الأزمة التايوانية بين المصالح الأمريكية والرغبات الصينية ، عزلة الغرب على بكين حرضتها لاستدعاء عناصر قواتها - البيان

الأزمة التايوانية بين المصالح الأمريكية والرغبات الصينية ، عزلة الغرب على بكين حرضتها لاستدعاء عناصر قواتها

تتشعب تداعيات الأزمة التايوانية الطويلة بين بكين وتايبيه لتأخذ أبعاداً أخرى يختلط فيها السياسي بالاقتصادي والعسكري بحسابات المصالح, وتحمل بين جنباتها صفحات تاريخ نشأتها اعتبارات المصالح التي تتبدل وإرادة شعوب المنطقة في التحدي وإرساء نموذج خاص بالتنمية جدير بالتوقف عنده ذلك أنه قام على الإنسان أولاً قبل كل شيء. تقع المنطقة في موضع القلب من اهتمامات العم سام الذي غير موقفه تجاه بكين من عزلة وحصار بعد الحرب العالمية الثانية إلى اعتراف ووضعها موقع الدولة الأولى بالرعاية في نهاية السبعينيات ليؤكد أنه لايوجد عدو دائم أوصديق دائم فقط هناك مصالح دائمة هي الأولى بالسعي لتحقيقها بعيداً عن أية اعتبارات أخرى وتاريخ الموقف الأمريكي من تايوان خير شاهد. جذور الأزمة تعود نشأة مشكلة تايوان إلى أواخر القرن التاسع عشر فقد احتلتها اليابان عام 1895 وظلت مستعمرة يابانية منذ ذلك التاريخ وحتى عام 1945 حين اندلعت الحرب العالمية الثانية وأسفرت عن هزيمة دول المحور التي كانت اليابان أحد أركانه. ورغم أن هذه الجزيرة لم تقع تحت سيطرة السلطة الحاكمة في بكين زمناً طويلاً إلا أن هذا لم يغير شيئاً من حقيقة انتمائها للصين عرقياً ولغوياً وجغرافياً. ومع انتهاء الحرب الأهلية في الصين تمكن الشيوعيون من فرض سيطرتهم على البلاد عام 1949 بعد نجاح ماعرف باسم مسيرة الزحف الطويل الذي قام به جيش الثورة وقطع خلاله 9600كم خلال خمسة عشر عاماً بدأت عام 1943, وما أن تمكن الشيوعيون من النجاح حتى لجأ الحاكم في بكين تشيانغ كاي إلى الهروب إلى تايوان مصطحباً معه أعضاء آخر مجلس نيابي منتخب في بكين ليعلن هناك جمهورية الصين الوطنية. استطاع كاي أن يكسب شرعية دولية بوجود معظم أعضاء المجلس النيابي معه, واعتبر نفسه ممثلاً للصين بكاملها. وما كان هذا الأمر أن يستمر لولا الدعم الذي لقيته تايوان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية تلك القوة التي تولت قيادة العالم بعد الحرب العالمية الثانية الأمر الذي مكن حكومة الصين الوطنية من الاستمرار واحتلت المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي المخصص للصين, بينما ظلت الصين الأم تعيش حالة عزلة دولية كرسها دخول خلافات عقائدية فيما يتعلق بالنهج الشيوعي مع الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت إلى جانب النزاعات الحدودية مع موسكو, ومن الناحية العسكرية تدفقت المبيعات الحربية الأمريكية على تايوان, ووقعت واشنطن وتايبيه عام 1954 معاهدة للدفاع المشترك تلزم بالتدخل العسكري الأمريكي تلقائياً إذا ما تعرضت تايوان لأي عدوان عسكري. كما ظلت واشنطن هي قبلة الطلبة القادمين من تايوان للتعليم وقد ظلوا يحتلون المرتبة الثانية من حيث عدد الطلاب المبتعثين للدراسة في الولايات المتحدة بعد الطلبة الإيرانيين قبل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. إرادة التحدي رب ضارة نافعة.. فمع قيام الثورة الثقافية التي قادها ماوتسي تونج في الستينيات تحولت هذه العزلة الدولية المفروضة على الصين إلى مصدر قوة رئيسي للبلاد ودفعت القيادة الصينية إلى استنهاض واستثمار مصادر القوة الذاتية مستحدثة نماذج تنموية خاصة بها رغم استمرار القبضة الحديدية للحزب الواحد. اعتمد ماو أسلوب التقشف وتحجيم الاستهلاك والنزول بالمطالب إلى أبسط الاحتياجات الأساسية للإنسان, وكرس قيمة المجتمع المنتج وأطلق شعارات الاكتفاء الذاتي والعدالة في توزيع الموارد. ماو الذي استطاع أن يغير وجه الصين عندما تعرض في حديثه عن تايوان أثناء فترة حكمه قال: (إن بلاده قد تحتاج إلى مائة عام لإعادة تايوان إلى حظيرة الوطن الأم) وكأنه بذلك كان يستشرف المستقبل وما ستنطوي عليه القضية من تعقيدات مع المراحل التي أعقبت فترته. ثبتت الصين على موقعها لكن ثمة تغير طرأ على الموازين الدولية فيما بعد, فواشنطن التي عمدت لتعميق الخلاف بين الصين والاتحاد السوفييتي في الستينيات لاضعاف موسكو والتي قادت الدعوة لمقاطعة بكين عادت في أوائل السبعينيات للدول عن عزل الصين لتشهد فترة الرئيس ريتشارد نيكسون تغيراً دراماتيكياً في السياسة الأمريكية تجاه بكين ساهم فيه وزير خارجيته هنري كيسنجر, وبعد الزيارة التاريخية التي قام بها نيكسون لبكين عام 1972 اعترفت الولايات المتحدة بالصين وسمحت لها بعد طول معارضة باحتلال موقعها بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن, وعضوية شتى المنظمات الدولية, وسحبت واشنطن اعترافها بتايوان ومنحت الصين وضعية الدولة الأولى بالرعاية ومن ثم طردت تايوان من احتلال المقعد الدائم في مجلس الأمن وأصبحت هي معزولة دولياً حيث لاتحظى باعتراف دبلوماسي إلا من 31 دولة فقط. تايوان والتحديات الجديدة أمام هذه التحولات الجديدة وجدت تايوان نفسها وقد خسرت معطيات تمثيلها لكامل الصين وحتى المجلس النيابي الذي فر إلى بكين بعد نجاح الثورة أصابه الاضمحلال بوفاة غالبية أعضائه تباعاً, حتى أن المحكمة الدستورية في تايوان أصدرت قراراً عام 1991 يلغي صفة التمثيل النيابي عن البقية الباقية من أعضائه وذلك بعد أربع سنوات من فرض الأحكام العرفية عام 1987. بدا التحول عن نظام الحكم العسكري تدريجياً ممهداً الطريق أمام انتخابات رئاسية مباشرة وشهدت الانتخابات التي جرت في ديسمبر 1995 تحولاً كبيراً على خريطة القوى السياسية الداخلية حيث انخفض عدد مقاعد حزب كومينتاج الحاكم إلى 85 مقعداً من أصل 164 مقعداً, وبرزت قوتان حزبيتان جديدتان هما الحزب الديمقراطي التقدمي الذي تأسس عام 1986 قبل رفع الأحكام العرفية في البلاد والحزب الجديد, ويتبنى الحزب الديمقراطي التقدمي فكرة الانفصال الرسمي عن الصين وصعد في زمن قياسي ليصبح الحزب المعارض الرئيسي في أواخر الثمانينيات إلى أن وصل إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ولعل ذلك الانجاز الأكبر لحزب الكومنتاج كان ممثلاً في التنمية الاقتصادية التي حققت انجازات هائلة قادت تايوان إلى مرحلة التصنيع وارتياد مجالات متقدمة تكنولوجيا, وتجسد ذلك عبر سلسلة من المشاريع الضخمة مثل المشاريع العشرة الكبيرة التي أنشئت عام 1973 تلاها 12 مشروعاً جديداً عام 1979 ثم المشروع الحيوي عام 1985. ركزت تايوان بشكل أساسي على الاستثمار في التعليم التقني وأوفدت أعداداً هائلة لدراسة هذه المجالات التطبيقية إلى الولايات المتحدة ليقودوا هذه العملية الصناعية التي قفزت بالدخل القومي لتايوان إلى نحو 150 مليار دولار سنوياً, وبلغت معاملاتها الخارجية 90 مليار دولار في حين أن الصين نفسها بما تشغله من مساحة هائلة وعدد سكان يزيد عن المليار نسمة تتراوح تجارتها الخارجية ما بين 135 ـ 140 مليار دولار سنوياً. مكمن قوة تايوان إذن يبدو متمثلاً في الاقتصاد أكثر منه في قوتها العسكرية, وإن كانت يتوافر لديها سلاح وعتاد لايستهان به بالنسبة لحجمها وعدد سكانها, وقد سجل النمو الاقتصادي بها منذ الستينيات 10% وأصبح دخل الفرد فيها يعادل 23 ضعف دخل نظيره في الصين الشعبية, واحتلت المرتبة الثانية عالمياً من حيث الاحتياطي النقدي والذي يبلغ أكثر من 100 مليار دولار, واحتلت المرتبة الرابعة عشرة في التجارة الدولية. واستطاعت تايوان أن تكتسب قوة إضافية من خلال شبكة الارتباطات الوثيقة مع دول المنطقة المحيطة بها ومع بوادر دخول سياسة الانفتاح الاقتصادي في الصين في نهاية السبعينيات دخلت تايوان هي الأخرى من باب التبادل التجاري مع بكين لينمو نمواً مضطرداً حتى أصبح لها أكثر من 25 ألف شركة تعمل في مختلف المجالات الاستثمارية في الصين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات