من الملف السياسي: هانس كرويمانس نائب رئيس مركز المعلومات الآسيوية والدراسات الشرقية بهولندا لـ(الملف):امريكا لن تتدخل لإعادة الديمقراطية ورصيدها لدى العسكر تحت الصفر

لم يتصور رئيس الوزراء الباكستاني المخلوع نواز شريف ان نهايته في السلطة ستكون على يد الجنرال مشرف بالذات, هذا الرجل الذي جاء به ووضعه على رأس الجيش قبل عام خلفاً للجنرال (كرامات) الذي اقاله نواز لممارسته الضغوط من خلال الجيش للرد على التجارب النووية التي اجرتها الهند, وهو التصرف الذي اثار الغضب والمشاكل الخارجية على حكومة نواز وباكستان , فقد كان نواز شريف يعتقد ان القوات العسكرية تحت امرته وطوعاً لسياسته وحاول تسييس الجيش من خلال قراراته الديكتاتورية, ولم يضع في اعتباره ان الجيش على مر خمسة عقود من الزمان يتصرف كمؤسسة مستقلة داخل باكستان ولا يقبل تسييس اي سلطة حاكمة له وان هادن حينا, وان التاريخ العسكري للجنرال مشرف جعله بمثابة الحاكم العسكري على صفوف جيشه, وقد كتب نواز شريف بيده كلمة النهاية لفترة حكمه لباكستان عندما قرر ان يتحدى الجيش ويقيل قائده, فاعاد بذلك المناخ السياسي بباكستان الى احداث سابقة متشابهة من صراع العسكر والمدنيين على السلطة, حيث حكم العسكر باكستان على مدى ربع قرن من الزمان في فترات مختلفة, حتى ان الشعب الباكستاني قد اعتاد هذا الصراع المتبادل بين الجيش والمدنيين, ولكن من المؤكد ان حكم العسكر في هذه الفترة ليس في صالح باكستان شعباً وسياسة وعلى كافة الاصعدة, وان الحل هو انتهاء مرحلة حكم العسكر بسرعة لتحل مكانها حكومة ديمقراطية حقيقية. حول باكستان الحاضر والمستقبل, الوضع الداخلي والعلاقات الخارجية حاور (الملف) (هانس كرويمانس) نائب رئيس مركز المعلومات الآسيوية والدراسات الشرقية بهولندا وكان الحوار التالي: * ما هي الخلفيات التي دفعت بالقائد العسكري (مشرف) للإقدام على هذا الانقلاب وما هي اولويات العسكريين في الحكم وخطوط سياستهم تجاه كشمير وحركة طالبان؟ ـ أولاً اريد ان اتعرض سريعاً لشخصية الجنرال (برويز مشرف) البالغ من العمر 56 عاماً وتاريخه العسكري, لقد ولد الجنرال مشرف في المدينة التي تعد قطعة من الهند وباكستان معاً وهي نيودلهي, وعند انفصال الهند عن باكستان في عام 47 انتقل مع اسرته الى المدينة الساحلية (كراتشي) حيث قضى بها اوائل شبابه, ثم بدأ دراسته العسكرية والتي اكمل جانبا منها في بريطانيا, وشارك عندما كان ضابطاً صغيراً في حربين ضد الهند الأولى عام 65 بسبب كشمير, والثانية عام 71 سبب النزاع حول انفصال شرق باكستان - بنجلاديش الان -, وبعد هذا الوقت صعد سريعاً في ترقي الرتب العسكرية حتى اصبح جنرالاً عام ,95 والمسئول عن حماية المنطقة الاستراتيجية (منجلا) في (البنجاب) على الحدود الهندية, وحول توجهاته وعقيدته هناك من يرى انه مرتبط بجماعات الاصوليين بشدة وانه وراء تزايد قوة هؤلاء في الأعوام الاخيرة, وتعتبر القوات الباكستانية بصفة عامة كأهم داعم لحركة طالبان, وانها من بنات افكارها والتي تسيطر الآن على القسم الأكبر من افغانستان, ومن هذا التاريخ العسكري لمشرف نتأكد ان مسألة خضوع نواز شريف للغرب خاصة امريكا للانسحاب من كشمير ووقف الحرب هي القشة التي قصمت ظهر البعير واشعلت صدور العسكر غضباً حيث دفعوا الكثير في هذا الصراع مع الهند منذ عام 65 فقد كان هذا بمثابة الصدمة بالنسبة لهم وهم يؤمنون بتغلب قوتهم العسكرية والتسلح القادم من روسيا عن قوة الهند العسكرية واسلحتها القادمة من امريكا, كما ان العسكر تأكدوا مؤخراً ان امريكا تغازل نيودلهي على حساب اسلام اباد, وقد وضع نواز شريف لنفسه كلمة النهاية عندما قرر اقالة مشرف عن منصبه وهو خارج البلاد في زيارة رسمية لسيرلانكا, رغم علمه بمدى تأثير (مشرف) على القوات العسكرية, ومدى الاحترام والتقدير الذي تحظى به القوات العسكرية لدى الشعب, وقد حانت الفرصة للعسكريين لتصفية حسابات قديمة مع السلطة المدنية, والتي بدأت بوادرها تظهر الآن باتهام نواز شريف بمحاولة اغتيال القائد العسكري وهو تهمة توصف بالخيانة العظمى وتصل عقوبتها الى الاعدام, وسيعطى العسكريين اولويات لفرض الأمن داخل البلاد ولو بالقوة خاصة في كراتشي التي تشهد اعنف الصراعات بين السنيين والشيعة, وذلك من خلال فرض حالة الطوارئ, فالمؤسسة العسكرية ترى ان عدم استقرار الأمن هو السبب الرئيسي في العقبات والمشاكل التي يواجهها الاقتصاد الباكستاني, فالقلاقل الأمنية تسبب في فرار المستثمرين ورؤوس الأموال سواء الاجنبية او الباكستانية للخارج, وسيحاول العسكريون اعلان التخلي عن مسألة التسلح النووي والصراع حولها, وسيكون هذا اجراء ذكي حال اعلانه لأنه سيساهم في فك الحصار الخارجي الغربي المفروض على باكستان كما قد يخفف من حدة التوتر مع الهند وكذلك امريكا, اما خطوط السياسة الباكستانية في ظل حكم العسكر تجاه كشمير, هو عدم التنازل عن المطلب الأساسي باستقلال اقليم كشمير, والضغط على الهند لإعطاء هذا الشعب حق تقرير المصير, لأن كشمير في تلك المرحلة ستكون بمثابة انبوبة اختبار لمدى القوة العسكرية الباكستانية واحكام قبضة يدها على مقاليد السياسة الداخلية والخارجية, اما بالنسبة لطالبان, فاتصور ان يحدث نوع من التراجع تجاه احتضان تلك الحركة رغم انها من بنات افكار المؤسسة العسكرية الباكستانية, ولكن هذا التراجع سيكون سببه الضغوط التي تمارسها امريكا على الحركة لتسليم اسامه بن لادن والذي تتهمه امريكا بالتورط في تفجير سفارتها. * هل يمكن ان يساهم الحكم العسكري في تقليص المشكلات التي تعاني منها باكستان؟ ـ يجب ان نرصد اولاً نوعية هذه المشاكل التي تواجهها باكستان - البالغ عدد سكانها 140 مليون نسمة والتي تعد واحدة من عشرة دول لديها كثافة سكانية - على كل الأصعدة, فعلى المستوى الاقتصادي لا يزيد متوسط دخل الفرد عن 47 دولار سنوياً, وتعاني من تضخم مستمر ومتزايد, وقد تعرض دخلها الاقتصادي من التجارة الى هزة عنيفة عقب اجراءها التجارب النووية العام الماضي, ولم يبذل رئيس الوزراء المخلوع نواز شريف جهودا حقيقية لإنقاذ الاقتصاد, حتى ان البنوك تعاني من حالة تضخم نظراً لأن القروض التي يحصل عليها المسئولين وصفوة الاشخاص لا يتم ردها مرة اخرى, اما الضرائب فتمثل حالة خاصة في باكستان نظراً لارتفاعها وعدم عدالته, اما من الناحية الاجتماعية فان الغالبية العظمى من الشعب يزرح تحت وطأة الفقر وعدم الرعاية الصحية, ونسبة كبيرة من الاطفال لا يجدون فرصة التعليم او حتى العلاج, 70% من الشعب يعاني من الأمية, ومن النساء نسبة 85% اميات, اما معدلات النمو السكاني فهي من النسب الكبرى في العالم, وتزيد نسبتة 3% سنوياً, ناهيك عن الصراع الطائفي الذي يشتعل في البلاد, كما تعاني من مشكلة خطيرة مع المخدرات التي تصلها من البلدان المجاورة وعبر افغانستان, اما المشاكل العسكرية فهي تتمثل على الحدود بالنسبة لها مع جارتها الكبرى الهند حول كشمير, ونسبة كبيرة من الباكستانيين يتم اجبارهم على الخدمة العسكرية, وقد ادى الصراع النووي مع الهند الى زيادة التعبئة العسكرية في باكستان, وهكذا نجد ان المشكلات الاساسية في باكستان تتطلب حكومة من نوع خاص يمكنها التعامل مع هذه المعطيات والوصول الى وئام ووفاق وطني, ولا يمكن ان تكون هذه الحكومة عسكرية باي حال من الاحوال, اذ لا يمكن ان نحكم الغطاء بقسوة فوق القدور التي تغلي, والا كان الانفجار الرهيب, فحاضر باكستان الان مشتعل بالمشاكل والصراعات السياسية, ويبدو مستقبلها غامضاً, اذ من الواضح ان الجنرال مشرف ومن حوله لم تكن لديهم خطط مسبقة للاستيلاء على الحكم والسعي لحل هذه المشكلات, رغم وجود العديد من المؤشرات السلبية كسياسة نواز الديكتاتورية واستشراء الفساد والقلاقل السياسية والدينية التي كانت تنبئ برحيله, ولكن كل هذا لا يعني ان القائد العسكري كان يخطط للوصول للسلطة وانه وضع حلول بديلة للتخلص من اعقد المشاكل التي تمر بها بلاده, بل جاءت الخطوة في تصوري كردة فعل على قرار اقالته بجانب التصرف الأخير من سحب القوات من الحدود في كشمير, وحتى لا يفقد الجيش الفرصة للأبد في الاصلاح وضبط الأمور, ويؤكد هذا انه ليس لديه حتى الان خطة واضحة لتسيير السياسة أو مؤسسات الدولة انه اعلن البيان العسكري متأخراً, بل كل ما يعلنه انما بناء على الأمر الواقع الذي وصل اليه, لذلك لا اتوقع ان تساهم هذه الحكومة العسكرية في حل مشاكل باكستان سواء الداخلية او الخارجية بل على النقيض تماماً, فقد اثبتت تجارب الدول وباكستان بصفة خاصة خبرات غير موفقة في ظل حكم العسكر, بل ان هؤلاء انفسهم ينخرطون في آلة الفساد بعد حين. * وما هو في تصوركم موقف المعارضة وكيف ستتعامل مع المستجدات الحالية وهل سيكون لها موقع على الخارطة السياسية؟ ـ ان اعلان الجنرال (مشرف) نفسه حاكماً للبلاد وتعليقه الدستور والبرلمان, واعلانه انه لا يفكر الان الا في اولوية انقاذ البلاد من ازمتها الاقتصادية وتحقيق الوحدة الوطنية ثم الاعداد لحكومة نظيفة بعيدة عن الفساد, وانه سيسعى لتشكيل ثلاثة مجالس, مجلس امن وطني, مجلس استشاري, مجلس وزراء, كل هذا يؤكد عدم وجود جدول زمني واضح امام مشرف يمكن ان يعلن من خلاله انتخابات حرة ديمقراطية للمجيء بحكومة جديدة, وهو المطلب الشعبي الان وايضاً المطلب الذي تأمل كافة احزاب المعارضة تحقيقه, وكذلك المطلب الدولي الخارجي الذي تطالبه به الدول الغربية والتي ارسلت مبعوثين لها الى باكستان للمطالبة باعلان حكومة انتقالية مؤقته لحين تحديد موعد للانتخابات, ولقد تعجلت معظم احزاب المعارضة في طموحها وآمالها في المشاركة في الحكم بعد رحيل نواز شريف, على غرار حزب الشعب بزعامة بنظير بوتو, والتي سارعت باطلاق تصريحاتها وتأييدها لمشرف على امل ان تعود للساحة السياسية في باكستان من منفاها في لندن, وان يجد حزب الشعب مكانا له على الخارطة كما كان من قبل, ولكن المعطيات التي طرحها الجنرال مشرف تستبعد الان مسألة الاخذ بعين الاعتبار للتعددية الحزبية والمشاركة السياسية في الحكم, كما ان مشرف اعلن بصورة خاصة استمرار تجميد اموال بنظير بوتو واستمرار الوضع القضائي بالنسبة لها والذي تتهم فيه بالفساد, وهذا القرار يمثل بالتأكيد صدمة لزعيمة حزب الشعب, وقد يجعلها تعيد حساباتها من جديد على ضوء شخصية مشرف الجديدة في الحكم وليس الرجل القديم الذي وصفته بانه جريء وشجاع وعادل, والخطر القائم الآن هو سيطرة العسكر على كافة المؤسسات بالدولة وعسكرة سياسة هذه المؤسسات وهو النقيض تماماً لما حاول ان يفعله نواز شريف عندما حاول تسييس الجيش, لذلك سيجد الذين تعجلوا وصفقوا لمشرف من احزاب المعارضة انفسهم واقفين عاجزين في مقاعد المتفرجين ينتظرون الاشارة من مشرف, وهم لا يعلمون متى سيطلقها, لكن من المؤكد ان انتظارهم سيطول. * كيف تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الوضع الجديد في باكستان وما هي مواقف الدول الغربية عامة؟ ـ لقد اتضح الموقف الأمريكي وكذلك الاوروبي منذ اللحظات الأولى لحدوث الانقلاب وهو رفض ما حدث والمطالبة بعودة الديمقراطية للبلاد, وقد اعلنت امريكا تجميد المعونات وكذلك بريطانيا حال بقاء العسكر في الحكم, ولكن هذه العقوبات لن تكون مؤثرة على باكستان بصورة حقيقية إذا ما علمنا ان العقوبات الغربية كانت قائمة بالفعل منذ مايو العام الماضي وعقب اجراء التجارب النووية, وان المعونات التي تقدمها امريكا الان لباكستان وقامت بتجميدها لا تزيد عن خمسة ملايين دولار, ورغم مطالبة امريكا بعودة الديمقراطية الا انها اعلنت في ذات الوقت عدم تدخلها لاعادة حكومة نواز شريف متعللة بأن هذا امر داخلي رغم ان امريكا سبق وان اقدمت على خطوة كهذه عام 95 عندما اعادت رئيس هاييتي للحكم, ولعل دافع امريكا في عدم التدخل هو علمها بالفساد المستشري والذي تزايد في عهد نواز شريف, واحترامها لرغبة الجيش في التطهير, لكن هذا لن يمنعها من ممارسة الضغوط لاعادة المسار الديمقراطي عن بعد, وأتصور ان باكستان لن تستطيع الاحتفاظ بعلاقة جيدة مع امريكا في عهد الحكم العسكري فرصيد امريكا لدى العسكر تحت الصفر, والجنرال مشرف ليس له علاقات سياسية او دبلوماسية مع الدول الخارجية, لا الغرب ولا العرب, كما لم يدرس في اكاديمية عسكرية بامريكا ليدين لها بالولاء, وتوجد عداوة سابقة بين الجيش وامريكا بسبب ممارسة الاخيرة الضغوط على نواز شريف لسحب قواته من كشمير, كما توجد بين مشرف والادارات الباكستانية السابقة ايضاً عداوة لأنها في نظره خدمت الغرب اكثر مما خدمت باكستان. اجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات