المكانة العالمية للإمارات ، زايد... السياسة المتوازنة في رؤية الواقع والمستقبل

رغم الحداثة الزمنية لدولة الامارات العربية المتحدة, والتي بطبيعة الحال تتماشى مع حداثة المؤسسات المتنوعة التي تواجدت في ظل الاتحاد الا أن هذه الحداثة لم تقف على الزمان وحده بل انتقلت الى الشكل الاكثر فاعلية وهو الحداثة من خلال التحديث بكل اشكاله وانواعه, ولعل هذا التوجه لم يكن جديدا بل جاء من خلال مقدمات فكرية تجلت بشكل واضح في مرحلة الخمسينيات والستينيات, حيث ارتسمت الخطوط المختلفة لابناء الامارات في بلورة الانتماء العربي وانتقاله بعد ذلك الى الانتماء القومي وارساء محدداته وأسسه الداعية قبل كل شيء الى الوحدة المتجلية فعلا وقولا بما قام به صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة حين أكد: (اننا نؤمن بالوحدة وطنيا وخليجيا وعربيا واسلاميا وايماني لا يتزعزع ولا يتطرق اليه الشك وذلك بما نملك من عناصر الوحدة والقوة المتمثلة في وحدة المصير ووحدة الهدف ووحدة اللغة والتراث المشترك والدين. التفرد في التجربة جاء الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971 بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ومن بعده صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي واخوانهم اصحاب السمو حكام الامارات وباعلان دولة الامارات العربية المتحدة اتضح شكلا جديدا من اشكال الوحدة لم تعهده المنطقة من قبل فهو متفرد في الوطن العربي وحتى في محيطه اذ ان العالم يضم تسع عشرة دولة فيدرالية من بينها الامارات العربية المتحدة وفي تشكيلها الوحدة الجغرافية والاتصال المباشر جغرافيا وسكانيا فدولة الامارات واحدة من 15 دولة في هذا الخط السياسي الذي تفرد عن كل الاشكال الاتحادية بنمطية الأداء والفعل حيث لم يكن هناك اية ضغوطات سياسية ضد احد لاجباره على الوحدة وتجلى ذلك بقول صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: (يتهمني الناس بأنني وحدوي وهذه تهمة لا انفيها.. طبعا انا وحدوي ولكنني لا افرض هذه الوحدة على احد قط) . من هنا نلاحظ ان هذا الشكل الوحدوي اخذ تميزه من خلال فكر الشيخ زايد لايجاد معادل موضوعي يجتمع عليه كل من يرغب في الوحدة باعتبارها جزءا مهما من تركيب الامة العربية التي طالما نادى بها مؤكدا انها السبيل الوحيد للوقوف في وجه جميع اشكال وطروحات العولمة التي لن تميز الا القوي ومن هنا ايضا جاءت مبادرة سموه مع قادة دول الخليج العربي لاعلان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربي في 25 مايو 1981 ومن مدينة ابوظبي. وهذه التجارب التي استطاعت الصمود نتيجة للحكمة والتعقل لابد لها ان تفرد معطيات جديدة شكلها نهضوي وتجربتها غنية رغم صغر سنها فقد استطاعت الامارات ان تحقق نهضة كبيرة يشهد لها العالم اجمع وهذه النهضة لم تكن ضيقة الحدود وعفوبة الحدث بقدر ما اعتمدت على التخطيط للنهوض بالانسان واحترام مكانته وانسانيته ومن خلال التقارير العالمية نجد اشكال هذه النهضة وصورها الواضحة كدلالة على الفهم العميق لسياسة تحديث الواقع التي اتبعها الشيخ زايد, فقد احتلت الامارات العربية المتحدة مرتبة متقدمة بشكل واضح في التقرير السنوي للصندوق العالمي للسكان التابع للامم المتحدة ففي تقرير عام 1999 كانت المعايير التي تتبع في مقاييس الدول المقتدمة متطورة جدا فجاءت في المرتبة 43 ضمن مجموعة التنمية المتقدمة التي تضم الشريحة البشرية العالمية والمؤشرات تدلل على ذلك فمعدل وفيات الرضع 16 لكل ألف والعمر يصل الى معدل 73.9 سنة للذكور و76.5سنة للاناث وبالطبع فدخل الفرد في الامارات من الدخول الاولى في العالم والاهتمام في التعليم والتحصيل العلمي مؤشر مهم على التنمية برز بشكل واضح في التقرير اضافة الى ذلك الاهتمام الكبير في الصحة العامة مما خلق اجواء انسانية مريحة لشعب الامارات وانعكست بشكل كبير على الاداء الفردي والجماعي في الامارات وعلى الانجازات التي تحققت في ظل الرؤية الرشيدة والصائبة لصاحب السمو الشيخ زايد حين قال معبرا عن التطور الذي حققته الامارات (لقد صبرنا رغم العقبات, ولكن اليوم انجزنا للشعب كل ما تطلع اليه من آمال, طموحات ويعود الفضل في انجاز هذه النهضة الى اتفاق حكام الامارات على بناء الاتحاد ومن ثم الترابط والتلاحم بين القيادة المخلصة والشعب الوفي مما كان له الاثر البالغ في تضافر الجهود وتوحيدها وتسخير الامكانيات وتوظيفها لبناء تقدم الوطن وازدهاره وتحقيق رخاء المواطنين ورفاهيتهم) . ولعله من المفيد ان نشير الى ان دولة الامارات لم تحقق نموها المتوقع بفضل النفط فقط بل تجاوزت ذلك من خلال التجارة والصناعة والخدمات فناتجها المحلي من النفط لم يتجاوز 40% من الناتج الكلي. وهذه النهضة بكل اشكالها استطاعت ان تجعل من الامارات مركزا تجاريا عالميا تميز عن مجمل المراكز حتى العالمية منها مما دفع البنك وصندوق النقد الدولي لعقد الاجتماع المشترك المقرر عام 2003 في مدينة دبي وهذا الاجتماع الذي يعقد لأول مرة في الشرق الاوسط يعتبر مؤشرا عالميا للاستقرار السياسي يأخذ اهميته من المكانة العالمية للامارات. مكانة الكبار تميز فكر صاحب السمو الشيخ زايد بمعطيات متنوعة اساسها التوازن سواء على المستوى الداخلي او على المستوى الخارجي واساس هذه المعطيات هو الحق والعدالة كما تجلى بقول سموه: (يجب علينا كحكام مسئولين عن الشعوب ان نتعامل مع بعضنا بعضا على اساس من التسامح والرحمة والحوار وليس بالمواجهة والحروب والدمار, وعلى الدول الصغيرة مسئولية برغم صغر حجمها على الخريطة ان تقوم بما تستطيع لاسماع صوت الحق والعدالة لابعد مدى حتى لو اختلفت في ذلك مع القوى الكبرى) . من خلال ذلك حدد سموه اشكال السياسة الخارجية التي اتبعتها الامارات العربية المتحدة وكانت اهم النقاط البارزة في السياسة المتبعة تنبع من فهم عربي قومي باعتبار ان الامارات جزء من الوطن العربي الكبير تربطه روابط الدين واللغة والتاريخ والمصير المشترك, فبرزت بذلك صورة المبادىء جلية وواضحة اولها ربط وتدعيم الاتحاد والحفاظ على امنه وسلامته داخليا وخارجيا وثانيها السعي للاستقرار في منطقة الخليج العربي والدول العربية وحتى في المحيط العربي. والمشاركة الفعالة في السياسة الدولية كما رأينا في كوسوفو حيث قدمت القوات المسلحة الاماراتية دعمها الواضح والعملي في تنفيذ قرارات الامم المتحدة ضمن قواتها الخاصة كذلك جاءت مساعدات الهلال الاحمر والجمعيات الخيرية ضمن هذا التوجه الذي اقره صاحب السمو الشيخ زايد. فكانت الامارات صاحبة الجهد الاكبر في تقديم المساعدات الطبية والانسانية والغذائية والمساعدة في عودة اللاجئين واستقرارهم في كوسوفو اضافة الى المشاريع الانمائية والحيوية والمساهمة في اعادة البناء وخاصة المدارس والطرق والمستشفيات . وهذا الشأن رأيناه ايضا في البوسنة والهرسك. ولعل الحكمة التي اتخذها صاحب السمو الشيخ زايد تبرز بشكل واضح من خلال تعامله مع مشكلة الجزر الاماراتية الثلاث وموقفه الذي يدعو الى الحوار مع ايران لحل المسألة سلميا وبالمقابل واذا كان هذا الشأن يخص الامارات بشكل مباشر فإن الدعوات المستمرة لازالة اسلحة الدمار الشامل تتوضح في السياسة الاماراتية كماتتوضح في الدعوة الى الحل السلمي بين الهند وباكستان وعدم اللجوء الى الحروب لحل هذه الخلافات. وهذه الحالة هي حالة جوهرية شاملة من خلال مساندة الامارات للدول العربية في حل مشاكلها التي ابتدأت منذ النشأة واستمرت مرورا بقرار حظر النفط عن الدول المساندة لاسرائيل في حرب اكتوبر 1973 ومساعدة الشعب العراقي والدعوة الى فتح باب الحوار والتسامح بعد حرب الخليج الثانية اضافة الى المساعدة الكبيرة للشعب الفلسطيني ووقوف الامارات مع حقوقه المشروعة والتمسك دائما بعروبة القدس. وهذا التبلور السياسي الواضح لدول الامارات نابع بالتأكيد من الفكر الوحدوي الذي يحمله صاحب السمو الشيخ زايد والذي يدعو اليه باستمرار كي يتبقى الوطن العربي سالما من الغزو الحديث الذي يحيطه وينتظر الفرصة لتحقيق ذلك في حين ان الامارات تعمل بكل جهدها لتوحيد الصف العربي من قناعة قومية طالما رأيناها في فكر صاحب السمو الشيخ زايد. بقلم: محمد احمد يوسف ، كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق

تعليقات

تعليقات