علم نفس المخابرات 9 ، تأليف: عمر هارون الخليفة

ت + ت - الحجم الطبيعي

عشرون عميلا للموساد ينشطون في السودان لاطلاق عملية موسى ، الاعداد لنقل الفلاشا بدأ باجتماع شارون ونميري في كينيا لعلنا نتساءل ما هي دوافع الاهتمام الإسرائيلي بالسودان؟ ربما تتعلق الإجابة بموضوع وصول الحركة الإسلامية للحكم في السودان, وموضوع مياه النيل, والتبادل التجاري. وبوسعنا التساؤل كذلك هل هناك أي اهتمام سوداني بخصوص إسرائيل؟ وماذا إذا تم وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي وتم الانسحاب من هضبة الجولان ومن جنوب لبنان وتم إعلان دولة فلسطين كما تمت ترتيبات أمنية بين إسرائيل وجيرانها للتعايش وحسن الجوار. هل يا ترى تستمر عملية الرفض والمعارضة كما في لاءات الخرطوم الثلاث في مؤتمر القمة العربي الشهير في سبتمبر 1967أم يفكر السودان بصورة براجماتية ترتبط بمصالحه مع إسرائيل؟ وهل حينها ستكون هناك محاولة لتطبيع العلاقات التي ربما تبدأ في السر وبعدها في الجهر؟ وتبعا لتلك المجريات هل كان تفكير حزب الأمة في اتصالاته مع بعض الأطراف الإسرائيلية صائبا ومتنبأ بمستقبل العلاقات مع إسرائيل؟ وهل تعكس عملية تهجير أو تهريب اليهود الفلاشا من السودان أي نوع من التفكير البراجماتي المصلحي في العلاقات السودانية الإسرائيلية؟ أم هي مسألة عابرة مقارنة مع موقف السودان الرسمي والشعبي من حروب فلسطين؟ عملية موسى هناك عدة مصادر عن (عملية موسى) الخاصة بتهجير اليهود الفلاشا من السودان منها على سبيل المثال لا الحصر (استروفسكي وهوي, 1990؛ بلاك وموريس, 1992؛ برافيت, 1985؛ شارون, 1989؛ كرداوي, 1991), وعموما كان هناك تعاون سري بين السي آي ايه والموساد وجهاز أمن الدولة السوداني في الموافقة على عملية التهجير الكبيرة للفلاشا من السودان. ويرتبط جزء كبير مستور من عمليات التهجير بشعار الموساد الدائم (عن طريق الخداع) عبر تضليل السلطات السودانية. وقع بيجن وأنور السادات اتفاق السلام في عام 1979 المشهور باتفاق (كامب ديفيد) واقنع بيجن السادات بأن يكلم الرئيس نميري بشأن السماح للفلاشا بالطيران من معسكر للاجئين في السودان إلى إسرائيل. وعموما كان السادات ناجحا في مدخله للرئيس نميري كما كان النميري نفسه متعاونا وتعين على جهاز أمن الدولة السوداني أن يغض الطرف عن هذه العملية. يذكر ارييل شارون في مذكراته أنه كان مهتما بتطوير سياسة خارجية في أفريقيا بعد زيارته للولايات المتحدة بغرض اجتماع سري مع الرئيس السوداني جعفر النميري لمناقشة قضايا استراتيجية في القارة الأفريقية. ولقد تم تنظيم الاجتماع بواسطة ياكوف نمرودي وهو صديق لشارون والذي كان يعمل لفترة طويلة في المخابرات الإسرائيلية ومن بعد أصبح رجل أعمال عالميا. وكان الحلم الذي يراود نمرودي هو استخدام التعاون الاقتصادي لايجاد مصالح مشتركة بين إسرائيل والدول العربية والذي ربما يقود بدوره لعملية السلام. وتم الاجتماع بالفعل بين شارون والرئيس نميري في كينيا في حضرة كل من نمرودي وعدنان خاشقجي. ومن بين المسائل الموجودة في أجندة النقاش بعض قضايا السياسة في أفريقيا, والنظام الماركسي في أثيوبيا, والمشكلات بين ليبيا وتشاد, ومن المشروعات التي طرحها خاشقجي تدريب بعض القوات الإيرانية التابعة لإبن شاه إيران في السودان. كما اقنع شارون الرئيس نميري بالاهتمام بموضوع اللاجئين من اليهود الفلاشا. ومنذ تلك الفترة بدأ الإعداد لعملية سرية ومعقدة ترتبط بتهجير هؤلاء الفلاشا لإسرائيل. ويؤكد استروفسكي وهوي أنه بحلول عام 1984 اصبح الموقف خطيرا بسبب الجفاف والمجاعة في أثيوبيا وتبعا لذلك تسللت مجموعات كبيرة للسودان. وفي سبتمبر 1984 قابل اسحاق شامير نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي في واشنطن وطلب من الأمريكيين أن يستخدموا نفوذهم لدى مصر ودول عربية أخرى لإقناع النميري بالسماح بعمليات إنقاذ على أساس أنها عمليات إغاثة دولية. وكان ذلك فرصة للتخلص من مجموعة من اللاجئين الأثيوبيين خاصة مع ظروف الجفاف والحرب الأهلية في جنوب السودان. واشترط السودانيون والأثيوبيون السرية المطلقة في تنفيذ هذه العملية. وفي ذروة عملية الفلاشا كان هناك عشرون عميلا للموساد يعملون داخل السودان. وكانت هناك شائعات قوية في بداية الثمانينات بأن الرجل الثاني في الموساد قد زار السودان وذلك لتأسيس علاقة مع عناصر بجهاز الأمن القومي السوداني. وفي الفترة نفسها ادعى أحد عملاء الموساد بأنه يعمل في منظمات الإغاثة جاء لمكتب مفوضية اللاجئين في الخرطوم حيث ذكر أن لديه مجموعة من العمال في معسكرات اللاجئين حول القضارف. وذكر بأن ذلك عبئا على الحكومة السودانية وفي إمكانه أن يخفف ذلك العبء. ولقد أوضح للمسؤولين السودانيين في المفوضية بأن لديه 400 عقد عمل بالنسبة لهم في نيروبي بكينيا. وبعد مغادرته مكتب اللاجئين تم التأكد من أنه لم يكن عضوا في أي منظمة إغاثية. وقام عميل الموساد بالاتصال بالمندوب السامي لشئون اللاجئين وأشارت بعض المصادر إلى أن بعض المسئولين في مكتب المندوب السامي خاصة أولئك الموجودين في القضارف ليس لديهم مانع في التعاون. ولقد قام النميري بتغيير بعض المسئولين في المعسكرات التي بها الفلاشا وأحل محلهم مجموعة أخرى يعتمد عليهم. ولقد جرت كل العمليات بإقناع جهاز الأمن السوداني. ولقد ساعد المكتب في تهجير مجموعات صغيرة من الفلاشا منذ عدة سنوات. وكان رئيس المكتب أثناء تلك الفترة هو إبراهيم سعيدي من مصر والذي كان متحمسا لاتفاقية كامب ديفيد. وكانت هناك إشاعة قوية بارتباطه بتسهيل عملية تهجير الفلاشا. عملية سبأ لقد رأينا كيف يتدرب المرشحون الجدد في الموساد على كيفية تجنيد العملاء في المخابرات الإسرائيلية. ويراعي هؤلاء الناحية السيكولوجية المتعلقة بنقاط الضعف في الشخص الذي يراد تجنيده أو ابتزازه أو تحييده أو معاونته. وهناك صنانير رئيسة للتجنيد من بينها