الجدار الحديدي ، الحلقة السادسة ، تأليف: آفي شلايم ، عرض وتعليق: محمد الخولي

هدد رابين باحتلال دمشق فاندلعت حرب 1967 ، في ديسمبر 1987 وقع حادث مروري فانفجرت الانتفاضة الأولى الطريق الى الحرب.. تحت هذا العنوان تطرق مؤلف الكتاب, البروفيسور أفي شلايم الى ملابسات وتطورات حرب عام 1967 وهو يسوق في هذا الصدد رأيا يستدعي الانتباه حين يقول: من بين جميع الحروب العربية ــ الاسرائيلية كانت حرب 1967 هي الحرب الوحيدة التي لم يكن يرغب في قيامها أي من الجانبين. لقد نجمت الحرب عن أزمة ظلت تتطور الى أن أصبحت تستعصى على السيطرة لا من الجانب العربي ولا من الجانب الاسرائيلي. على أن مؤلف الكتاب يسجل أن اسرائيل كانت من عوامل اندلاع الحرب العربية الاسرائيلية في يونيو يقول: ان التدهور الذي حدث في الموقف تسببت فيه اسرائيل عندما أطلقت من عقالها سلسلة عشوائية من التهديدات التي لوحت فيها بأنها سوف تهاجم النظام السوري إلا اذا كفت دمشق مع دعمها الذي تقدمه لعناصر المقاومة الفلسطينية التي كانت تنفذ عملياتها في داخل اسرائيل. إننا نسجل هذه الآراء لمؤرخ من أصل اسرائيلي يعمل أستاذا في واحدة من أعرق جامعات أوروبا وخاصة في هذه الفترة التي وجدت نفرا من الصفوف العربية ما برحوا يزايدون على الحقيقة والتاريخ مصورين قرارات عبدالناصر بالتعبئة والحشد قبيل أحداث يونيو 67 على أنها كانت سلسلة أخطاء السياسة أو أنها أفضت الى استفزاز الجانب الاسرائيلي. هكذا هبت العاصفة نبادر فنؤكد من جانبنا أن ليس هناك فرد مهما بلغ قدره معصوما من الخطأ, ومع ذلك فقد تفيدنا آراء مؤلفنا المنتمي الى مدرسة (المؤرخين الجدد) حين يضيف قائلا (ص237 وما بعدها): في 12 مايو ,1967 وفي حديث صحفي, هدد اسحاق رابين (رئيس الأركان الصهيوني وقتها) باحتلال دمشق, فكان أن أحدثت تصريحاته هذه عاصفة هوجاء حيث جاءت مناقضة للخط الرسمي بأن اسرائيل لا تتدخل في السياسات الداخلية بالدول العربية وإنما تتصرف اسرائيل دائما من منطلق الدفاع عن النفس في وجه العدوان العربي. وزاد ليفي أشكول رئيس الوزراء الصهيوني على ذلك بتصريح آخر أدلى به يوم 13 مايو وأعلن فيه أنه قد يتعين على اسرائيل أن تلقن سوريا درسا أقسى من ذي قبل. كانت سوريا محكومة بنظام حزب البعث وكان الاتحاد السوفييتي وقتها يراهن الى حد كبير على بقاء نظام البعث حاكما في دمشق. وعندما قرر السوفييت أن يتدخلوا في أتون الأزمة المشتعلة زادوا الموقف تعقيدا, وما لبثوا على حد تعبير المؤلف أن فقدوا بدورهم قدرة السيطرة على مسار وتطورات الأحداث. ويضيف المؤلف أن الكرملين السوفييتي بعث بتقرير الى جمال عبدالناصر يؤكد فيه أن اسرائيل تحشد قوات كثيفة على حدودها الشمالية وأنها تخطط لمهاجمة سوريا. ومن ناحيته كان ناصر ــ كما يذكر المؤلف أيضا ــ يدرك أن اسرائيل أقوى عسكريا من جيوش الدول العربية مجتمعة ولكنه لم يكن بوسعه أن يظل مكتوف اليدين سياسيا خاصة وأن أجهزة الاعلام الأردنية على حد ما يبينه المؤلف, كانت قد شنت عليه حربا دعائية شعواء متهمة عبدالناصر بالجبن وبأنه يستتر وراء قوات الطوارئ الدولية الموجودة في سيناء. ولا يفوت الأستاذ شلايم أيضا أن ينبه الى أن سوريا كانت تربطها مع مصر معاهدة للدفاع المشترك مما كان يفرض على القاهرة أن تهب لنجدة دمشق إزاء خطر تهديد