من الملف السياسي : قضايا صغيرة :الحكومة البريطانية تدرس الاعتراف بشرعية المرتزقة وكالات تجسس وجيوش... للايجار(!) بقلم شوقي رافع

جيش للايجار هل قرأ أحدنا اعلانا من هذا النوع؟ ربما ليس بعد, فهذه الجيوش من المرتزقة مازالت تعمل سرا حتى اليوم, ولكن مع بداية العام المقبل فإن اعلانا من هذا النوع سوف يكون شرعيا, اذ ان حكومة توني بلير في بريطانيا كشفت الاسبوع الماضي انها سوف تطرح على الرأي العام كتابا اخضر تتحدث فيه عن افكارها ومشاريعها للاعتراف بالشركات التي تقوم بتجنيد المرتزقة انطلاقا من بريطانيا, ومحاولة فرض نوع من الضوابط على نشاطاتها. وقال ناطق باسم الخارجية البريطانية (ان الحكومة قلقة جراء انتشار نشاطات المرتزقة, وقررت, تبعاً لذلك, ان تبدأ حملة نقاش واسعة للتعامل مع هذه المشكلة على المستوى الوطني والدولي) . ورفض الناطق التعليق على الدعوة التي وجهتها الأمم المتحدة لعقد مؤتمر دولي يفرض منع نشاطات الجنود المرتزقة واعتبار مايقومون به خرقا للشرعية الدولية. مهمات قذرة إلا في الفاتيكان هل تتغير الامور كثيرا اذا تم الاعتراف علنا بأن جيوش المرتزقة لم تعد مجموعات سرية خارجة على القانون؟ وفي الاساس, ماذا تفعل هذه الجيوش؟ (رجال المهمات القذرة) هي الصفة التي تطلق على فرق المرتزقة العسكرية, مع استثناء حاضرة الفاتيكان في روما, فهي تاريخيا تستعين بما يسمى (الحرس السويسري) , وهؤلاء يتم اختيارهم من بين فئة الشباب في سويسرا الراغبين في الحصول على راتب محترم شهرياً مقابل حماية البابا ومقره في الفاتيكان, وقد خرجت الى العلن روايات عديدة عن الانضباط الفولاذي الذي تخضع له هذه الفرقة العسكرية, الى حد ان بعضهم من فرط الارهاق وقسوة النظام يحاول الانتحار. وفي غابر الايام لم تكن مهنة الحرب بالاجرة مشينة بل كانت تقليدا درجت عليه دول وامبراطوريات, وعلى سبيل المثال فإن هناك قبيلة مجرية مازالت تقيم في بلاد النوبة في منطقة جنوب وادي حلفا, وكانت قد غادرت موطنها الاصلي لتحارب بالاجرة في ظل الدولة العثمانية. الكلاب المجنونة في الكونغو ولكن السمعة القذرة لهذه القوات بدأت تتراكم منذ الستينات, مع ظهور عصابات من الجنود البيض في أفريقيا, يشاركون في القتال ضد دول أفريقية حصلت على استقلالها حديثا, لمصلحة عناصر منشقة أو جنرالات يطمحون للوصول إلى السلطة, وقد لمع في تلك الفترة نجم الضابط البريطاني مايك هور, وقد عمل مع رجاله في خدمة الزعيم المنشق مويس تشومبي الذي استولى على مقاطعة كاتانجا الغنية بالمناجم. وأعلن انفصاله عن الدولة الأم زائير, وقامت فرقة الضابط هور بمجازر مرعبة ضد السكان الوطنيين استحقت عليها لقب (الكلاب المجنونة) وفقا لصحيفة (صانداي تايمز) البريطانية فإن آخر مهمات الكلاب المجنونة كانت في العام 1981 عندما حاولت اقتلاع الحكومة الشرعية في جزيرة سيشل عبر غزو من الخارج, غير ان المحاولة فشلت واضطر هور وفرقته إلى خطف طائرة بوينج من المطار للفرار من الجزيرة. سبايسر يضرب والحكومة ترحب وعاد نجم المرتزقة إلى الصعود مع انفجار فضيحة شركة (ساند لاين) في العام الماضي في بريطانيا, فالشركة التي تعمل انطلاقا من العاصمة البريطانية تتولى مهمات أمنية من نوع حماية رجال الأعمال والأثرياء والعمال الأوروبيين العاملين لدى شركات أجنبية في مناطق خطرة, معظمها في أفريقيا, ولكن الشركة قامت بتوسيع مجال نشاطاتها فشكلت جيشا واشترت أسلحة ثقيلة. وقامت بحملة عسكرية سرية تم اكتشافها فيما بعد, لاعادة الرئيس المخلوع أحمد تيجان في سيراليون إلى سدة الحكم بعد ان قام أحد جنرالاته بالانقلاب عليه. واكتملت الفضيحة عندما اعترف مدير الشركة تيم سبايسر وهو كولونيل بريطاني سابق انه وقبل بدء العملية استشار وزارة الخارجية البريطانية حولها, وقد تمت الموافقة على العملية. وكان سبايسر قد ذاع صيته بعد ان عقد في عام 1997 صفقة مع حكومة غينيا نيو بايوا على القيام بمهمة قمع المتمردين في الجزيرة, وحصل على مبلغ 17 مليون استرليني لقاء هذه المهمة. ووفقاً للصحيفة البريطانية فإن قوات المرتزقة قامت وتقوم في المرحلة الراهنة بمهمات في كوسوفو والكونغو وكولومبيا وعددا آخر من البلدان الأفريقية واللاتينية. ويقول أحد قادة المرتزقة وقد عمل في البلقان وبورما وأفريقيا في مقابلة مع الصحيفة (ان المرتزقة لن يتوقفوا أبدا عن القيام بمهماتهم والحكومة تعرف هذا, وان كانت لا تعترف به وفي بعض الحالات فإن المرتزقة يصبحون مفيدين للحكومة عندما لا ترغب بالتدخل لأسباب سياسية ويمكنها عندئذ الاستفادة منهم. ووكالات تجسس خاصة إذن يبدو مشروع الحكومة البريطانية في تكريس شرعية المرتزقة ونشاطاتهم العسكرية هو أقرب إلى الاعترف بأمر واقع, ولكن هذا غير صحيح, والأمم المتحدة على حق عندما تطالب بمنع المرتزقة من ممارسة أي نشاطات لأن الاعتراف الدولي يهتم بفتح الباب واسعا لخصخصة الحروب خاصة في العالم الثالث, وهو يعج بالثارات والاحقاد وأصحاب الطموح ممن يرغبون من أجل الوصول إلى السلطة والمحافظة علىها في دفع أي ثمن , أكثر من ذلك, ان الاعتراف بشرعية المرتزقة يأتي في سياق تطورات فريدة من نوعها وعلى مستوى العالم كله, فهناك شركات لجمع المعلومات تعلن لزبائنها انها قادرة على توفير أي معلومة لهم ومن أي بقعة في العالم إذا كانوا راغبين في دفع الثمن, وهذه الشركات تملك جيشا من المخبرين ولها حصة من المعلومات في الاتصالات والاقمار الصناعية وهي بالتالي تعمل كوكالات تجسس خاصة, وفي الولايات المتحدة. قامت فضيحة مؤخرا عندما وقعت احدى شركات المعلومات عقدًا مع وكالة أمنية رسمية يقضي تزويدها بصور عن اجازات القيادة لسكان عدد من الولايات بحيث يسهل على الوكالة الأمنية التعرف إلى من تبحث عنه في فترة قياسية, وقد اضطرت الوكالة بعد الفضيحة إلى الغاء العقد. اجازة للقتل ان تخصيص الأمن في الغرب يسير بخطوات واسعة فالبنوك تستعين بشركات خاصة لحماية مراكزها كما لحماية أموالها عند نقلها وكذلك تستعين بشركات خاصة لمطاردة المدنيين في حال تغيير عناوينهم, ورجال الأعمال يستعينون بجيوش أمنية خاصة لحمايتهم, كما ان الولايات المتحدة بدأت في تخصيص السجون وأوكلت إلى شركات خاصة مهمة مراقبة ومتابعة السجناء المحكومين بمدد قصيرة وهذه الخصخصة الأمنية تبدو ايجابية فهي ترفع عن كاهل الحكومات لعنة الحماية التي تزداد صعوبة كل يوم, كما انها توفر حماية فعالة بعيدا عن الروتين والبيروقراطية. ولكن تخصيص الجيوش المرتزقة ووكالات التجسس وجمع المعلومات يحمل وجوهاً سلبية مرعبة لأن مهمة (الكلاب القذرة) هي القتل لأسباب شخصية, وهي لا تختلف عن استئجار قاتل محترف للتخلص من شخص قد يكون احيانا الزوج أو الزوجة أو العشيقة أو الأب البخيل على أبنائه وهذه الأعمال كانت ومازالت تدخل في باب الجرائم التي يحاسب عليها القانون ويصم مرتكبيها بأنهم مجرمون يحيلهم إلى المحاكم والسجون. إذن كيف يصبح القتل شرعيا, وليتحول إلى مهنة شريفة عندما يستهدف مجموعات, وغالبا من المدنيين, لأن جنرالا يطمح في السلطة أو لأن زعيم قبيلة يريد ان ينفصل عن الوطن الأم ليستأثر بالثروة؟ ان قرار الحكومة البريطانية هو اجازة للقتل وفي العالم الثالث وحده.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات