بعد عام من انذار رامبوييه ، بريجنسكي: اوروبا لاتزال تفتقر الى الجدية في كوسوفو مشكلتنا الحقيقية مع العراق بدأت بانكساره العسكري

بمناسبة مرور عام على انذار رامبوييه, الذي وجهه حلف الاطلسي للقيادة اليوغسلافية, اجرت صحيفة (لوس انجلوس تايمز) لقاء مع زيجينيو بريجنسكي مستشار الرئيس الامريكي السابق لشئون الامن القومي واحد ابرز المنتقدين لحملة القصف الجوي الامريكية التي وصفها بالجبن والتردد. ويذكر ان مؤتمر رامبوييه كان قد عقد منتصف مارس 1999 فيما بدأ القصف الاطلسي على صربيا في 23 مارس وفيمايلي نص الحوار مع بريجنسكي: * هل كان الانذار الصادر عن مؤتمر رامبوييه الى الزعيم الصربي ميلوسيفيتش قبل عام من الان اجراء خاطئا؟ ان الكثير من النقاد يعتقدون ان كل ما حققه هو اطلاق عمليات القصف التي نجحت بدورها في نقل الخطط الصربية بخصوص التطهير العرقي من على الورق الى ارض الواقع في قرى كوسوفو. ـ لا اعتقد ان هذا الانذار كان خطأ في تلك الظروف بعينها ولقد توافرت ادلة كثيرة على ان التطير العرقي امر يتم تنفيذه فعلا, وما يمكن ان اوافق عليه جدلا هو ان القصف قد عجل به وكثفه كما وكيفا, لكن من غير المشكوك به ابدا كون التطهير العرقي كان ممارسة جارية قبل الانذار. طبعا نحن لانستطيع الجزم بما كان سيحدث لو لم نتدخل, على الرغم من ان التخمين بأن الامور كانت ستتطور الى حرب اقليمية ايضا وليس المزيد من المعاناة البشرية فقط هو امر ليس بعيدا عن المنطق. * هل نستطيع القول ان الحملة العسكرية كانت أكثر الوسائل المتوفرة فاعلية لايقاف العدوان الصربي على الكوسوفيين؟ ـ كانت حملة القصف فاعلة بصورة جوهرية. والسؤال هو ما إذا كانت هناك وسائل أخرى لتنفيذ الحملة تجعل منها أكثر سرعة في الوصول إلى هدفها. لقد أحسست أثناء الحملة, ولازلت أحس الآن بأنها كان يجب أن تكون أكثر كثافة, ولو كان الثمن عددا أكبر من الخسائر البشرية في صفوف قوات التحالف, لان ذلك كان يمكن له انقاذ المزيد من أرواح الكوسوفيين, ويقنع ميلوسيفيتش بالاستسلام على نحو أسرع. وكما قلت حينها فقد كان من الخطأ افهامه بأن القوات البرية لن تستخدم أو انها ستكون الخيار الأخير. ميلوسيفيتش استسلم فعلا لانه اقتنع بأن القصف لن يتوقف, وإنما سيستمر ويتكثف, ولان اقحام القوات البرية الأطلسية أصبح احتمالا حقيقيا. وأنا على اقتناع أيضا بأن ميلوسيفيتش قد استسلم لان الروس اتفقوا معه سرا على أن كوسوفو سيتم تقسيمها وفق الأمر الواقع بفعل الحركة الاستباقية التي قام بها الروس بدخول شمال كوسوفو عن طريق ادخال القوات الروسية برا من البوسنة ثم عبر الجسر الجوي الروسي إلى بريشتينا. وهذا هو بالضبط, مغزى الحركة الروسية, حينما سيطرت القوات الروسية على مطار بريشتينا. لكن الخطة كلها تعرضت للاحباط, في نهاية الأمر, لان قوات الناتو كانت قد بدأت فعلا بالدخول إلى كوسوفو لاعطاء الروس منطقة منفصلة. وكان من المهم أيضا أن الولايات المتحدة قد أعطت تأييدها الحاسم للرومانيين والبلغار والمجريين الذين رفضوا السماح للروس بحق الطيران في أجوائهم. * يبدو ان ميلوسيفيتش لا يزال يحاول سلخ شمال كوسوفو عبر تحريك الصرب هناك. بل ان هناك تقارير تتحدث عن تجمع القوات الصربية على الحدود مع كوسوفو. ـ قد يكون ذلك صحيحا, لكنه غير قابل للتنفيذ, إلا إذا لم تكن قوات (كفور) حاسمة في ردها, أو إذا ما سحبت بعض الدول الأوروبية قواتها. وفيما عدا ذلك, فإنني لا أرى أي سبيل يمكن لميلوسيفيتش خلاله أن ينفذ حساباته, ويستعيد السيطرة على أي جزء من كوسوفو. * التقديرات التي وضعت للحرب ضمن معايير استراتيجية صنفت السياسيين الواقعيين من أمثال هنري كيسنجر في مواجهة جيل القادة ذي (السياسة الخارجية العاطفية) مثل توني بلير وبيل كلينتون. إذ يجادل هذان الزعيمان بأن كوسوفو كانت (الحرب الأولى في القرن الواحد والعشرين, حربا في أوروبا لأوروبا, وبأسم حقوق الإنسان) . أما كيسنجر فيقول ان كوسوفو التي استمر فيها القصف لأكثر من شهرين هي ذات أهمية استراتيجية محدودة مقارنة بالعراق, الذي استمر حملة القصف الأمريكي البريطاني هذه لمدة يومين فقط بهدف اعادة مفتشي الأسلحة, وفشلت في تحقيق ذلك. ما هو رأيك أنت؟ ـ علينا ألا نخلط الأمور. أزمة كوسوفو كانت مشكلة أوروبية جوهرية على المستويين الإنساني والجيوسيساسي. وعلى الرغم من ان الناتو كان قادرا على إدارة الحرب على نحو مختلف, إلا ان الحرب كانت استجابة لمشكلة حقيقية. أما المشكلة الحقيقية مع العراق فقد بدأت في عام 1991 عندما تحطم الرئيس صدام حسين عسكريا وكان بالامكان الاطاحة به. العراق أصبح دولة معدمة, وشعبه يعاني تحت وطأة العقوبات وبامكانيات عسكرية أقل بكثير مما كانت له عام 1991. ولهذا فأنا غير متأكد مما يتعين علينا فعله الآن على الصعيد العسكري, الذي يتطلب نوعا من تجاوز الضرورة الاستراتيجية. أما في صربيا فتصرفنا كان مختلفا. وفي الوقت نفسه, اعتقد بصراحة ان (الحرب لأسباب إنسانية) قد بولغ فيها من جانب بلير وكلينتون معا. وإذا كان لنا أن نأخذ الخطابة على مأخذ الجد لكان علينا أن نتدخل في رواندا. لكننا لم نغفل. كما كان تدخل الولايات المتحدة في تيمور الشرقية أكثر محدودية بكثير, وذلك يعود إلى حد بعيد لكون اندونيسيا قد وافقت على حل الموضوع. وأيضا نحن لم نحرك ساكنا في اندونيسيا قد وافقت على حل الموضوع. وأيضا نحن لم نحرك ساكنا في الشيشان نهائيا, وهي التي شهدت كارثة إنسانية, تتجاوز بكثير ما حصل في كوسوفو. ما فعلناه في كوسوفو, كان أولا وأخيرا, عملا جيوسياسيا, لقد تخوفنا من عدم الاستقرار في جنوب شرق أوروبا, ومن فقدان الناتو لمصداقيته ان لم يتدخل ومن انتهاء الأمر بحلفاء أمريكا الأوروبيين للنزاع فيما بينهم. * ما هو مستقبل الولايات المتحدة والناتو في كوسوفو؟ ـ المستقبل يكمن في الماضي, نحن تورطنا في كوسوفو وسنبقى هناك لزمن طويل , وبصراحة, لم لا؟ أنا لا أرى أي مبرر لأن تبقى معظم القوات الأمريكية في أوروبا متمركزة في ألمانيا, لم لا يكون ذلك في كوسوفو؟ وسيعتمد حل قضية كوسوفو نهائيا على مدى استعداد أوروبا للتقدم بخطة تنمية واستقرار جدية, فللولايات المتحدة في نهاية الأمر قضايا أخرى يتعين عليها الاهتمام بها سواء في الشرق الأقصى أو الشرق الأوسط أو أمريكا الوسطى, ان تحقيق الاستقرار والتنمية في جنوب شرق أوروبا هي مسئولية أوروبية أولا وأخيراً. وإذا كان الأوروبيون جادين في هذا الشأن فإن لديهم من الوسائل ما يمكنهم بها من تحقيق ذلك, إما ان لم يكونوا كذلك, فهم بذلك لا يكونون كمن يصعد الكارثة مرة أخرى, بل يوجدون كارثة سيكون الأمريكيون أقل رغبة في المشاركة بحلها شيئا فشيئا. * هل الأوروبيون جادون فعلا في هذا الشأن؟ ـ حتى الآن هم ليسوا كذلك, إن كانوا مخلصين حقا في التوصل لقوة دفاع أوروبية, وهوية موحدة للسياسة الخارجية الأوروبية, فإن جنوب شرق أوروبا هو المكان المناسب لاظهار هذا الاخلاص, والأمر ليس مجرد ارسال, أناس في زي موحد إلى هناك, بل المطلوب هو التعهد باتباع استراتيجية سياسية واجتماعية طويلة المدى لتنمية واستقرار المنطقة. ربما كان الأوروبيون جادين فعلا في سعيهم لتشكيل قوة موحدة في أوروبا الغربية لاستخدامها في ظروف غير محددة, لكن هناك الآن مشكلة واضحة وملموسة تواجههم من دون ان يحاولوا علاجها. * على الرغم مما ذكرته, ألا ترى ان الحديث عن قوة دفاعية أوروبية قد اخذت منعطفا أكثر مصداقية مع انضمام بريطانيا إليها؟ ـ السؤال هو لم انضمت بريطانيا إليها؟ هل لأنها تعتقد حقا بضرورة لجدية داخل أوروبا, أم لأنها تدرك ان انضمامها لهذه القوة يعزز موقعها ازاء الولايات المتحدة في الوقت نفسه الذي تصبح قادرة على ممارسة مزيد من النفوذ داخل أوروبا؟ أنا أشك في ان الجواب الصحيح هو الجواب الثاني. عاجلاً أم آجلا, سيتوجب على أوروبا, ومن ضمنها بريطانيا مواجهة الواقع, ففي النهاية ليست هناك أي جدوى من الحديث عن أوروبية فيا تواجههم مشكلة أوروبية واضحة, أي جنوب شرق أوروبا من دون ان يتحركوا للتعامل معها, ان كانوا جادين فعلا في التوصل لسياسة خارجية مشتركة وشخصية دفاعية موحدة, فالساحة المطلوب اظهار ذلك فيها هي جنوب شرق أوروبا, والآن. خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص لـ البيان

تعليقات

تعليقات