اسرائيلي. في هذا السياق يدلي المؤلف بحكم هام يقول فيه: من الواضح أن عبدالناصر كان يتعين عليه أن يفعل شيئا (إزاء كل هذه التطورات) سواء من أجل أن يحفظ مصداقيته بوصفه حليفا لسوريا وأيضا لكبح جماح حكام دمشق الذين التهبت رؤوسهم وقتها بالحماس أو الاندفاع. وهناك اتفاق عام, يضيف البروفيسور شلايم, بين المعلقين السياسيين على أن عبدالناصر لم يكن يريد الحرب ولا خطط لخوض غمراتها مع اسرائيل. وما فعله وقتها كان يتمثل في تصعيد الموقف الى حافة الخطر بحيث يخطو فوق الحافة الى بر الأمان. ثم يوضح المؤلف مدى الاضطراب والتوتر العصبي الذي ساد صفوف النخبة العسكرية والمدينة الحاكمة في اسرائيل منذ أواخر مايو الى مطالع يونيو 1967 ولكنه يشير أيضا الى مهمة وزير الخارجية ابا ايبان الى واشنطن واجتماعه الى الرئيس الأمريكي جونسون الذي أوضح له أن خبراء البنتاجون يستبعدون اقدام مصر على مهاجمة اسرائيل ومع ذلك أضاف الرئيس الأمريكي قائلا: (لو هاجمكم المصريون فنحن نعرف أن اسرائيل سوف تذيقهم علقة ساخنة كما أن أمريكا على استعداد لاستخدام قوتها البحرية لفتح مضايق تيران (التي أغلقها عبدالناصر بوجه الملاحة الاسرائيلية). وعلى الرغم من أن الرئيس جونسون حذر إيبان, كما يوضح المؤلف, من أن تكون اسرائيل هي البادئة بالأعمال الحربية إلا أن جونسون أضاف قائلا: مع ذلك فاسرائيل لم تكون وحدها. ويتضح من السطور والفقرات التي كتبها مؤلفنا حول هذه النقطة أن مسئولي اسرائيل, وخاصة الجنرالات, لم يصدقوا ذلك الوعد الذي عاد به إيبان من واشنطن ربما استكثروا يومها هذا التأييد الأمريكي الذي رأوه مجانيا من جانب البيت الأبيض.. لذلك أوفدوا شخصية غير دبلوماسية هي (مائير أميت) في مهمة سرية للغاية ولا عجب فقد كان رئيس استخباراتهم (الموساد) وقد تجسدت المهمة في أن يقوم (أميت) بالتأكد من حقيقة وتفاصيل الموقف الأمريكي وما اذا كان الأمريكيون سيتخذون خطوات عملية شاملة لدعم اسرائيل, وما عساه يكون الموقف الأمريكي اذا ما بادرت اسرائيل الى الهجوم. والحاصل أن الموقف الأمريكي كان قد تغير ما بين تأكيد الرئيس جونسون بأن أمريكا سوف تجهز أسطولا حربيا دوليا عرمرما, أرمادا حسب المصطلح الذي استخدموه وقتها, لفتح مضايق تيران عنوة رغم ارادة عبدالناصر. أما الموقف الأمريكي الجديد فكان أكثر وضوحا وتحديدا ويتمثل, كما يؤكد مؤلفنا, في اطلاق اسرائيل كي تهاجم عبدالناصر وتدمره (المعنى هنا تشير ظلاله الى معنى فك كمامة كلب الحراسة الاسرائيلي ومن ثم اطلاقه لينهش العدو ــ الهدف). وقد نجح رئيس الموساد في تلك المهمة السرية في تحويل الاهتمام من تدارس الجوانب القانونية لاغلاق مضايق تيران الى حيث تم بحث الحشود المصرية في سيناء. ولقد جاءه يومها جواب أمريكا على لسان وزير دفاعها روبرت مكنمارا وقد تمثل الموقف الأمريكي فيما يلي: أن أمريكا تتحمل المسئولية الأدبية عن فتح مضايق تيران. وتفضل أمريكا أن تقوم اسرائيل نفسها بهذه المهمة لأن أمريكا مشغولة بمشكلة فيتنام. وتدرك أمريكا, حسب تقديرات البنتاجون, أن اسرائيل قادرة على هزيمة الجيش المصري. وبهذه العبارات, يقول مؤلفنا, كان وزير الدفاع الأمريكي قد أعطى الضوء الأخضر لاسرائيل كي تتخذ اجراءاتها العسكرية ضد مصر. ورغم أن الحرب كما هو معروف انتهت بهزيمة القوات العربية إلا أن عبدالناصر وقد أمضى الفترة الفاصلة بين عامي 67 و69 يبذل جهودا سياسية ودولية واقليمية لازالة آثار العدوان أصبح على يقين في مارس 1969 بأن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة وكان هذا الشعار كما يقول مؤلف كتابنا هو بداية حرب الاستنزاف في منطقة قناة السويس. وكانت فكرة ناصر هي استثمار تفوق مصر في القوى البشرية ازاء حساسية اسرائيل التقليدية ازاء خسائرها في الأرواح, فضلا عن ارهاق اسرائيل عسكريا واقتصاديا ونفسيا مما يمهد الطريق طبقا لحسابات عبدالناصر لعبور قناة السويس وطرد الاسرائيليين من سيناء (ص289). ويوضح المؤلف أن أهداف اسرائيل من خوض حرب الاستنزاف بكل مغارمها وتكاليفها وخاصة بالنسبة لغارات الطيران في العمق المصري, كانت تتمثل في تحطيم الروح المعنوية للشعب المصري وفي اسقاط نظام عبدالناصر لكي يحل محله نظام جديد موال للغرب. وكانت تلك بدورها أصداء لأهداف حملة سيناء في عام 1956 وهنا تقول سطور الكتاب: لكن الأحداث أثبتت, على نحو ما يؤكده باستمرار منطق وتاريخ أي معرفة بالسياسة المصرية أن ضربات العمق الاسرائيلية كانت أبعد ما تكون عن تحطيم ارادة المصريين في المقاومة بل أنها عززت تلك الارادة, تماما كما كانت أبعد ما تكون عن الاطاحة بعبدالناصر, بل أنها وحدت صفوف الشعب حوله ومن خلفه في اطار موجة عارمة من التضامن الوطني (ص292). وفي هذا السياق ينبغي أن نطرح السؤال المهم: ما هو الحكم النهائي على حرب الاستنزاف والسؤال مطروح لأن هناك أستاذا ممن يحملون لقب (مؤرخ عربي) في مصر ظل يدبج المقالات في نوع غريب مما قد نسميه بالتشفي العلمي باذلا في ذلك جهودا مضنية لمجرد اثبات أنها كانت حربا استنزفت مصر (الناصرية) وأنها كانت لصالح اسرائيل. وعلى الرغم من أن أركان العسكرية المصرية ردوا على المؤرخ المذكور كي لا نقول القموه أكثر من حجر من الدليل الدامغ والبرهان العلمي الساطع إلا أننا نضيف في سياقنا هذا شهادة مؤرخنا الاسرائيلي الأصيل كما نكرر وقد أوردها الأستاذ شلايم على صفحتي 296 و297 من كتابه حين قال: بعد دراسة صريحة لمواقف كل من الجانبين (مصر واسرائيل) قبل حرب الاستنزاف وما بعدها, توصل (السياسي الاسرائيلي المخضرم) ابا ايبان الى النتيجة التي تفيد بأن الموازين النفسية والدولية تغيرت لصالح مصر. أما عيزرا فايتسمان رئيس اسرائيل السابق وكان وقتها قائدا لسلاح طيرانها فكان اهتمامه يدور أكثر حول ميزان القوى العسكرية وفي هذا الصدد كانت الحقيقة الأساسية بالنسبة الى فايتسمان هي أن حرب الاستنزاف انتهت وقد (نجح) المصريون في نصب نظام صواريخهم على حافة قناة السويس مما كان يعني بالتالي فقدان اسرائيل لتفوقها السابق الذي كانت تتمتع به بغير منازع في مجال الطيران. وهذه النتيجة, كما قال فايتسمان, أعطت للمصريين مطلق الحرية, لكي يستعدوا على مدى السنوات الثلاث التالية لخوض الحرب الكبرى في أكتوبر عام 1973. وبموضوعية المؤرخ, يحرص مؤلفنا أيضا على أن يستدعي للشهادة أحد صقور العسكرية الصهيونية وهو موردخاي جور الذي تولى رئاسة الأركان في عام 1974 قال جور: لم يكن نصر الأيام الستة (1967) هو الذي هدهد مشاعر اسرائيل الى حيث الاحساس الزائف بالأمن عشية حرب أكتوبر, بل كان السبب هو قراءتها الخاطئة لنتائج حرب الاستنزاف. ويعلن مؤلفنا على هذه القراءات الاسرائيلية المغلوطة (أو فلنقل المغرورة) لحرب الاستنزاف جعلت الطرف الصهيوني في حال من التصلب المغرور أيضا. ويبين أن حرب الاستنزاف خاضتها اسرائيل مقابل (تكاليف اقتصادية باهظة وخسائر بشرية فادحة) وأنها كانت أطول حرب في تاريخ اسرائيل. والمهم أن هذه الحرب التي طالت.. كانت المقدمة المنطقية لحرب 1973 ــ رمضان عند العرب ويوم كيبور ــ الغفران عند الصهاينة حيث جاء الهجوم العربي المباغت على جبهتي مصر وسوريا ليشكل, كما يؤكد المؤلف, فشلا لاسرائيل من ناحيتي الاستخبارات والسياسة على السواء. والمؤلف يحيل في هذا السياق الى مراجع شتى على رأسها تقرير لجنة (أجرانات) الشهيرة الذي حمل عنوانه (التقصير) ويرى المؤلف أن حرب أكتوبر كانت من الأهمية بما جعلها أول حرب عربية اسرائيلية تعقبها تسوية سياسية, وذلك لأسباب رئيسية ثلاثة نوجزها فيما يلي: 1 ــ الاداء العسكري المرموق للعرب. 2 ــ قدرة اسرائيل على استيعاب الضربات العربية الناجحة الأولى ثم استرداد أنفاسها وتحقيق منجزات عسكرية شهدها تطور الحرب مما أحدث نوعا من التوازن بين الطرفين. 3 ــ تداخل أمريكا في الموقف من خلال هنري كيسنجر مما أتاح بذل جهود سياسية في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة. ثم تطورت الأحداث إذ دارت عجلاتها بسرعة حيث انتقلت من اتفاقات فصل القوات الى ترتيبات اللقاءات السرية بين حسن التهامي مبعوثا للرئيس السادات في أوائل عام 1977 (يخطئ مؤلفنا في تحديد صفته حين يقول أنه كان نائبا للرئيس المصري والحقيقة أنه كان موظفا في ديوان الرئاسة برتبة نائب رئيس وزراء). وقد تولى ترتيب هذه اللقاءات شخصيات دولية وعربية منها كرايسكي مستشار النمسا وشاوشيسكو رئيس رومانيا والملك الحسن عاهل المغرب وشمل تطور الأحداث زيارة السادات الشهيرة الى اسرائيل في نوفمبر 1977 وبعدها بدأت اللقاءات والمفاوضات المضنية بين السادات ومناحم بيجين الذي كان هدفه كما يقول المؤلف نقلا عن الدبلوماسي الاسرائيلي (بن اليسار) هو اخراج مصر من دائرة الحرب مع اسرائيل مع استعداده دفع ثمن باهظ لذلك ولكن دون أي نية من جانب بيجين لكي تشمل الصفقة أي أراض خارج نطاق شبه جزيرة سيناء. أخيرا يصل الكتاب عبر فصليه العاشر والحادي عشر الى عقد الثمانينيات من القرن الماضي. دخل الصراع العربي ــ الصهيوني سنوات العقد المذكور وقد تمتعت اسرائيل باعتراف أكبر دولة عربية وأصبح لها سفارة في القاهرة وفي أواخر السنة الأولى من العقد المذكور اغتيل الرئيس أنور السادات, وفي سنته الثانية دخلت قوات اسرائيل الى المستنقع اللبناني على حد تعبير المؤلف في ورطة عسكرية, أوصلت قوات رييل شارون الى بيوت وكشفت عملاء اسرائيل في الشارع الماروني بلبنان. على أن الأيام الأخيرة من عام 1987 كانت هي الأهم في تاريخ الصراع بين العرب واسرائيل في يوم 9 ديسمبر 1987 دهس سائق شاحنة اسرائيلي 4 من سكان مخيم جباليا الفلسطيني للاجئين في قطاع غزة. وسرت شائعة يومها تقول بأن السائق الصهيوني أقدم على القتل عمدا للانتقام لطعنات فلسطينية اغتالت أخيه في غزة قبل يومين من الحادثة. لم تكن الشائعة صحيحة. ولكن الأحداث التي تلت هذا الحادث المروري كانت هي الصحيحة. وكان اسمها الانتفاضة الأولى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات