بيان الاربعاء ـ شخصية كاريزمية هلامية الأحلام قصيرة اليد, الرئيس الأمريكي يختاره الدستور والاستراتيجية الأمريكية قبل الناخبين

الغريب في السياسة الأمريكية أنها قادرة في كل مرة على ان تعرض مفرداتها بثياب مختلفة, والغريب فينا أننا ننخدع كل مرة بالألوان والعبارات الطنانة, فقد اعتدنا الطفو على السطح وهجرنا مهنة الغوص في الأعماق. وفي كل مرة تدق أجراس الانتخابات الرئاسية تقوم الدنيا للقادم الجديد, وترسمه وسائل الإعلام والآلة الدعائية الضخمة وتخلق له مشاكل يعالجها في برامجه المطروحة, مثلما تخلق له مناظرين, ومجادلين, والواقع ان الرئيس الأمريكي يرسمه الدستور الأمريكي بشكل واضح لا لبس فيه. بعد أيام قليلة يتزاحم الناخبون على الدوائر الانتخابية في دورة الانتخابات الأمريكية الرئاسية الحالية لينتخبوا آل جور نائب الرئيس الأمريكي الحالي كلينتون أو جورج بوش الابن حاكم ولاية تكساس. والانتخابات الأمريكية تتسم بصفات عدة, وفيها ثوابت لم يخرج عنها صراع انتخابي, فهي لا تغادر المقاييس التقليدية التي تنبني عليها الرأسمالية الأمريكية ولا تغادر مفهوم (المتسيد) الذي يشكل ثقافة الأمريكي والذي يتمركز حول الذات بشكل مفرط يدفع للقول بأن الرئيس الأمريكي ينبغي ان يكون ذا شخصية كاريزمية تشبع روح الناخب في القوة والسيادة على العالم. يضاف إلى ذلك ان من ثوابت الانتخابات الأمريكية دعم صورة (المتسيد) بتعزيز قوة الدفاع, وهم دائما يستخدمون مفردة الدفاع عن الولايات المتحدة لتبرير تطوير الأسلحة وتحديثها بل والوصول إلى درجة التفوق فيها. ولا ينسى البرنامج الانتخابي دغدغة مشاعر اليهود وهو ثابت ثبات حقيقة ان لليهود تأثيرا مباشرا فعالا في انتخابات الرئيس الجديد, على مدى عهود الرئاسة الأمريكية, ثم الالتفات للداخل ولو قليلا. صراعات الانتخابات الرئاسية تصنعها دوائر متخصصة تقود حملات, وفيها يباح كل شيء, البحث عن ماضي المرشح وحياته الشخصية, وتدخل فيها الحروب القذرة من (تلويث وتلطيخ واتهام) وفيها نجد ان المرشح ينزل إلى الشارع الأمريكي, ويكاد يستجدي أصواته: (انتخبوني) فأنا مرشحكم, منافسي ليس جديرا. وبعكس الناخب الأمريكي الذي تراجع عن الاهتمام بالانتخابات الرئاسية سوى ما يتم حشده من مؤيدين لهذا المرشح أو ذاك, نجد دول العالم تبدي اهتماما كبيرا بالقادم الجديد لكرسي البيت الأبيض, فهو يمثل لديها سياسة الدولة القادمة, هل ستكون جمهورية فيستعد لتطرفها أم ديمقراطية فيستعد لنمطها التقليدي المعروف. ولابد من الإشارة هنا إلى ان الانتخابات الأمريكية ومنذ زمن بعيد لم تخرج عن كونها صراعا بين حزبين أساسيين لمجلس شيوخها رغم وجود أحزاب أخرى هما الحزب الديمقراطي, الحزب الجمهوري, ومنها كان دائما يخرج رئيس الولايات المتحدة, فإما أن يكون ديمقراطيا وأما ان يكون جمهوريا. وبين الاثنين يتردد المجتمع الأمريكي تردد بندول الساعة يمينا أو يساراً, تحكمه دائما طموحات داخلية وخارجية وشعور بالغوغائية تعززها برامج المتسابقين على الانتخابات. ولقراءة الانتخابات الرئاسية الامريكية بوضوح ينبغي التطرق الى الثوابت الاستراتيجية الامريكية رغم تناوب الرؤساء واختلاف حركة السياسة الخارجية والتغيرات الجيوسياسية الحادثة في العالم, وهو امر ضروري يضاف اليه اهمية قراءة واقعها وطريقة تفكير شعبها لتتمكن من فهم ماذا يريد الامريكيون ومن يمثل حلمهم: هل هم الديمقراطيون ام الجمهوريون؟ استراتيجيات امريكا يأخذ الدفاع الامريكي اولويات السياسة الامريكية ويعد عرفا, وترى من خطاب الساسة الامريكيين ان امريكا قد حددت اعداءها فهم الذين: (يكرهون قيم امريكا ويغيظهم نجاحها, وهم الارهابيون, مرتكبو المجازر, جماعة المخدرات, وديكتاتوريو العالم الثالث غير الموازنين). ويشبه هاجس الدفاع عن امريكا نظرية الامن الاسرائيلية حتى يكاد يكون هو الهاجس نفسه تحمله الاجيال السابقه للاجيال اللاحقة, والدفاع هنا اذا ناقشه المرشح للرئاسة انما يعزف به على اوتار صانعي السياسة الامريكية واصحاب مصانع السلاح واصحاب الحلم الامريكي بالتفوق والسيادة على العالم. ونجد جورج بوش الابن المرشح الجمهوري للرئاسة يجسد مفردات هذا الهاجس بشكل واضح, تلك المفردات التي تشكل الارث الاستراتيجي لامريكا, فيقول في احد خطاباته: (يجب ان نحمي وطننا ووجودنا ضد الصواريخ والارهاب والابتزاز, يجب ان نحيي فضائل قوتنا العسكرية التي تشتت بواسطة تقليص مصادرها. ويبلغ هذا الهاجس ذروة شعوره بالعظمة, تلك التي تخاطب رغبة الامريكيين بالانفراد وسيادة العالم عندما يصل مستوى الخطاب الامريكي الى مستوى وجوب السيطرة على العالم بامتلاك التكنولوجيا, وهو ما يؤكده بوش مرة اخرى ويعده استراتيجيته فيقول: (يجب ان نتسيد ونسيطر على تكنولوجيا الحرب الجديدة لمد تأثيرنا السلمي, ليس فقط عبر العالم ولكن عبر السنين او الزمان ايضا). ذلك هو الحلم الامريكي منذ اول رئيس للولايات المتحدة حتى اللحظة الحالية وهي سياسة ترسخت في عقل المواطن الامريكي الباطن وصارت محورا يسكن لوعة المجتمع الامريكي الذي يعج بالامراض والمشاكل, مستنداتها: (يجب ان نكون امريكيين, يجب ان نعمم على العالم مثاليتنا, ان نلقنهم المبادىء الاساسية لحرية البشر وكرامتهم, ان يصبحوا قادرين على ان يقولوا ما يعتقدون , ان يعيدوا مايرغبون, ان ينتخبوا حكامهم, انها مثاليتنا التي نجحنا في ان توجد في كل الدول الواقعة شمال خط العرض 11 ذلك كان نموذجا من خطاب بوش الابن لناخبيه. السياسيون الامريكيون الذين يجلسون في موقف المراقب يعرفون تماما ان هناك امرا مناهضا لهذا الطرح لكنه لايلغيه, وذلك هو ان المثالية لا توازن المصالح, فاذا ماوضع هذا الطرح في كفة مقابلة للمصالح الامريكية فان الخيار سيكون فاشلا في الداخل, لذا فهم يصدرونه خارجا. ويمكن ان ننظر الى خطاب بوش الابن للشعب الامريكي الذي عكس طموحاته وبرنامجه السياسي: (لقد حاول احدهم ان يوقف الاختيار بين المثالية الامريكية والمصالح الامريكية, بين من نحمي وكيف نتصرف, لكن الخيار كان فاشلا, امريكا بالقرار والمصير انشأت حرية سياسية وحصدت الكثير عندما قدمت الديمقراطية للعالم, الامريكيون يؤمنون بالسوق الحرة والتجارة الحرة وبالمصالح, اكثر من ايمانهم بالمثالية الامريكية), فالمثالية الامريكية تنتج للتسويق. ومن ثوابت الاستراتيجية الامريكية السياسية الاقتصادية التي يصنعها اصحاب رؤوس الاموال بالدرجة الاولى, وهم وفق منهج ثابت يشاركون بالتبرعات المالية لصالح الحزبين الجمهوري والديمقراطي لتغطية نفقات معاركهما الانتخابية, وهم الذين يطلق عليهم المحللون (الناخبين الحقيقيين) وهم جزء من 5% يشكلون مجمل الناخبين الامريكيين في بلد يبلغ تعداد الذين يحق لهم التصويت 206 ملايين ناخب. والسياسة الاقتصادية تميل مرة باتجاه رأسمالية متشددة للغاية كما حدث في عهد ريجان وجورج بوش الاب وكلاهما جمهوري, او نحو الوسط كما فعل بيل كلينتون في فترتيه الرئاسيتين. والسياسة الاقتصادية تمثل عاملا حاسما في هذه الانتخابات مثل سواها بمقدار ما تتوفر امكانيات توظيف الشعارات والعناوين المطروحة في المعركة الانتخابية لكسب اصوات الناخبين, وهنا نجد ان الحزبين الجمهوري والديمقراطي لم يتمكنا من التشكيك بالسياسة الاقتصادية اذ ليس من مصلحتهما ذلك خاصة ان هذه السياسة اوصلت الوضع الاقتصادي الامريكي الى وضعه الراهن, وهو في مصلحة الطبقات الثرية والوسطى ماديا الى حد كبير. ومن ثوابت الاستراتيجية الامريكية انحيازها الى اسرائيل وهو يعد اهم ثوابتها الاستراتيجية, فهي تدعم اسرائيل وتقدم لها المعونات منذ انغرست هذه الدولة في جسد الشرق الاوسط, ونستدل على ذلك من ان برنامجي المرشحين اكدا بشكل ثابت ما سبق ان اكده السلف من كون اسرائيل مفتاحا اساسيا للامن القومي الامريكي, ولذا فان استراتيجية امريكا هي بجعل اسرائيل القوة المهيمنة في الشرق الاوسط سواء عسكريا او اقتصاديا, وبالمقابل فاننا نرى ان اسرائيل تمثل الحليف الاساسي لامريكا في المنطقة العربية, لتواجه بها اي تهديد للمصالح الامريكية. والمصالح الامريكية كما اشرنا هي من ثوابت الاستراتيجية الامريكية, بل تعد الاساس التي بنيت عليه هذه الاستراتيجية, ومن مصالحها دعم التحالف الاستراتيجي مع اسرائيل وتثبيت وضعها كقوة اقليمية عظمى في المنطقة وتعزيز الوجود الامريكي قرب مصادر البترول العربية, وهي استراتيجية لن يتنازل عنها اي رئيس امريكي مهما كان توجهه. شووفقا لهذه الثوابت, وهي على سبيل المثال لا الذكر, ترسم صورة الرئيس الامريكي الجديد وملامحه, فكيف يمكن الاستدلال على الرئيس الامريكي من ثوابت الاستراتيجية الامريكية ومن الدستور الامريكي؟ من هو الرئيس! الرئيس الامريكي ببساطة شديدة هو من يحقق هذا الحلم الامريكي او من يبقيه يانعا لتمر من تحته كل المشاريع الامريكية, وينبغي ان يحصل هذا الرئيس على رضا جماعات الانتخابات وهم بالطبع جلهم من الطبقات الثرية والوسطى وجماعات الضغط. ولكي نعرف من هو الرئيس, علينا ان نعرف بدءا الخلفية السياسية للولايات المتحدة الامريكية, علينا ان نفهم وعن كثب البنيات والعمليات الاساسية للحكومة الامريكية القومية وحكومات الولايات والحكومات المحلية. يقول ماكس سكيد مور, ومارشال كارتر وانك في كتابهما (كيف تحكم امريكا): (مع مقدم القرن العشرين صارت المدن الامريكية حواضر شكلت ابرز معالم المجتمع الامريكي, وما من شعب آخر في التاريخ اندفع بمثل هذه السرعة من الريف الى المدن). ويضيف الكاتبان: (ان المبادىء الاساسية لنظام الحكومة الامريكية هي المساواة وانه لاحكومة الا برضا المحكومين وحماية حقوق الاقليات). وهنا نجد ان خطابات المرشحين للرئاسة على مدى الزمن تتضمن في مفردات برامجها (ديمقراطية الانتخاب وحرية الرأي, وحماية حقوق الاقليات) التي لم تحظ بالحماية الكافية حتى اليوم. لكن ماديسون وجيفرسون وهما من المفكرين السياسيين الامريكيين يقولان: (ان البشر في اعتقادهم انانيون ومصلحيون, والخوف من الديمقراطية الجماهيرية, ومن ثم فان دور الحكومة في مفهومهم هو تقييد حب البشر للسلطة). ويرى ماديسون ان اصطلاح (الشعب) لم يكن في عرف واضعي الدستور الامريكي سوى اولئك المتعلمين من الذكور من ذوي الملكية, ثم يأتي فرانكلين فيعدل على ذلك, ويقول: (على الاقل الذكور من البيض). استند واضعو الدستور الامريكي الذي يمنح حقا شكليا فيما بعد للناخب الامريكي, على الافكار السياسية للفلاسفة الانجليز وبصفة خاصة جون لوك (1632 ــ 1704) وهكذا نجد ان الحرية والديمقراطية الامريكية ليستا صنيعة امريكية. زعم لوك ان البشر (لديهم القدرة على فهم واستيعاب القانون الاعلى او الطبيعي وهو القانون الذي يحدد اسس ومعايير السلوك الانساني ومنه تنبع الحقوق الطبيعية للافراد حق الحياة وحق الحرية وحق الملكية والتي لايجوز للدولة ان تنتهكها, ومن ثم فان مسئولية (حماية هذه الحقوق الطبيعية تقع على عاتق اولئك الذين يتولون مقاليد الحكم وبالتالي يصبح من حق الشعب الاطاحة بتلك الحكومات التي تنتهك هذه الحقوق) ـ (مقالتان عن الحكومة لجون لوك). ونرى جيفر سون قد استعار ذلك في اعلان الاستقلال, لكنه لم يرق له (حكم الشعب على الحاكم) فقال: (لضمان هذه الحقوق تقوم الحكومات بين الناس وتنبع سلطاتها العادلة من رضاء المحكومين ومن ثم يحق للشعب ان يغير او يطيح باي شكل من اشكال الحكومات, وهذا من شأنه ان يشكل تهديدا لهذه الحقوق). لكنه يعود فيستدرك: ان الامة التي تتوقع بان تكون جاهلة وحرة هي امة تحلم بالمستحيل, لذا فان الديمقراطية لا تتدعم الا من خلال مواطنين واعين ومثقفين), ويعود فيؤكد ان الناخبين يجب (ان يكونوا من المثقفين) ومن هنا بدأ مفهوم الاغلبية والاقلية بالظهور فتطور حتى صارت الاقلية هي التي تصدر القرار او تنتخب الرئيس. لقد وضع الدستور في النظام الامريكي قيودا محددة على الاغلبية, كما ان الحقوق الثلاثة التي اعطيت للمواطن (الحياة, الحرية, والملكية) كانت اقل من أن تشكل حقا للامريكي بتعيين حكومته, وقد انشغل الامريكيون بنهم الحياة الامريكية واستباحوا كل شيء تحت مفهوم قميء للحرية وامتلكوا ما استطاعوا وضع اليد عليه حتى ضرب بهم المثل في السلوك البربري والتوحشي. وعودة الى (من هو الرئيس؟) يشير ماكس سكيد ومارشال كارتر في (كيف تحكم امريكا) الى: (ان اول قيد على اي سلطة للرئيس هو شخصيته وقدراته), وهنا عليه ان يعرف تماما ويؤمن بان (الرئاسة الامبريالية نفسها وحجة الامن القومي التي ساندتها مازالتا مسيطرتين على السياسة الامريكية ــ ص 185), وليس متوقعا ان يتغير دور الرئيس في نظام الالفية الثالثة في الاقل, بل انه سيتعزز بعدما امتلكت امريكا القدرة على السيطرة على العالم. ويمر الكاتبان على الديمقراطية التي هي اساس الانتخابات فيقولان: (الديمقراطية من اكثر المفاهيم روغانا في تاريخ السياسة الامريكية, ففي الوثائق الرسمية التي واكبت مولد هذه الامة لاتظهر كلمة الديمقراطية بل استخدم المؤسسون لفظ (الجمهورية) بمعنى الشيء العام او الجماهيري, او لعله المجتمع الذي يحكم في اطار وبهدف الصالح العام ولكنه لا يعني بوضوح حكومة الشعب, وبعد بضع سنوات حدث تفجر للشعور الديمقراطي في عهد اندرو جاكسون ومنذ ذلك الحين صارت الديمقراطية شائعة الاستعمال بصورة بيانية رغم كثرة التشكك بشأنها). ومن ضمن الملامح التي ترسم وجه الرئيس السياسة الخارجية, ففي دستور امريكا يكون الرئيس هو المهندس المعماري للسياسة الخارجية الامريكية يعاونه وزير الخارجية ووزير الدفاع ومساعد لشئون الامن القومي, ومجلس الامن ورؤساء اركان حرب القوات المشتركة ومدير وكالات الاستخبارات المختلفة مثل وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الامن القومي ومن هنا يمكن قراءة من هو المطلوب لكرسي البيت الابيض. ومن صفات الرئيس بشكل مختصر: ان تكون لديه القدرة على الاقناع, لديه سمعة مهنية, يمتلك هيبة عامة, قوي في اتخاذ القرار حتى لو كان ضد ارادة الكونجرس والدستور, ولا يمكن اغفال ان هذه الصفات يجب ان تنطبق على المرشح الذي سيصبح رئيسا قبل انتخابه لابعد ذلك, فعندما يعتلي صهوة البيت الابيض (لن يدير من شئون الولايات سوى ما يرسمه له الاداريون والسلطات التنفيذية), فهو ـ اي الرئيس (لن يكون اكثر من موظف عالى المنصب في البيت الابيض) وفق سكيد وكارتر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات