بيان الاربعاء ـ محاولة لفهم سياسة ايران الخارجية, (الشيطان الأكبر) يجلس تحت ظلال البراجماتية

هذه السطور محاولة للتعرف على الروافد الاساسية التي تتفاعل لتخرج السياسة الايرانية الخارجية بشكلها الحالي. وهي ايضا محاولة لفهم وتفسير عدد من التحركات النشطة التي قامت بها طهران مؤخرا على الصعيد الاقليمي. وعلى الرغم من ان الظاهرة السياسية بوجه عام تتسم بالتعقيد والتداخل واختفاء المعالم والحدود احيانا الا انه يمكن تمييز ثلاثة روافد تتشكل السياسة الايرانية الخارجية على اساس تفاعلها. الوضع الداخلي يبرز الوضع الداخلي في ايران كأول المؤثرات التي توجه دفة السلوك السياسي للخارجية الإيرانية, وعند تناول الوضع الداخلي في إيران, فإن أول ما تقع عليه عين المحلل هو ذلك الصراع المحتدم بين المحافظين والإصلاحيين منذ سنوات على مراكز السلطة والنفوذ والذي لاشك تسبب في تغيير العديد من ملامح السياسة الخارجية الإيرانية, بل وتسبب كذلك في تغيير استراتيجيات أساسية ميزت تلك السياسة لفترة طويلة, حتى أصبح صانعو تلك السياسة يتحدثون عن (الانفتاح وعلاقات الجوار الحسن) بدلاً من (تصدير الثورة), ويتحدثون عن (حوار الحضارات) بدلاً من (تحدي هيمنة الدول الكبرى), وحتى بالنسبة لـ(الشيطان الأكبر) الولايات المتحدة الأمريكية ــ أصبحت المسافة بين واشنطن وطهران أقل كثيراً مما كانت عليه سابقاً.. وبالطبع لم تقع تلك التغيرات فجأة وإنما تعتبر محصلة لفترة طويلة من الشد والجذب بين التيارين . فعندما انفرد المحافظون بالساحة الداخلية في إيران عقب الثورة الإسلامية عام ,1979 اتسمت مقولات سياستهم الخارجية بالراديكالية المفرطة, ومع سنوات حرب الخليج الأولى مع العراق استتب الأمر للإمام الخميني المرشد الأول للثورة بحيث لم يكن من الممكن بروز منافس له. غير أنه بانتهاء الحرب ووفاة الخميني بدأ الإيرانيون في التعاطي مع شئونهم الداخلية بشكل مختلف وبرز تيار جديد من الإصلاحيين ظل ضعيف الشوكة إلى أن جاء الرئيس الإيراني محمد خاتمي عام 1997 ليمثل أكبر انتصار لذلك التيار أمام المحافظين وشيئاً فشيئاً وجد المحافظون أن الرأي العام الإيراني ــ وهو الذي يعول عليه بشكل رئيسي ــ بدأ يتحول إلى تأييد خصومهم وأن الكفة بدأت تميل إلى الجانب الإصلاحي, مما أدى إلى تمترس المحافظين خلف مراكز النفوذ التي لا يزالون يهيمنون عليها, وانكفائهم في الوقت نفسه على الشأن الداخلي باعتباره المؤثر الأول على الرأي العام, وبالتالي لم يجد الإصلاحيون عناء في تحويل دفة السياسة الخارجية تبعاً لما يتناسب وقناعاتهم بحيث أصبحت (المصالح الوطنية) وليس (الأيديولوجية), هي الحاكم الرئيسي الذي تخدمه تلك السياسة. لا مبرر للعداء وفي هذا الإطار لا يصبح مبرراً الاستمرار في عداء أنظمة سياسية يمكن تحقيق مصالح كثيرة من وراء التعامل معها, لمجرد الاختلاف الأيديولوجي مع تلك الأنظمة, كما أصبح من الضروري على صانعي تلك السياسة الخارجية الإيرانية ترميم العلاقات التي تربط الجمهورية الإسلامية بمحيطها القريب, وبالطبع فإن كلا الأمرين السابقين يفسر قبول طهران إجراء حوار مع النظام العراقي, برغم الويلات التي سببها ذلك النظام في السابق لإيران. الوضع الخارجي وبالنسبة للوضع الخارجي, كأحد الروافد التي تشكل ملامح السياسة الخارجية الإيرانية, فإن أكبر حدث يمكن ملاحظته في المنطقة بعد حرب الخليج الأولى, هو إقدام العراق على غزو الكويت في الثاني من أغسطس عام, 1990 الأمر الذي كلف المنطقة حرباً ثانية. وإذا كانت تلك الخطوة قد كلفت العراق ودول الخليج العربية والعالم العربي بوجه عام الكثير والكثير, فإن إيران كان لها رأي آخر, إذا بدأت النظر إليها كدولة منبوذة تتغير, فضلاً عن أن الخسائر الاستراتيجية التي تكبدتها خلال الحرب, والتي كانت سبباً في اندلاع الحرب الأولى عام 1980 وكان بعد ذلك أن استغلت إيران الأوضاع الجديدة واستفادت من انتهاء زمن العزلة وشرعت في تقوية الروابط مع دول مجلس التعاون واستثمار علاقاتها الوثيقة مع سوريا ولبنان في طرح نفسها كلاعب رئيسي لا يمكن إغفاله في الصراع العربي-الإسرائيلي من خلال ذراعها القوي (حزب الله اللبناني) وهي المستبعدة عن كافة الترتيبات الرسمية لهذا الصراع لكونها دولة غير عربية. وكان من المنطقي أن تبادر طهران بعد ذلك إلى اتباع نهج براجماتي واستغلال الفرص السانحة ما أمكن-مثلما يحدث حالياً من استغلال إيران لظروف الانتفاضة الفلسطينية-الثانية- لتأكيد نفوذها في المنطقة, وذلك أمر آخر يحتاج بدوره إلى مزيد من الإيضاح. تسببت حرب الخليج الأولى والعزلة التي كانت تعاني منها طهران في تضاؤل نفوذها الإقليمي بشكل حرمها الكثير من المصالح الوطنية خلال فترة الثمانينيات الثرية بالتطورات الإقليمية والدولية, مما تسبب في ترسيخ قناعة لدى صانعي السياسة في طهران بأهمية تأكيد النفوذ الإيراني في المنطقة. وهو العامل النفسي الذي زاد منه لدى الإيرانيين النمو المفرط للشعور القومي, وشعورهم بمكانة بلادهم التي احتضنت من قبل الإمبراطورية الفارسية, والتي لم تتعرض مطلقاً للاحتلال الأجنبي طوال تاريخها الحديث, إلى جانب إدراكهم لحجم وإمكانات إيران ذات السبعين مليون مواطن والمساحة الشاسعة والقدرات الاقتصادية والعسكرية المتميزة. العامل النفسي وقد ظهر أثر هذا العامل النفسي في الكثير من التحركات الإيرانية, سواء على المستوى السياسي مثل الحرص على شغل مراكز القيادة في المنظمات الدولية الحكومية (كمنظمة المؤتمر الإسلامي), أو الاقتصادي كمساعيها أيضاً إلى رئاسة منظمة الأوبك أو حتى على الصعيد الاستراتيجي والأمني مثل انتقاداتها المتكررة لوجود قوات التحالف في الخليج , وانتقادها كذلك لإعلان دمشق والتأكيد مراراً على أن أمن الخليج هو مسئولية دوله فقط. وبصفة عامة لم تعد إيران تقبل بسهولة استبعادها من أية ترتيبات إقليمية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري, وهو ما قد يفسر حرصها على بقاء نفوذها في سوريا ولبنان باعتباره المدخل الوحيد المتاح أمامها في قطار تسوية الصراع العربي ــ الإسرائيلي. في ضوء المحددات (أو الروافد) الثلاثة السابقة يمكن تفسير عدد من المتحركات, قامت بها طهران مؤخراً تجاه كل من العراق وسوريا ولبنان, عندما توجه كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني إلى دمشق في الحادي عشر من شهر أكتوبر الجاري, ثم سافر إلى بيروت في اليوم التالي, وبعدها بيوم واحد وصل خرازي إلى بغداد (جواً) على رأس وفد إيراني رفيع المستوى في أول زيارة بهذا المستوى للعراق منذ عام1990 عندما توجه سلفه الأكبر ولايتي وزير الخارجية السابق إلى بغداد قبيل غزو الكويت. ولما كانت ظروف التوتر التي تمر بها فلسطين والدول المجاورة لها, بسبب انتفاضة الأقصى, وتورط إسرائيل في إعادة فتح الصراع مع لبنان مرة أخرى, ونجاح (حزب الله) في اختطاف عدد من الإسرائيليين (ثلاثة جنود وضابط برتبة عقيد) فإن زيارة خرازي لكل من بيروت ودمشق لم تثر علامات الاستفهام التي أثارتها زيارته إلى بغداد لاسيما بعد سنوات العداء الطويلة مع النظام العراقي وحالة (اللاسلم) و(اللاحرب) التي ميزت العلاقات بينهما خلال العقد الماضي. مزيج متناقض كما أن الفترة الأخيرة القصيرة التي سبقت تلك الزيارة شهدت مزيجاً متناقضاً من مظاهر التوتر والانفراج, يمكن إيجازها كالتالي: * في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر الماضي كشف علي يونس وزير الاستخبارات الإيراني عن (شبكة إرهابية ضخمة تابعة لحزب البعث العراقي) كانت تخطط لعمليات تفجير واسعة واغتيال شخصيات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى وزعماء المعارضة العراقيين في إيران. * في التاسع والعشرين من نفس الشهر التقى الرئيس الإيراني محمد خاتمي نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان على هامش أعمال قمة الأوبك في فنزويلا بناء على رغبة الأخير, حيث اتفقا على تحسين العلاقات والعمل على سرعة إزالة نقاط الخلاف. * في نفس اليوم شن الرئيس الإيراني السابق هاشمي رافسنجاني هجوماً عنيفاً على العراق, مستعرضاً فصول الحرب بين البلدين ومطالباً بتعويضات لقاء الخسائر الإيرانية في حرب الثماني سنوات. كما تقدمت إيران في هذا اليوم أيضاً بشكوى ضد العراق لدى الأمين العام للأمم المتحدة, احتجاجاً على (إيواء إرهابيي منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة على الأراضي العراقية). * توجه أحمد مرتضى وزير النقل العراقي في الثلاثين من سبتمبر (بعد يوم واحد) (لتعزيز العلاقات وزيادة التبادل التجاري والصناعي بين العراق وإيران) بعد توجيه دعوة له لحضور معرض طهران الدولي للتجارة. وقد أعلن مرتضى أثناء تواجده في طهران أن بغداد مستعدة لـ(إقامة سلام كامل وحقيقي مع إيران). * وفي الثالث عشر من أكتوبر الجاري توجه وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي إلى بغداد للقاء الرئيس العراقي صدام حسين لتناول كافة القضايا العالقة بين البلدين. وقد أعلنت إيران عن خمس نقاط تمثل الأهداف الرئيسية لزيارة خرازي لبغداد, وهي: * مطالبة الجانب العراقي بتطبيق جميع التزاماته وفقاً لاتفاقية الجزائر مقابل التزام إيران بتطبيق تعهداتها وفقاً للاتفاقية نفسها. * مطالبة العراق بإيقاف كافة أنشطة جماعة (مجاهدي خلق) المسلحة ومنع تسلل عناصرها إلى داخل الأراضي الإيرانية, مع اقتراح إيراني بإنشاء شريط بعمق عشرة كيلو مترات على الحدود يكون التردد فيه مسموحاً فقط للعسكريين ورجال الأمن والمأذون لهم من سكان البلدين, بحيث يتم تشكيل دوريات أمنية مشتركة لمراقبة المنطقة الأمنية. * السماح بزيارة لجنة لتقصي الحقائق حول الأسرى والمفقودين في كل من البلدين للقيام بإجراء تحقيق مباشر مع الأسرى الذين يدعي كل من العراق وإيران بأنهم لا يرغبون في العودة إلى وطنهم أو أنهم التحقوا بصفوف (مجاهدي خلق) في العراق ــ من الأسرى الإيرانيين ــ أو بفيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في إيران ــ من الأسرى العراقيين. * استئناف الإيرانيين زيارة العتاب المقدسة التي بدأت قبل سنوات باتفاق بين مسئولي منظمة الحج والزيارة الإيرانية والجهات العراقية المعنية. * مناقشة قضايا جانبية مثل التبادل التجاري وإقامة المعارض, وموضوع بعض علماء الدين الشيعة من ذوي الأصول الإيرانية المسجونين في العراق. هدف غير معلن إلى جانب هذه الأهداف المعلنة, يؤكد المحللون أن زيارة خرازي اشتملت على بند هام جداً بالنسبة للطرفين العراقي والإيراني ولكنه غير معلن, ويتمثل في عقد (مقايضة), يخطو بموجبها التيار الإصلاحي خطوة كبيرة في صراعه مع المحافظين, وذلك أن التيار الإصلاحي الذي يقوده الرئيس خاتمي ويفترض أن يمثله خرازي أكثر من المتشددين, يسلك طريق تطبيع العلاقات مع الدول التي تمتلك حدوداً مشتركة مع إيران, من أفغانستان حتى العراق مروراً بتركيا وأذربيجان وأرمينيا, حيث يرى أنصار خاتمي أن أي صراع حدودي يفيد التيار المتشدد, حتى لو كان الأمر يتعلق بتعاون ضمني مع الغرب والأمريكيين ضد النظام العراقي أو الأفغاني. إلى جانب أن التفاهم العراقي ــ الإيراني الجديد يخدم السياسة الإيرانية العامة, سواء لجهة تعزيز المعسكر الذي لا يسير في ركاب السياسة الغربية من جهة, أو لصالح تحصيل المزيد من الأوراق للتفاوض مع الأمريكيين في المستقبل, فضلاً عن الإشارة التي يرسلها توقيت الزيارة المتزامن مع الانتفاضة الفلسطينية, بأن إيران على استعداد للتنسيق مع أي دولة لاتخاذ موقف موحد ضد إسرائيل, بعد أن دعت طهران صراحة الدول العربية التي لها علاقات معها, إلى قطع تلك العلاقات سياسياً واقتصادياً. وقد كتبت صحيفة إيران الحكومية أن (هذه الزيارة تشكل فرصة ذهبية لكسر الجليد بين البلدين ورسم مستقبل أفضل) مرحبة بـ(التقارب بين القوتين السياسيتين الإقليميتين) باعتباره أمر ضروري لمواجهة (الغطرسة الإسرائيلية). وبطبيعة الحال فإن العراق لم يكن له إلا أن يرحب بهذه الزيارة وهو الذي يسعى منذ فترة لكسر الحظر الدولي عليه, ولاشك في أن الاتفاق مع جار مثل إيران يصب تماماً في صلب تلك المساعي. إلى جانب أن احتمالات اكتساح التيار الإصلاحي للسلطة في طهران, كان قد أقلق النظام العراقي في الفترة الأخيرة, نظراً لأن ذلك من شأنه تبديد مخاوف الولايات المتحدة والغرب من فتح ملف إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين جدياً, لأن خطر قيام حكم شيعي في العراق سيتراجع بنسبة كبيرة, ولذلك نشط (مجاهدي خلق) ــ حلفاء بغداد ـ في هذه الفترة في قصف أهداف داخل طهران في محاولة لجر الجانب الإيراني إلى اتفاق مسبق يمنع انعكاس أي تفاهم إيراني ـ غربي على العراق. ولعل ذلك أيضاً هو الهدف من ردود الإيرانيين بهجمات مماثلة كلما شعروا أن هناك إمكانية لدى العراق لكسر الحصار حوله دون تفاهم غربي أو عراقي معهم. وفي إطار الروافد الثلاثة السابقة الإشارة إليهم يمكن كذلك قراءة زيارة خرازي لكل من سوريا ثم لبنان. إذ لاشك في أن إيران استطاعت استغلال ظروف الانتفاضة الفلسطينية بشكل ناجح. وتضاعف ذلك النجاح مع قيام (حزب الله) بأسر الإسرائيليين الأربعة, لتدخل طهران على خط المساعي الدولية للتهدئة في المنطقة والجهود الدولية لعملية تبادل الجنود الثلاثة والضابط الإسرائيلي مع أسرى لبنانيين وعرب في السجون الإسرائيلية, وبرضاء ــ بل وبدعوة من ـ الولايات المتحدة نفسها التي حثت فرنسا وأسبانيا وألمانيا للتوسط لدى طهران لكي تتوسط بدورها لدى حزب الله لتهدئة الأوضاع ومنع تفجر الموقف وإطلاق الأسرى الإسرائيليين. وهو الأمر الذي يعتبر اعترافاً ضمنياً بالنفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط من الدولة الأعظم. واللافت أن إيران لم تفوت فرصة استغلال هذا الاعتراف, وشرعت من ثم في تضمين شرط الإفراج عن أربعة دبلوماسيين إيرانيين فقدوا عام1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان, وتقول إيران أنهم أحياء ومعتقلون لدى إسرائيل, كعنصر أساسي في الضفة المحتلة للتبادل. وهو ما أيده حزب الله على الفور. ويعلق محللون ودبلوماسيون على هذه الخطوة من جانب إيران بأنها شاءت (التذكير بمكانتها كشريك لا يمكن الالتفاف حوله في المنطقة) مؤكدين أن إيران التي تترأس منظمة المؤتمر الإسلامي تعتزم الإفادة من هذا الموقع للم ورص الصفوف خلفها باسم التضامن الإسلامي. وفي نفس الإطار أكد خبير سياسي إيراني أن (إيران وهي بلد غير عربي مبعدة عن أية مفاوضات رسمية, تغتنم أي فرصة متاحة للتحدث باسم جميع المسلمين. والأزمات الحالية تعزز وزنها). الآثار المترتبة على التحركات الإيرانية بالنسبة لدول الخليج: انعكاسات بطبيعة الحال, تحمل هذه التحركات الإيرانية الدؤوبة , وكذلك التقارب المحتمل بين طهران وبغداد, انعكاسات كثيرة على دول الجوار, وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي: * فمن جانب يعد التقارب العراقي ــ الإيراني ضربة قوية للحظر المفروض على العراق, وكذلك للعزلة الدولية التي يعاني منها النظام الحاكم في بغداد, قد تدفع باتجاه إعادة تأهيله دولياً مرة أخرى, وخصوصاً أن إيران بالفعل احدى الدول التي لاتزال تصنفها الولايات المتحدة على أنها من الدول المنبوذة, وبالتالي لن يضرها كثيراً اختراق الحظر الدولي, فضلاً عن أنها ستسهل كثيراً على النظام العراقي تهريب كميات أكبر من النفط للاستفادة من فورة الأسعار في الوقت الحالي, في تحقيق عوائد إضافية تساعده على إعادة بناء ترسانته العسكرية مرة أخرى في غياب لجان التفتيش وانشغال العالم بمتابعة التوتر في عملية السلام بين إسرائيل والعرب, ويعزز من هذه الفرضية الأخيرة أن اتفاقاً يجري بين بغداد وطهران من شأنه حتماً أن يتضمن إنهاء تواجد المعارضة المسلحة في كل من البلدين الموجهة ضد الآخر, أو على الأقل تجميد نشاطاتها العسكرية, وهو يعني بالنسبة للطرف العراقي التخلص من هجمات تنظيم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) أكثر فصائل المعارضة العراقية تأثيراً, وبالتالي يتفرغ النظام العراقي لموضوعات التسلح والعودة مجدداً إلى المسرح الإقليمي. * ومن جهة أخرى, تعتبر معالجة ملف الأسرى الإيرانيين لدى العراق فرصة جيدة أمام الكويت لفتح ملف الأسرى الكويتيين لدى العراق, وقد تكشف معالجة الملف الأول عن معلومات أو جوانب جديدة بالنسبة للأسرى الكويتيين. فضلاً عن إمكانية استثمار العلاقات الكويتية ــ الإيرانية المتميزة في وساطة تقوم بها الأخيرة لدى النظام العراقي للإفراج عن أسرى الكويت. * وأخيراً, فإن دعم النفوذ الإيراني في الخليج ــ بالتقارب مع العراق ــ أو في محور الصراع العربي ــ الإسرائيلي, من شأنه أن يجعل طهران مرشحة لوضع الشريك في أي ترتيبات أمنية إقليمية مقبلة, سواء برضاء الولايات المتحدة وبريطانيا, أو دون إرادتهم. وهذه الأخيرة قد تدفع المنطقة بأسرها إلى مرحلة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار. الكويت ـ المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات