من الملف السياسي: نوافذ: عقيدة استراتيجية

ما هي العقيدة الاستراتيجية؟ وهل ترتبط بالدلالات العسكرية المحضة أم لها دلالات سياسية وفكرية؟ العقيدة الاستراتيجية هي مجموعة الافكار والأساليب التقنية والتكتيكية الخاصة بوضع الخطة الناجعة لتحقيق هدف أساسي يتوخى مواجهة العدو وتحقيق الانتصار عليه وفق خطة مبرمجة وذات تكتيك منظم ومرن قابل للتغييرات الجزئية المستجيبة للضرورات العملياتية الطارئة داخل ساحة المعركة او ميدان المواجهة, من غير ان تكون هذه المرونة مؤثرة على الهدف الاستراتيجي الاساسي لخوض المعركة او على المحاور الجوهرية في تقنية الحرب. وتكون هذه المجموعة من الافكار, المشكّلة للعقيدة الاستراتيجية, منبثقة من الامكانيات المادية والتكنولوجية الموجودة عند الطرف الاول ومن تقويمه وتقديره لامكانيات الطرف الثاني (العدو), ومن التقنية والاقتصادية والخبرة العسكرية التي يتمتع بها قادته وجيشه ثم ايديولوجيته السياسية وطبيعة التكوين الجغرافي الاقليمي له. ففيما يخص حركات التحرر الوطني في بعض بلدان مجموعة العالم الثالث, كان الهدف الرئيسي على الاغلب هو التحرر من السيطرة الاجنبية وتحقيق الاستقلال الوطني. ولذلك تقوم الحركات العسكرية في هذه البلدان بعمليات قياس ميداني للثقل العسكري والسياسي للقوى المحتلة لتحديد مبدأ استراتيجي خاص بها ينبثق من هدفها الايديولوجي الرئيسي ويتفق عقلانيا مع امكانياتها والارضية الجغرافية ـ الاجتماعية (الجيوسسيولوجية) التي ستمارس فوقها فعاليتها العسكرية, فتتخذ من حرب العصابات معتقدا استراتيجيا لها بكل ما يترتب على تقنيته العملياتية من تفاصيل ومناورات, او قد تتبع معتقد الحرب النظامية, او حرب الشوارع, او حرب الاستنزاف عن طريق مهاجمة القواعد العسكرية للدولة المحتلة. ويختلف المعتقد الاستراتيجي لدى الدولة عنه لدى المنظمات والجيوش الثورية فتتخذ بعض الدول من الردع معتقدا استراتيجيا لها وذلك عن طريق التفوق في التسلح على الدولة الخصم بحيث تمنعها من القيام بأي عدوان دون ان يقترن هذا الردع بأي مواجهة عسكرية. والمعتقد الاستراتيجي لاية دولة لا يكون ثابتا وانما يكون خاضعا لحالات خاصة من التغير وفقا لعوامل عديدة ومتنوعة, كالتطور التكنولوجي وتصاعد الامكانية الاقتصادية او تطور الطاقة التسليحية للعدو واتباعه لاستراتيجية جديدة في الحرب والمقاومة والردع. فمثلا نرى ان المعتقد الاستراتيجي للولايات المتحدة, كان قائما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) على الاستراتيجية المسماة بـ (توازن الرعب) او (الرعب المتوازن), ولم يتغير هذا المعتقد الا في عام 1982, فبعد ان كانت الولايات المتحدة تتوخى تصعيد كفاءتها العسكرية بالمستوى نفسه الموازي لكفاءة الاتحاد السوفييتي, اصبحت منذ العام 1982 تعتمد على التفوق النووي على الاتحاد السوفييتي عبر التطوير التقني المتقدم لمواجهة الصواريخ النووية السوفييتية. وقد جاءت (مبادرة الدفاع الاستراتيجي) التي اعلنها الرئيس الامريكي رونالد ريجان والقاضية بتدمير الصواريخ النووية السوفييتية داخل الفضاء وقبل سقوطها على اهدافها في داخل الولايات المتحدة, لتغير الموازين الاستراتيجية السابقة. فهذا المنحى الجديد في المواجهة النووية, ينجي الولايات المتحدة من خطر التدمير النووي السوفييتي, ويجعل امريكا قادرة على ضرب المراكز الاستراتيجية والمدنية المهمة داخل الاتحاد السوفييتي دون التعرض الى ردع نووي فعال ومدمر من قبل الخصم. ان هذا التطور التقني الهام في مجال الاسلحة النووية, دفع الولايات المتحدة الى تغيير معتقدها الاستراتيجي العسكري مقترنا بميزانيتها الاقتصادية التسليحية الخاصة بمثل هذا النوع من المواجهة النووية المتطورة. وان هذا المعتقد الاستراتيجي الجديد يرتبط جوهريا وبالضرورة بتغيير الخطط العسكرية ومنظومات الدفاع والهجوم اي انه طرح تصورا جديدا للدفاع عن الأمن القومي ومواجهة التحدي العسكري الاكثر اولوية المتأتي من الاتحاد السوفييتي كخصم استراتيجي اول. وقد فرض هذا الاسلوب المتقدم في تقنية الحرب النووية, على الاتحاد السوفييتي حتمية اعادة النظر بمعتقده الاستراتيجي السابق من اجل خلق منظومة نووية للدفاع وللهجوم باستطاعتها ان تمتلك فعالية متفوقة على التقدم الامريكي في مجال الصواريخ النووية المعترضة وتحقق نوعا جديدا من التوازن المرتكز على قدرة الطرفين على الردع النووي وتدمير العدو بالمستوى نفسه على الاقل او التفوق عليه نوويا كهدف استراتيجي نهائي. وحتى يكون الاتحاد السوفييتي في مستوى هذا الهدف, فان (مبادرة الدفاع الاستراتيجي) التي اعلنها الرئيس ريجان تتطلب بأن يغير السوفييت ايضا معتقدهم الاستراتيجي من ناحية طريقة تكوين منظوماتهم العسكرية النووية, والميزانية الاقتصادية المخصصة لها والبرنامج السوفييتي في مضمار الصناعة الحربية بحيث يستمر في مستوى التفوق النووي على الولايات المتحدة مع قدرته على تدمير المدن الامريكية المهمة حتى في الحالة التي تكون فيها الولايات المتحدة هي الموجهة للضربة الاولى. ومع تفكك الاتحاد السوفييتي وتغير الموازين كان لابد للاستراتيجية الامريكية ان تتغير لمواكبة التطورات الدولية التي افرزت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد وهيمنة القطبية الاحادية. ولقد تطور مفهوم المعتقد الاستراتيجي من دلالته العسكرية المحضة الى دلالة سياسية, فأصبح يقصد به ايضا الايديولوجية الفكرية الاكثر اهمية وتأثيرا داخل حدود جغرافية ـ سياسية ما (جيوبوليتيكية), بحيث تستطيع هذه الايديولوجية التحكم بالواقع السياسي ـ الاجتماعي لبلد او جماعة بشرية معينة, وتلعب دورا اساسيا في صياغة ضمير الجماعة او فكرها الذي يواجه جماعة متحدية لها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات