إضاءة يمنية، أزمة المعارضة اليمنية 3، بقلم: د. محمد عبدالملك المتوكل

يمكن القول إن حركة المعارضة في عقد التسعينيات قد خطت الخطوة الأولى الصحيحة بفضل الوحدة اليمنية, وإعلان التعددية السياسية وحرية التعبير, وتوازن القوى السياسية.. هذه الخطوة هي الوعي الحقيقي بالنظام السياسي الذي نود أن يرتكز عليه الحكم في اليمن .. ولم يعد الصراع حول من هو الحاكم وانما حول كيف يجب أن يكون الحكم؟ حين اشتدت الأزمة بين طرفي السلطة تدخلت المعارضة لتقودهما إلى حوار ومن خلال الحوار وصل الجميع إلى ما سمي (وثيقة العهد والاتفاق) وهي الوثيقة الوحدوية الوحيدة التي صاغتها كل القوى السياسية في شمال اليمن وجنوبه داخل الحكم وخارجه. لم يَشُبّ الوثيقة تقليد لأحد وانما كانت استخلاصا لتجارب عملية عبر نصف قرن من المعاناة. لم توضع الوثيقة ـ كوثائق المعارضة السابقة ـ بعواطف غامضة ومفاهيم عائمة وانما وضعت بوعي حقيقي من واضعيها. ولم تستمد من أرقى الأمم ـ كما نص الميثاق المقدس ـ وانما استحدثت من واقع المشاكل اليومية. ولم تكن الوثيقة عملا تنظيريا لقوى غير ممارسة تعيش في أبراج عاجية وانما كانت نتاجا لممارسة ومعاناة يومية من مواقع المسئولية ومن خارجها. لم يسهم في وضع الوثيقة لا عباقرة الجامعة العربية, ولا علماء الجزائر, ولا ضباط ثورة مصر, وانما صيغت من خلال تجربة يمنية صرفة وبوعي مجتمعي. لهذا حظيت الوثيقة بارتياح شعبي كبير جعل منها وثيقة الشعب لا وثيقة نخبة. ويزداد يقين المواطن كل يوم أن اليمن لن يعرف الاستقرار ولن ينعم بالنمو والتطور والأمن إلا حين يصبح ما جاء في الوثيقة واقعا ممارسا في حياة المجتمع. رغم وعي معارضة التسعينيات بالنظام الذي تريده إلا أنها ـ وحتى اليوم ـ لم تصل إلى مرحلة الإدراك الواعي للوسائل العملية التي تؤدي في النهاية إلى تطبيق ما جاء في وثيقة العهد والاتفاق. لقد تصور البعض أن الاعتماد على جيش (الاشتراكي) وجيش (المؤتمر) والتوازن فيما بينهما هو الذي سوف يرغم الأطراف المهيمنة على القبول بتنفيذ الوثيقة. ونسي هؤلاء أن الوثيقة تمس مصالح قيادات هذه الجيوش التي سوف يضعف دورها وتأثيرها على القرار السياسي. وربما تخسر مواقعها عند إعادة بناء القوات المسلحة على أسس وطنية, وعند اخراجها من المدن وإعادة تموضعها على الحدود كما نصت عليه وثيقة العهد والاتفاق. لقد راهن البعض الآخر على مصداقية بعض القيادات السياسية المهيمنة التي كانت ترفع الشعارات المنسجمة مع التوجه الوطني للمعارضة لكن الأيام أثبتت أن مشروعها الحقيقي كان مختلفا ولا عجب في ذلك فهي نتاج فكر شمولي. وكان صراعها مع الأطراف المهيمنة الأخرى للحصول على مزيد من السلطة والتسلط لا لكي ينزع منها ومن منافسيها السلطة لصالح الشعب. لقد كان من السذاجة أن تتصور حركة المعارضة أن محافظا في عدن أو تعز ـ مثلا ـ يقبل بحكم محلي منتخب قد يكون على حساب موقعه. أو أن أنظمة تكونت على الشللية والمناطقية والقبلية والحزبية الضيقة, والرشوة والفساد يمكن لها أن تقبل إعادة النظر في أوضاع الخدمة المدنية وإعادة بنائها على أسس الكفاءة والمؤهلات والخبرات والنزاهة وحسن السمعة. لقد حلمت المعارضة أكثر مما يجب حين تصورت أن قوى الهيمنة والتسلط ـ القادمة إلى السلطة على فوهة مدفع ـ سوف تقبل التداول السلمي للسلطة أو حتى الحد من امتيازاتها وسلطاتها. وأن تقبل بدولة المؤسسات وسيادة القانون وحكم الشعب وهي التي ترى نفسها فوق القانون وفوق الدستور وفوق الشعب. لقد أدركت حركة المعارضة نوع النظام الذي تريده, لكنها لم تدرك بعد وسيلة الوصول إلى تحقيقه. لقد اعتمدت في الماضي على وسيلتين: إما التغيير عن طريق التآمر والاستعانة بالقوى القادرة على استخدام السلاح, وإما الاعتماد على النصيحة وترك الأمر كله. القوى المسلحة التي اعتمدت عليها المعارضة في التغيير لم تكن تختلف في عقليتها ومفاهيمها عمن سعت المعارضة لتغييرهم إن لم يكونوا أكثر سوءا. فكان حال المعارضة كالمستجير من الرمضاء بالنار. أو كطبيب أجرى عملية جراحية لمريض بمشرط ملوث فكانت النتيجة هو قتل المريض. لقد عملت المعارضة منذ الأربعينيات على حرق المراحل. لهذا كانت كل عملية تغيير تقوم بها تجر إلى انتكاسة كلفت اليمن غاليا. علما بأن السنة الإلهية تشترط للتغيير أن يغير الناس ما بأنفسهم. فإذا ظلت الأغلبية المضطهدة والمحرومة محكومة بمفاهيم وقيم العبودية والاستسلام غير مدركة لطبيعة المشكلة التي تعانيها والحلول التي يجب أن تتبناها ووسائل النضال التي يمكن لها أن تستخدمها فإن التغيير الجذري لن يحدث وكل ما سيحدث ـ كما حدث من قبل ـ هو تغيير شكلي تقوم به فئة معينة لكي تتخلص من فئة أخرى ثم تسير بالحكم على نهجها. فبدون إرادة شعبية قوية وواعية ومنظمة سوف تظل احتمالات الانتكاسة قائمة لأن من يطغى لن يجد القوة القادرة على أن تقول له (قف) . والإرادة الشعبية سوف تظل عاجزة ما لم تتوفر لها القيادة القدوة والنموذج الحي للحكم الذي يتطلع إليه الناس. فلقد مارست وتمارس حركة المعارضة ـ بالأمس واليوم ـ بطريقة لا تختلف عمن تعارضهم. تطالب بدولة المؤسسات وهي لا تعمل بشكل مؤسسي وتطالب بالديمقراطية وهي لا تمارسها داخل أطرها. لهذا حين وصلت المعارضة الى الحكم بعد 1962 و1967 سارت على نهج الطغاة مما جعل محمد محمود الزبيري يقول: وأنتم طبعة للظلم ثانية تداركت كل ما قد أهملوا ونسوا للحديث تتمة

تعليقات

تعليقات