المال. لذلك هناك حاجة للمال في السودان لشراء جوازات السفر للفلاشا, ولرشوة المسؤولين لمنح تأشيرات الخروج, ولابتعاد الوحدات العسكرية من المناطق الحساسة. ولكن أهم من ذلك هناك حاجة للمال لاقناع ضباط ومسؤولي الأمن لغض الطرف عما يجري. ولا تشكل عملية سيولة المال للسودان أي مشكلة بالنسبة لترحيل الفلاشا. هناك عدد من رجال الأعمال اليهود الأوربيين والأمريكيين من لهم مصالح في السودان ولهم تعاطف مع عملية تهجير الفلاشا. ولقد جاء المال مباشرة من ميزانية الموساد. وبين عام 1981 وصيف 1984 لقد تم صرف ملايين الدولارات في السودان لتسهيل عملية مرور الفلاشا من معسكرات اللاجئين بالقرب من القضارف إلى الخرطوم ومن هناك الطيران لمناطق مختلفة ومنها إلى إسرائيل. ولقد كانت تكاليف عملية تهجير الفلاشا كبيرة. إذ تم جمع 300 مليون دولار لترحيل 8000 فرد ويشكل ذلك المبلغ عشرة أضعاف المبلغ المحدد من قبل الأمم المتحدة بالنسبة لإعاشة 600000 من اللاجئين الأثيوبيين في شرق السودان في عام 1985. وكان المبلغ المحدد لتهريب اليهودي الواحد من الفلاشا يساوي 10 ألف دولار ومبلغ إعادة التوطين في إسرائيل يساوي 25 ألف دولار. وكان جملة المبلغ المدفوع للحكومة السودانية حوالي 56 مليون دولار ولم يتضمن ذلك مبلغ 15 مليون بالنسبة لـ (عملية سبأ) . وبالإضافة لتكاليف الترحيل, استخدم جزء كبير من المبلغ كرشاوى. بالإضافة لـ (عملية موسى) التي نظمتها الموساد لتهجير الفلاشا كانت هناك (عملية سبأ) التي نظمتها السي آي ايه والقوات الجوية الأمريكية لنقل الفلاشا من معسكر تواوا بالقرب من القضارف. يتمثل دور عملاء الموساد من التأكد من أن الفلاشا في حالة من الانتظار في معسكر تواوا وتهيئهم للمغادرة والتأكد كذلك من أنهم فلاشا. ولقد تم أخذ 481 من الفلاشا في ليلة 28 مارس 1985 من معسكر تواوا إلى 8 أميال شمال القضارف. وكانت هناك 6 من طائرات القوات الجوية الأمريكية التي طارت من قاعدة أمريكية بالقرب من فرانكفورت. ولقد تم طلاء هذه الطائرات بلون الصحراء وذلك بغرض التمويه وعدم رؤيتها. ويذكر ذلك بما هو معروف عن دور علماء النفس الكبير في الاتحاد السوفيتي بحماية مباني ليننجراد العالية والمهمة من خلال عملية تمويه المباني. ولقد أخرت الرياح الشديدة العملية حتى الساعة التاسعة مساء. ولقد طارت الطائرات مباشرة من القضارف إلى قاعدة جوية إسرائيلية في ريمون في صحراء النجف. مع العلم بأن الاتفاق مع الرئيس نميري كان يمنع القيام بسفريات مباشرة بين السودان وإسرائيل. عموما لقد كانت (عملية سبأ) محكمة في تخطيطها وتنفيذها والتي تمت في سرية تامة. ولقد اندهش رجال الإغاثة في الخرطوم بعدم استمرارية عملية تهجير الفلاشا من مطار الخرطوم. ولقد ذكر أحد الدبلوماسيين في صحيفة (التايمز) أنه لم يسمع أي همس لهذه العملية. ولقد بدأت العملية بتهجير مجموعات صغيرة من الفلاشا في الفترة بين 1979-1982 ومجموعات كبيرة في الفترة بين 1983-1985. وفي الفترة بين نوفمبر 1984 ويناير 1985 بقيت العملية سرية. وخلال الأسبوع الأول من يناير 1985 أمر جورج بوش الذي كان نائبا للرئيس الأمريكي طائرات هركيوليز بالطيران إلى الخرطوم, بعد الحصول على موافقة النميري, حيث التقطت 500 من الفلاشا وطارت بهم مباشرة إلى إسرائيل. وقد ورد هذا الجزء من العملية في العديد من الكتب وروايات الصحف. وقد بقى الأمر سرا إلى أن أخبر يهودا دومينتر, وهو مسؤول كبير في الوكالة اليهودية المتحدة, محررا في صحيفة (ناكودا) وهي صحيفة صغيرة خاصة بالمستوطنين اليهود في الضفة الغربية بأن عملية الإنقاذ مستمرة. ولم ينه تلك العملية التي كان يتحدث عنها فحسب, بل والعملية السرية التي نظمتها الموساد على شواطئ البحر الأحمر. وبعدها تم التفكير والتخطيط في القسم المتخصص في العمليات السرية لإنقاذ اليهود من خلف خطوط الأعداء بتنفيذ العملية المشهورة والتي سميت (عملية سبأ) . وتم جمع معلومات مفصلة عن السودان وتطورت فكرة مضللة للمسؤولين في السودان وهي إقامة نادي للغطس في البحر الأحمر. لقد تابعنا اختيار وتدريب الجواسيس ضرورة تعلم أساليب الستر والتغطية بالنسبة للعمليات الميدانية التي تقوم بها الاستخبارات. لقد أرسل يهودا جيل الذي يتكلم العربية, وهو أحد أكثر كاتسات الموساد خبرة إلى الخرطوم وانتحل صفة ممثل شركة سياحية بلجيكية ترغب في تنظيم رحلات سياحية يتمتع الرواد فيها بالغطس في البحر الأحمر, ومشاهدة الصحراء السودانية, وفي العادة, لا يرسل كاتسات الموساد إلى بلدان عربية بسبب حجم المعلومات التي يطلعون عليها, وخوفا من أن يؤدي القبض عليهم إلى إجبارهم على البوح بها للأعداء. لكن خطورة الوضع أجبرت الموساد على ركوب هذه المخاطرة. واقتصر عمل يهودا على الحصول على الأذونات اللازمة, والتي قد تتطلب تقديم رشاوى لعدد من المسئولين للتعجيل بإجراءات ترخيص شركته السياحية. ثم استأجر منزلا في الخرطوم بحري وباشر عمله. وفي نفس الوقت طار أحد رجالات الموساد إلى الخرطوم ومن هناك إلى بورتسودان, ومن ثم قاد السيارة على طول الشاطئ إلى الرجل الذي يدير نادي الغطس الصغير. وشاء الحظ أن يكون الرجل قد مل المكان, وبعد مساومة مطولة وافق الرجل على الذهاب إلى بنما, وأصبح لناديه مالك جيد. بدأ الموساد يرى في هذه العملية (بساطا سحريا) آخر (وهي عملية ترحيل شهيرة لليهود من اليمن في أوائل الخمسينات, حملتهم طائرات هركيوليز إلى إسرائيل). ولقد قررت الموساد استخدام طائرات هيركوليز لإخراج الفلاشا جوا, لكن ذلك يتطلب توسع المخيم السياحي بشكل كبير للتغطية على العملية, وفي الوقت ذاته, رتب يهودا المسائل المتعلقة بتسجيل شركته الجديدة, وبدأ يعد لاستقدام أفواج سياحية لزيارة الموقع. ولقد قامت الموساد بتجنيد الطباخين ومدربي الغطس وباقي الطاقم اللازم لإدارة المنتجع, أرادوا أناسا يتحدثون الفرنسة أو الإنجليزية, ويفضل إن كان لهم إلمام بالعربية التي قد تمكنهم فهم المحادثات بين الدبلوماسيين والرسميين العرب الذي قد يحلون ضيوفا على المنتجع. كما تم جمع فريق من 35 إسرائيليا للإسراع بضبط أوضاع المنتجع. ولقد تم الحصول على إذن بإحضار ثلاث سيارات لاندروفر, وشاحنتي بيك آب صغيرتين لكن في الحقيقة كان لديهم 9 سيارات. فقد قاموا باستنساخ نسختين عن كل رخصة أو لوحات للسيارات الإضافية. وقام يهودا في الخرطوم بطباعة بعض النشرات الإعلامية عن النادي, وقام بتوزيعها على وكالات السياحة في أوربا, عارضا أسعارا خاصة للأفراد. ولم يفسح المنتجع أي مجال للمجموعات, والحكمة من ذلك, أن أفراد المجموعات غالبا ما يكونوا أناسا يعرفون بعضهم البعض, وبالتالي فهم أشد فضولا وحبا لمعرفة ما يجري حولهم. استغرق بناء المنتجع ما يقرب الشهر. وإضافة للبناء الرئيسي الخاص بالسياح, والمطبخ, وغرف النوم, كانت هناك عدة أماكن لوضع أجهزة الاتصال والأسلحة. وعادة لا تذهب الموساد إلى مكان كهذا من دون سلاح. كما أحضروا سرا كل ما يلزم من أدوات لإنارة مدرج المطار المرتجل في الصحراء من الفنارات, والأضواء, وأجهزة الرقابة الجوية, ومبينات الريح, وأجهزة تحديد المسافات التي تعمل بالليزر. وبينما كانت هذه العملية ماضية حسب المخطط, كانت عملية الموساد الأخرى الخاصة بالطائرة البلجيكية المستأجرة تسير حسب المخطط لها. دراجة سباق يذكر استروفسكي وهوي في كتابهما (عن طريق الخداع) أن الموساد كان دفع مبالغ طائلة لرشوة المسؤولين السودانيين. وأحد هؤلاء الفريق عمر محمد الطيب, والذي كان مسؤولا عن الأمن في عهد الرئيس النميري. ويذكر أنه خلال هذه الفترة تم إرسال برقية لقيادة الموساد تفيد أن أحد المسؤولين السودانيين يريد دراجة سباق مقابل المساعدة في نقل الوثائق للفلاشا. ولأن الأمر يبدو وكأن لا علاقة له بهذا الموضوع, فقد أربك هذا الطلب مسؤولي الموساد فردوا برسالة إلى حلقة الاتصال يطلبون توضيحا. وعادت الرسالة تؤكد أن المسئول يريد دراجة سباق. وقد حاول مسؤولوا الموساد تفسير ما يعنيه هذا, هل يريد وزن الدراجة ذهبا؟ هل هذه شفرة لا يعرفونها؟ فعادوا مرة أخرى يطلبون توضيحا, فجاءهم الجواب مرة أخرى دراجة سباق, ولا شيء سوى ذلك. عندما تأكدوا أنه يريد دراجة فقط, أرسلوا له واحدة من طراز (رالي) وكان ذلك أقل ما يستطيعون عمله. وصلت في مارس 1984 الدفعة الأولى من السياح الأوربيين, وبدأ الحديث يدور بين الدبلوماسيين والمسؤولين السودانيين في الخرطوم عن هذا المنتجع الرائع على شواطئ البحر الأحمر. ومنذ افتتاحه حتى تاريخ مغادرة عناصر الموساد له, كانت جميع الغرف محجوزة بكاملها, وكان نجاحا تجاريا باهرا. حتى أنهم في بعض المراحل راودتهم فكرة دعوة بعض قادة منظمة التحرير الفلسطينية لعقد مؤتمر فيه, وهم لابد سيشعرون بأمان تام في السودان, بعد عبورهم إليه عبر البحر, ومن ثم إحضار قوات كوماندوس إلى هناك يجمعون قادة المنظمة على ظهر زورق صواريخ, (وشحنهم) إلى إسرائيل. من يدري ربما نجحت خطة كهذه. المهم في الأمر لقد تم توظيف المنتجع كتغطية ممتازة لنقل الفلاشا عبر عملية النقل الجوي الصحراوية هذه دون صعوبات تذكر. وكانت تتم عملية النقل كل ليلة تقريبا وفي بعض الليالي كانت تقلع طائرتان أو ثلاث طائرات دفعة واحدة, بهدف إخراج أكبر عدد من الفلاشا في أقصر وقت ممكن. وفي فترة لاحقة وصلت رسالة من إسرائيل تحمل أوامر بـ (طي) الموضوع فورا. ولقد غادر بعدها يهودا الخرطوم إلى أوربا في أول طائرة ومن هناك عاد إلى إسرائيل. وبينما كان السياح نائمين في منتجع البحر الأحمر, حمل الإسرائيليون جميع معداتهم على ظهر إحدى السفن, ووضعوا سيارة لاندروفر وشاحنتين على متن طائرة الهركيوليز, وانسلوا بهدوء خارج البلد وذهبوا مع أدراج الريح. لم يلحظ أحد من أفراد جهاز الأمن السوداني القوي في عهد الرئيس نميري عملية هروب أعضاء الموساد من سواحل البحر الأحمر. فهل يا تري نتيجة لالتقاء آريل شارون, وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بالرئيس نميري في كينيا في 13 مايو 1982 كان سببا في غض الطرف من جانب الأمن السوداني؟ أم إن إقناع مناحيم بيجن للسادات بضرورة التحدث مع نميري واقناعه بموضوع ترحيل الفلاشا كان السبب في غض الطرف؟ أم أن الرشاوى الكبيرة التي تسلمها بعض أفراد الأمن كانت السبب في غض الطرف؟ أم أن العملية فعلا كانت سرية ومخططة وفق استراتيجية الموساد الدائمة (عن طريق الخداع) لا يمكن كشفها بسهولة؟ وعموما تبقى هذه الأسئلة مطروحة مع أسئلة أخرى مهمة: هل كان النميري يعي النتائج الوخيمة لتهجير الفلاشا من السودان على مستقبل العلاقات السودانية العربية؟ وإلى أي مدى كان خوفه الأساسي من اكتشاف عملية تهجير الفلاشا من قبل خصومه السياسيين بالداخل من الأخوان المسلمين؟ بعد اغتيال أنور السادات في نوفمبر اصبح الرئيس نميري أقل نزوعا أو ميلا لغض الطرف عن عملية تهجير الفلاشا, وأصبح أكثر صعوبة في الإقناع, على حسب تعبير برافت, بل قام النميري بإيقاف عملية تهريب الفلاشا. لقد نال السودانيون حسب دراسة كرداوي حوالي سدس المبلغ المجموع لترحيل الفلاشا. ولعلنا نتساءل هل يبدو أن المستفيد الأول من عملية تهجير أو تهريب الفلاشا ليس السودان وإنما مصر وذلك من خلال إقناع السادات للنميري ومن خلال الإشاعة القوية بارتباط ابراهيم سعيدي من مكتب المندوب السامي لشئون اللاجئين بتسهيل عملية التهريب الجماعي لليهود الفلاشا لإسرائيل. يؤكد صلاح الدين كرار سفير السودان بالبحرين أنه لم يثبت أن عملية ترحيل الفلاشا تمثل أي نوع من التفكير البراجماتي المصلحي في العلاقات السودانية الإسرائيلية. ولم يكن هناك اتصال مباشر وإنما تم الاتصال عن طريق وسيط وهو المستفيد الأول. وعموما كانت عملية ترحيل الفلاشا إرضاء لطلب مصر أكثر منها مراعاه لمصلحة السودان. ولكن قد تكون هناك مصلحة شخصية استفاد منها البعض في أجهزة الأمن أو في الأجهزة السياسية في السودان.

طباعة Email