاهرة, وبفعل التسامح والشفافية العالية منقطعة النظير الذي تحلى بها الشيخ زايد بن سلطان بالشراكة مع اقرانه من الشيوخ والامراء المترافق مع نكران الذات والتخلي عن روحية المحاصصة الضيقة والانطلاق من المفهوم الضيق لتقاسم الكعكة الذي نشهد تداعياته في الكثير من البقاع العربية مع كل اسف, وقد لا نغالي بالقول اذا ما اعتبرنا ان هذه الروح التي انطلقت من مقولة نكران الذات واعتبار الجزء خلية مكونة واساسا موضوعيا لتحقيق وحدة الكل, قد انجزت الكثير من المكاسب على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي, وأمنت الكثير من احزمة الامان التي تفتقد لها الكثير من البلدان هذه الايام حتى المتحضرة منها في ظل هجمة العولمة الغاشمة, التي لن ترحم الاجزاء ولن تقف عن حدود مصالحها بل ستقتحم كل الجدران الضعيفة التي تم تجاهلها في فترة ماضية والتقاعس عن اقتحام مثل هذه التجارب الفريدة في مجتمعنا العربي والاسلامي. فعلى المستوى السياسي ومن خلال حالة التفاني التي تحدثنا عنها اصبحت الامارات العربية المتحدة تحظى بمكانة سياسية في كل الدوائر بداية من الدائرة الخليجية في اطار مجلس دول التعاون الخليجي مرورا بالدائرة العربية ومؤسساتها الاقليمية والدائرة الاسلامية وانتهاء بالدائرة الدولية, اي ان الامارات العربية بفعل وحدتها وتجانسها وموقفها السياسي المعبر عنه بشخص الشيخ زايد بن سلطان قد اصبحت رقما سياسيا مهما في هذه الاطر والدوائر ولن يجرؤ احد على تجاهلها او تجاوزها على مستوى الفعل السياسي حيادا عن المواقف والخلفيات التي تحكم ارادة وتطلعات هذا الطرف او ذاك في التعامل معها وقد لمسنا هذا الدور المميز في كثير من المنعطفات السياسية وفي وقت مبكر فقد كانت دولة الامارات العربية ممثلة بقائدها وبشيخها الجليل في عام 1973 قد اسست لمقولة الدم العربي اغلى من البترول وشاركت بكل فعالية باستخدام سلاح النفط ضد الغرب بهدف الضغط على اسرائيل ومن يقف من ورائها بعيدا عن الحسابات الآنية الضيقة وانطلاقا من روح التفاني المستندة الى مقولة الاخوة والمصير الواحد, وفاقت بعد نيل استقلالها على دعم كل القضايا العربية متجاوزة بذلك حدود الجغرافيا والمسافات المتباعدة بل عملت بكل ما تستطيع من قوة ومن شبق الحياة من اجل اختزال هذه الجغرافيا المتباعدة لكي تعيد خارطة الوطن المتناثرة اجزاؤه, ولترسم جغرافيا موحدة متناغمة منطلقة من ايمانها وعزم ابنائها الذي لايلين ومتجاوزة التكلفة التي ستلحق بها من هذه السياسات المستندة الى اساس فكري وقناعات ايمانية لا تتزحزح. ولعل الموقف الذي اتخذته دولة الامارات ممثلة بصاحب السمو الشيخ زايد المعبر عن روح ابنائها وابناء الامة من قضية حصار الشعب العراقي رغم التباعد بالمواقف السياسية يعتبر وقوفا في وجه التيار وخطوة تحتذى في لحظة كانت تعتبر مثل هذه الخطوات خروجا على المألوف دون ان يتطلع الى المدى الذي قد تلحقه مثل هذه الخطوة من اذى على كافة المستويات ودون ان يقف عند حسابات الربح والخسارة, وقد حكم موقفه الانطلاق من مقولة الامة الواحدة والخندق الواحد والمصير المشترك, اما القضية الفلسطينية فحدث ولا حرج فقد تقاسمنا نحن الفلسطينيون اللقمة مع ابناء الامارات العربية, ولم نسمع يوما بمهاترة سياسية من هذه الامارة او تلك ولم نحسس يوما اننا نعيش على موائد الغرباء بل بالعكس تماما دائما نحس بأننا على موائد اخوتنا رغم انقساماتنا السياسية الايديولوجية ولعل الموقف الموحد فيما بين أحزابنا هو الموقف من الامارات العربية وقائدها الفذ والذي يختزل ببضع كلمات بأن هؤلاء العرب الاصلاء, وقد كان اخر هذه المواقف الموقف من انتفاضة الاقصى المباركة الذي ابكى العيون طربا وفرحا باننا لسنا وحدنا في هذا المعترك الصعب واننا نستند الى جدار صلب وقناعات راسخة كالجبال التي تآخت مع رحم الارض ولن تهزها الرياح العاتيات ولعل صاحب السمو الشيخ زايد وقادة الامارات وشعب الامارات كان يومها ولايزال حديث الشارع الفلسطيني في الوطن والشتات المبعثر في اقاصي الارض من مشارقها الى مغاربها والحديث يطول وللحديث شجون كما يقال. فثمة مواقف كثيرة لم نقف ازاءها من العديد من المواقف الانسانية المرتكزة الى بعد عقائدي بداية من الشيشان وانتهاء بالبوسنة والهرسك والدعم السياسي والمادي للكثير من الدول العربية الفقيرة والمشاريع اكثر من ان تحصى بداية من غزة مرورا بالنيل ولاتزال النهايات مفتوحة على مصراعيها. اما على الصعيد الاقتصادي الداخلي فقد أمنت السياسة المتوازنة كما اسلفنا حيزا من احزمة الامان الاجتماعي القائمة على ركائز عصرية ووفقت بين القطاعات الاقتصادية المكونة للاقتصاد الاماراتي وارست حالة من التكامل بما في ذلك السياحي والخدمي التي تفتقد له بعض دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول العربية الكبرى والمستند الى قوانين عصرية تتماشى مع التطور العالمي المذهل المرتكز بكليته الى اختزال عامل الوقت بما يؤمن النقلة النوعية ليس في عالم العمولات النقدية وتأمين الخدمات الاستثمارية فحسب بل لثورة صناعية قد تؤمن جملة من متطلبات المجتمع الاماراتي والعربي بشكل عام بداية من الصناعات البترولية وانتهاء بالتعدين الذي نتطلع له بشغف نحن ابناء الامة العربية, من خلال مشاريع مشتركة تعتمد على الخبرات العربية المهمشة والمغيبة. ولعل هذه السياسة الهادئة والمتوازنة قد امنت الاستقرار على المستوى الاجتماعي وخلقت حالة من التصالح على المستوى الطبقي بما يؤمن هو الآخر الانتقال الموضوعي من طور اجتماعي الى آخر دون احداث خلل في البنى التحتية وبعيدا عن الصراعات والفوارق الطبقية التي تعاني منها حتى دول الغرب المتحضر الذي قطع شوطا كبيرا في هذا المضمار والسؤال الذي لابد منه هل يتخذ العرب الآخرون هذا المثل ليؤسسوا عليه سياساتهم المستقبلية؟ ام ان التجربة الاماراتية ستبقى تحمل الفرادة في شكلها ومضامينها لنبقى نتغنى بها؟ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات