الملف السياسي ـ حفل تاريخها بالحروب والصراعات, القدس انفردت بأهميتها الروحية وذكريات الأماكن المقدسة

تشكل مدينة القدس جوهر القضية الفلسطينية بوصفها مدينة روحية اختزلت على مدار التاريخ الصراع الديني كعاصمة قدسية ونبوية, ونظرا لهذه المكانة المقدسة للمدينة حفل تاريخها بالحروب والصراعات التي نشبت من اجل السيادة عليها علما ان اليبوسيين العرب هم من اسسوها قبل نحو خمسة آلاف سنة, وهم آول من جعلوها مقدسة ومركزا دينيا عالي المكانة بعد ان اسسوا فيها اول هيكل لإلاههم, وبعد ذلك بألفي سنة احتلها العبرانيون وجعلوها مركزا لديانتهم ثم نزلها الرسول عيسى بن مريم عليه السلام واذاع منها رسالته الالهية, واليها اسري بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها عرج الى السماء وكانت اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وللقدس اسماء عديدة اهمها: يبوس نسبة لليبوسيين الكنعانيين الذين قدموا اليها من شبه الجزيرة العربية, وبيت المقدس وهو الاسم الذي شاع بعد الفتح الاسلامي سنة 638 ميلادية, والقدس الشريف وشاع هذا الاسم بعد دخول العثمانيين الى فلسطين, وأورشليم اي مدينة السلام. وقضية القدس في المنظور التاريخي والروحي هي قضية استراتيجية تتجاوز حدود فلسطين الجغرافية الى قضية عربية واسلامية ومسيحية ويهودية, فقد انفردت القدس عن سائر مدن العالم بأهميتها الروحية كمركز لتراث وذكريات الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية واليهودية على السواء, فهي بالنسبة للمسيحية المكان الذي هبطه السيد المسيح منذ نعومة اظافره, ففي بيت لحم ولد السيد المسيح وفي طبرية وقراها ألقى المسيح بعظاته كما انه انتسب الى مدينة الناصرة حيث ورد في الاناجيل اكثر من مرة باسم اليسوع الناصري وفيها قبض عليه وسيق الى المحاكمة وحكم عليه بالموت, وفيها من الكنائس والاديرة لمختلف الطوائف المسيحية وكذلك القبر المقدس ومغارة الصليب والعازرية وذكرى البشارة, وهي لا تقل عن ذلك اهمية بالنسبة للمسلمين ففيها المسجد الاقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين وقبة الصخرة المشرفة التي اسري اليها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وحائط البراق. في حين لا تمت الى اليهود بعلاقة روحية ذات شأن الانبياء وحملة الرسالة كموسى, علما ان اليهود يشيرون الى داوود وابنه سليمان الذي ينسب اليه بناء الهيكل على جبل صهيون بهدف تحقيق الوحدة بين اليهود بعد ان كانوا قبائل وعشائر متفرقة, وأضحت لمدينة القدس اهميتها التاريخية والسياسية في حياة اليهود, ففي تلك الفترة من تاريخ بني اسرائيل في القدس تمكنوا من تكوين الدولة الموحدة على مدى سبعين عاما, ثم انقسمت الى دولتين: اسرائيل وعاصمتها السامرة (نابلس) وانهارت على يد سرجون الاشوري سنة 722 ق.م ويهوذا وعاصمتها القدس وانهارت على يد نبوخذ نصر سنة 597 حيث تم سبي اليهود الى اشور وبابل وقد دمرت المدينة وحرثت ارضها ثلاث مرات. الاولى على يد نبوخذ نصر والثانية على يد تيطوس الروماني سنة 70 ميلادية والثالثة في عهد الامبراطور ايلياهدريانوس الذي محا المدينة محوا تاما وابتنى مكانها مدينة جديدة اسميت ايليا نسبة اليه سنة 135 ميلادية. ورغم تعرض القدس للعديد من الغزوات واحتلالها من قبل اقوام عديدة: كالعبرانيين والاشوريين والبابليين والفرس والبطالمة والرومان الا انها احتفظت على الدوام بطابعها العربي ويسجل التاريخ ان الحكم العربي الاسلامي منذ توقيع العهدة العمرية التي كتبها الخليفة عمر بن الخطاب للبطريرك سفروبيوس سنة 636 كان من اهم الفترات التي تمتعت فيها الاقليات الدينية بحقوقها وممارسة شعائرها الدينية بوئام وسلام وحماية الاماكن المقدسة وقبل ان تصبح القدس (كل فلسطين ــ الامة) قضية للصراع بين العرب والمسلمين من جهة والحركة الصهيونية والغرب من جهة ثانية كانت تشكل جوهر الصراع بين الاسلام والغرب والذي حمل راية المسيحية, فقد احتل الصليبيون القدس سنة 1099 وحررها القائد الكبير صلاح الدين الايوبي سنة 1117 ثم سيطر عليها العثمانيون سنة , 1517 وقبل ان يحتلها الجيش الانجليزي سنة 1917 اثناء الحرب العالمية الاولى تحولت القدس الى معركة بين الكنائس المسيحية في العالم للحصول على الامتيازات الدينية تحت اسم حل المسألة الشرقية, وقبل صدور وعد بلفور في الثاني من نوفمبر سنة 1917 والذي قضى بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لم يكن يخطر ببال أحد ان مدينة القدس تختلف في عروبتها عن القاهرة ودمشق وبغداد ومع وعد بلفور ومن ثم صدور قرار تقسيم فلسطين من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 1947 واحتلال اسرائيل للجزء الغربي من القدس في الرابع من ابريل سنة 1948 جعلت الصهيونية من القدس قضية سياسية ودينية وعرقية من حيث كونها مفتاح حل للقضية الصهيونية وحولت اسرائيل معركة القدس الى محض معركة دينية رغم عدم اعلانها ذلك من خلال عدها القدس عاصمة ابدية لها, واعتمادا على البعد الديني والسياسي هادنت اسرائيل في البداية كل مقترح او قرار دولي بشأن مستقبل المدينة المقدسة وفي الوقت نفسه عملت على ارض الواقع من اجل فرض سيادتها على المدينة, وانطلاقا من هذا الهدف اغتالت المنظمات الصهيونية الوسيط الدولي ألكونت برنادوت الذي اكد في تقريره المرفوع الى الامين العام للامم المتحدة على عروبة القدس ووجوب توحيدها مع الاقليم العربي المقترح, ورغم ان اسرائيل بقتلها ألكونت برنادوت انهت جهود الوسيط الدولي فإنها لم تقبل بقرار تدويل القدس الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة سنة 1948 الا بعد ان اعترفت الامم المتحدة بقيام دولة اسرائيل, وبعد اقل من سنة فاجأت اسرائيل العالم باعلانها في سنة 1949 القدس عاصمة لها ورغم ان هذا القرار قوبل بشجب دولي واسع الا ان اسرائيل مضت في سياستها الهادفة الى ابتلاع كامل المدينة المقدسة, اذ اكملت في حرب يونيو احتلالها للقدس الشرقية وعدت القدس الموحدة عاصمة ابدية لها, ومنذ ان احتلت اسرائيل شرقي القدس وهي ماضية في سياسة تهويد المدينة ومقدساتها والعبث بالتراث الحضاري العربي والاسلامي والمسيحي, وبغية تهويد المدينة انطلقت اسرائيل في عدة اتجاهات اهمها: * طرد السكان العرب من المسلمين والمسيحيين من المدينة سواء بتطبيق اجراءات عنصرية ضدهم او ممارسة سياسة الاضطهاد والتضييق عليهم او محاصرتهم اقتصاديا بغية دفعهم الى ترك المدينة والافساح في المجال امام اليهود للاحلال محلهم. * اطلاق سياسة مصادرة الاراضي الفلسطينية وهدم الاحياء العربية واقامة المستوطنات اليهودية وشق الطرق الالتفافية بغية استيطان اليهود الذين جلبتهم اسرائيل من انحاء العالم. * تغيير المعالم الحضارية والثقافية والتراثية والدينية للمدينة, اذ هدمت اسرائيل عشرات المساجد والشواهد الاسلامية وطالت سياسة اسرائيل الحرم القدسي الشريف, فقد تعرض المسجد الاقصى للعديد من محاولات الحرق والنسف والهدم, ابرزها الحريق الكبير في المسجد الاقصى بتاريخ الحادي والعشرين من اغسطس 1969 حيث اتى الحريق على منبر المسجد واشتعلت النار في سطحه الجنوبي واتت على ثلاثة اروقة. وبزعم وجود الهيكل الثالث تسعى اسرائيل الى هدم مسجد الاقصى وبناء الهيكل محله اذ استولت على حائط البراق واطلقت عليه حائط المبكى وتقول التقارير الواردة من الارض المحتلة ان الحفريات الاسرائيلية مستمرة في محيط المسجد وقد ادت هذه الحفريات الى حدوث تشققات علما ان نتائج الحفريات اكدت خلو المسجد من الاثار اليهودية واكتشاف اثار اسلامية جديدة, ومثلما طالت عمليات التهويد الاماكن الاسلامية المقدسة طالت الكنائس والاديرة المسيحية ايضا. وقد انخفض عدد المسيحيين في المدينة بشكل كبير,ففي الوقت الذي كان عددهم يناهز في عام 1928 اكثر من 175 ألف نسمة انخفض الى 25 ألف نسمة في عام 1967 ولم يبق منهم حسب الاحصائيات الاخيرة سوى بضعة آلاف, وبفعل سياسة الامر الواقع الاسرائيلية هذه نجحت اسرائيل في تغيير الوضع الديمغرافي للمدينة واصبح من الصعب البحث في مستقبلها وفقا للقرارات الدولية الصادرة بشأنها, وجراء كل ذلك بات مصير المدينة على كف عفريت اسرائيلي, اذ ان مسألة حسم السيادة الاسرائيلية لم تعد تحتاج سوى الرتوش, ومن المؤسف ان كل ذلك جرى في ظل غياب سياسة مواجهة عربية واسلامية ومسيحية للتصدي للمشروع الصهيوني الذي يهدف من السيطرة الكاملة على القدس لا جلب الاعتراف لدولة اسرائيل فحسب بل التغلغل في قلب المنطقة العربية والاسلامية وبنيانها الحضاري ودورتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبعد, يعلمنا التاريخ ان المدينة المقدسة التي صمدت على مدى ثلاثة آلاف سنة في وجه التيارات الغازية والتي تعرضت لاكثر من عشر مرات لعمليات تدمير وحرق, هذا التاريخ نفسه يعلمنا انه في حال القدس تحديدا ان التاريخ في انعطافاته وتحولاته يسلك دروبا حاسمة في الدفاع عن ترابها العربي ومقدساتها الدينية والعالمية كمدينة اختارها الله لتكون ملتقى الانبياء والاديان والعبادات. بقلم: خورشيد دلي/ كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات