من الملف السياسي : الدولة تبقى الوحدة الاساسية للمجتمع الدولي ، بقلم: برنار كوشنر مندوب الامم المتحدة في كوسوفو، ترجمة: محمد ركاد

قبل ثماني سنوات, وباسم الامم المتحدة, شنت الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها الحرب ضد العراق, غير انه ضد صربيا, تم تدخل الحلفاء عبر آلية منظمة الحلف الاطلسي دون الرجوع الى الأمم المتحدة, على الرغم من ان هذه الاخيرة تبقى الجهة المختصة الوحيدة بخصوص الحفاظ على الامن واعلان الحرب . ان كل الاحداث الدرامية التي كانت يوغسلافيا السابقة مسرحا لها تؤكد الحاجة الى اعطاء الشرعية القانونية لمختلف المواقف والسلوكيات التي تحكمت بمختلف الفاعلين الرئيسيين في حرب البلقان. ولقد اتجه الجميع الى القانون الدولي, لان اي تدخل لا يرخص به داخل دولة تتمتع بالسيادة, وان كل القضايا الوطنية يجب ايجاد الحل لها داخل الفضاء السياسي للدولة المعنية, غير ان ثمة رأيا يقول بان التدخل يجد شرعيته في تبريرات ذات طبيعة انسانية, ويتأسس على قاعدة قانونية مندمجة داخل قرارات مجلس الامن. ان الامم المتحدة تختص في الحفاظ على السلم بالعالم, والقول بان السلم هو عرضة للتهديد هو من مسؤولية مجلس الامن, غير ان مهمة الامم المتحدة هي ضمان الحق الانساني وعدم انجاز هذه الحقوق يؤدي الى بروز منطقة تلاق بين القضايا الداخلية والقضايا الدولية. الفوضى الدولية يمكن, كما هو الحال في كوسوفو, ان تصل الى درجة مرتفعة من العنف دون ان تتجاوز حدود الدولة, والدولة تبقى دائما الوحدة الاساسية للمجتمع الدولي ويمكن للحكومات ان تحتمي وراء مبدأ عدم التدخل في القضايا الداخلية, ان حق التدخل يعطي الحق لمجلس الامن كاختصاص التقرير في الطابع الدولي لنزاع ما, ويمكنه استعمال الوسائل السلمية لحله, (الفصل السادس من الميثاق) او الاكراه (الفصل السابع) واستعمال الفصل السابع في قضية كوسوفو, جعل مجلس الامن يضع جانبا مبرر السيادة الصربية (قرار 1160 بتاريخ 31 مارس 1998, وقرار 1199 بتاريخ 23 سبتمبر 1998). ان الميثاق ينص على ضرورة توفر مجلس الامن على قوات عسكرية منظمة وهو الشيء الذي لم يتوفر له لحد الآن, كذلك الفصل الثامن يؤكد على امكانية تسوية الخلافات المحلية بواسطة منظمات اقليمية, وهو الشيء الذي حصل في البلقان, اذ عمل حلف الاطلسي على استعمال القوة في البوسنة وفي كوسوفو, ان حق التدخل الانساني ـ اذا وجد ـ يرتكز على حسن نية المتدخلين وعلى مدى احترامهم لمبادئ القانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية. لقد عانت كوسوفو من كارثة انسانية تتحمل المسؤولية الاساسية فيها القوات اليوغسلافية, وكان اغلب الضحايا من البان كوسوفو. ان التدخل في كوسوفو ادى الى تصعيد سريع للمذابح التي يقوم بها الجيش والميليشيات الصربية, والى سحب مراقبي منظمة الامن والتعاون في اوروبا الشيء الذي جعل التدخل يتزامن مع تصعيد العنف, ويمكن ان يكون التدخل عاملا للحد من اعمال العنف كاجتياح الفيتناميين لكمبوديا والذي وضع حدا لفظاعات بول بوت. ان التدخل في كوسوفو ادى الى سقوط بنيات القانون الدولي, لان الولايات المتحدة الامريكية عملت على تجاوز الامم المتحدة دونما اعتبار لملاحظات فرنسا التي طلبت في الاصل قرارا من مجلس الامن يسمح بنشر قوات حفظ السلام التابعة لحلف شمال الاطلسي, غير ان امريكا اصرت على موقفها القاضي بأن على حلف شمال الاطلسي العمل في صورة مستقلة عن الأمم المتحدة. ان المبادئ المعترف بها في القانون الدولي والنظام العالمي والالتزامات الصريحة التي تنص عليها المعاهدات وقرارات محكمة العدل الدولية, لا تؤدي جميعها الى حل المشكلات المرتبطة باستعمالات وتفسيرات حق التدخل, خاصة وان تقديم الدليل والبرهان على ضرورة اللجوء الى التهديد واستعمال القوة خلافا لمبادئ النظام الدولي يبقى امرا صعبا على ضوء تداخل المصالح بين القوى المتدخلة. التدخل واللاتدخل في نظام دولي فوضوي ان عدم التدخل في الشؤون الدولية للدول ذات السيادة عرف اساسي للقانون الدولي وعدم التدخل معيار قوي, لانه يؤثر على النظام والعدل. والنظام يضع حدا للفوضى ولكن الفوضى الدولية الناتجة عن غياب حكومة دولية عليا يختلف عن الفوضى الناتجة عن عدم الالتزام بمبادئ اساسية, وتعتبر السيادة وعدم التدخل مبدأين يوفران النظام في نظام عالمي فوضوي, غير انه في الوقت نفسه يؤثر عدم التدخل على العدل. معنى التدخل التدخل بمعناه الواسع يعني ممارسات خارجية تؤثر على الشؤون الداخلية لدولة اخرى ذات سيادة. والتدخل يأخذ له شكل خطاب يقصد به التأثير على السياسة الداخلية لدولة اخرى, كحالة توجه بوش للشعب العراقي للاطاحة بالرئيس صدام حسين, ودعوات بيل كلينتون المباشرة لميلوسيفيتش. المساعدات الاقتصادية تتخذ شكلا اخر للتأثير على الشؤون الداخلية لدولة اخرى, كما هو الحال لبرنامج اعمار دول البلقان واستثناء يوغسلافيا, مادام ميلوسيفيتش على رأس الدولة, او تقديم مساعدات للمعارضة, كما هو الحال مع المعارضة العراقية. وهناك التدخل العسكري المحدود, كما قامت به امريكا تجاه ليبيا في الثمانينات الى جانب الغزو العسكري الكامل او الاحتلال, كما حصل في كوسوفو, وكما كان قد حصل في باناما, والمجر وتشيكوسلوفاكيا وافغانستان. السيادة مفهوم يشير الى الهيمنة الشرعية داخل اقليم معين, غير ان هناك اختلافات بين السيادة المشروعة والسيطرة بحكم الواقع. ان سيادة الدولة قانونيا امر مطلق حيث يكون للحكومة السلطة الكاملة داخل حدودها, وبامكانها الحد من هذه السلطة بارادتها بمعنى توقيع اتفاقية مع حكومة اخرى تقضي بممارسة بعض النفوذ داخل حدودها, اي تحديد متفق عليه وليس انتهاكا للسيادة. تطبيقات حق التدخل يمكن تبرير التدخل عندما يكون ضروريا للحفاظ على توازن القوى, وعلى النظام, وكذلك تدخل الاتحاد السوفييتي للابقاء على الأنظمة الشيوعية في اوروبا الشرقية, وذلك باعلان مبدأ بريجنيف, اي ان لهم الحق في التدخل للحفاظ على الاشتراكية في دائرة نفوذهم, ويمكن تبرير التدخل كذلك اذا كان سيؤدي الى تعزيز العدل, وخلال الحرب الباردة كانت هناك دعوات للتدخل ضد الأنظمة اليمينية مثل ديكتاتورية ماركوس في الفلبين, او نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا. وكان مبدأ ريجان ينص على انه الصواب التدخل ضد الحكومة الساندينية في نيكاراجوا وضد الحكومات الشيوعية في انجولا وموزمبيق لانتهاكهما الحقوق الديمقراطية. غير ان البعض يجافي هذا المفهوم ويرى ان استقلال الدولة وسيادتها يحتم عدم التدخل, لانه ينتهك سيادة الدول ومن ثمة يكون التدخل عديم الشرعية وليس له ما يبرره الا نادرا, ولكن الحرب لها ما يبررها اذا كانت بهدف الدفاع عن سلامة الاراضي او حماية سيادة الدولة ضد العدوان الخارجي, غير ان هذا العدوان الخارجي يبقى غير واضح المعالم. اول هذه التبريرات التدخل الوقائي حين يكون هناك تهديد واضح لسلامة اراضي اي دولة وسيادتها السياسية, ويجب في هذه الحالة ان يكون التهديد وشيكا, والاساسي في الحرب الوقائية ان يكون اعلانها افضل من تأجيلها. التبرير الثاني حين تستدعي الحاجة الى التوازن مع تدخل خارجي سابق, والاساسي يسمح بالتدخل فقط الى الحد الذي يوازن فيه تدخلا سابقا واكثر من هذا الحد, لا يمكن تبريره. التبرير الثالث, يتمثل حين تظهر الحاجة لانقاذ شعب ما مهدد بالمذابح, فاذا لم يتم انقاذ هذا الشعب من الفناء الكامل, فلن يكون هناك مجال لمبدأ عدم التدخل كدليل لاحترام استقلال او حقوق الاخرين, وهي نفسها المبررات التي ساقتها الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها داخل الحلف الاطلسي للقيام بالتدخل في البلقان. هناك تبرير رابع يتمثل في التدخل لمساعدة الحركات الانفصالية, وعلى الرغم من انتهاك المبدأ المطلق الذي ينادي بعدم التدخل الا انه سيظل مبدأ هاما ويجب الحكم على استثناءات هذا المبدأ في كل حالة بحسب ظروفها, من خلال النظر الى الدوافع والوسائل والعواقب مجتمعة. القانون الدولي والمنظمات الدولية القانون الدولي والمنظمات الدولية تعطي سيادة الدول مرتبة اساسية, وتؤكد على عدم التدخل, غير ان البعض يمكنه ان يسيء فهم القانون الدولي وعمل المنظمات الدولية, لانهم يعقدون مقارنات بمواقف محلية. ان المنظمة الدولية ليست مثل الحكومة الوطنية والقانون الدولي ليس هو القانون المحلي. ان المنظمة الدولية ليست حكومة عالمية لان سيادة الدول الاعضاء تحميها مواثيق معظم المنظمات الدولية, فالمواد من 2 الى 7 من ميثاق الامم المتحدة تنص على انه لا يوجد في ميثاقها ما يخول لها التدخل في شؤون الدول الداخلية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات