من الملف السياسي: اتجاهات النمو السكاني تستجيب لعمليات الضبط والتحكم الطوعية والقسرية معا، بقلم فؤاد زيدان

صندوق الأمم المتحدة للسكان هو الجهة الدولية الأكثر انشغالا بمتابعة (الكتلة البشرية) في العالم وحركتها واحتمالاتها, وقد أصدر مؤخرا تقريرا شاملا عن حالة سكان العالم عام1999, واختار له عنوانا فيه غموض وفيه اثارة ويتضمن احتمالات متعددة بقدر زوايا النظر إلى هذا العنوان:6مليارات: حان أوان الاختيار . ورقم الـ 6 مليارات بحد ذاته يشكل حال النظر إليه (صدمة) للمتلقي, وقبل ان يصحو من ذهوله وهو يتخيل هذه المليارات تتزاحم فوق سطح الكرة الأرضية يقرعه التقرير بعبارة (حان أوان الاختيار) . ولكن أي اختيار هو المطلوب؟ وهل هناك قائمة واسعة من الاختيارات يستطيع المتلقي (سواء كان فردا أو دولة أو مؤسسة) ان يمد يديه إلى هذه القائمة ليلتقط منها (الحل الناجع) و (الترياق الشافي) ؟ ثم من هو الذي يختار أو يستطيع الاختيار, أهو انسان عالم الشمال المكتفي فكريا ومعيشيا والباحث عن الرفاهية, أم ابن الجنوب الذي لا ندري ان كان من حقه (بالمعايير السائدة) ان يحمل صفة (انسان) وهو لا يأمن على غذاء اليوم والغد لأطفاله, ويحلم بالأمن, ويسمع أو يتطلع إلى العلم والمعرفة وعالم المعلومات المعاصر والرعاية الصحية والخدمية؟. أي اختيار, ومن يختار؟ تلك هي المشكلة الكبرى في مشكلات السكان وفي قضية الحياة نفسها, على هذه الأرض, فكيف يتعامل تقرير حالة سكان العالم الذي أثار السؤال المحمل بالشجون مع قضية الاختيار؟ مؤشرات حول التوزيع لا حاجة إلى تكرار الاحصائيات التي يزخر بها هذا الملف, لكن من الضروري التوقف عند المؤشرات الاكثر دلالة. فاذا كان عدد سكان العالم قد تضاعف خلال 30 سنة منذ عام ,1960 ليصل إلى 6 مليارات نسمة عام ,1999 الا ان معدل النمو السكاني تباطأ من 2.4 إلى 1.3 خلال الفترة نفسها, وان الانحدار بهذا المعدل متواصل بسرعة تنسجم مع طموحات (اصحاب القرار) إلى (وقف النمو السكاني عند 7.25 مليارات نسمة في زمن لا يتجاوز عام 2015) وهو الهدف الذي رسمه لنفسه (مؤتمر السكان) الدولي الذي انعقد في القاهرة عام 1994. واذا كان مما يقلق واضعي التقرير ان سكان العالم مازال يتزايد بمعدل 78 مليون نسمة سنويا, ففي الجانب المقابل نجح التعامل العالمي مع المشكلة السكانية في تحقيق اكثر, مما طمح اليه في البلدان النامية, ففي تقرير (الدكتورة نفيس صادق المديرة التنفيذية لصندوق الامم المتحدة للسكان عن وضع سكان العالم عام 1991 كان الطموح هو تخفيض معدلات الخصوبة في البلدان النامية من 3.8 في تلك السنة إلى 3.3 بحلول عام 2000 لكن حالة سكان العالم للسنة الجارية تؤكد انه تم تجاوز هذا الهدف, حيث انخفض معدل الخصوبة في البلدان النامية إلى ما دون 3 اطفال, ومن المتوقع كما يقول التقرير ان تنخفض الخصوبة إلى اقل من 2.1 عام 2045. لكن رقم 2.1 الذي يتوقعه التقرير هو بالتأكيد اعلى مما سيتحقق في الدول النامية اذا استمرت المسارات الراهنة سكانيا وعلميا واقتصاديا واجتماعيا في العالم الثالث, وقد لا يكون غريبا ان يتحول النمو في العالم الثالث (وليس معدل الخصوبة فقط) إلى رقم سالب اذا استمرت اوضاع العالم على ما هي عليه الان, وأمامنا نموذج حي من التقرير نفسه يدعم هذا التصور. يؤكد تقرير عام 1999 انه في 29 بلدا افريقيا, يقل حاليا متوسط العمر المتوقع عند الميلاد بمقدار 7 سنوات عما كان متوقعا لو لم ينتشر وباء (الايدز) , ففي بوتسوانا (يصيب الفيروس واحدا من بين كل اربعة بالغين, وقد انخفض العمر المتوقع فيها من 61 سنة اواخر الثمانينات الى 47 سنة اليوم, وينتظر الى ينخفض الى 38 سنة في الفترة 2005 ـ 2010) ليسجل بذلك رقما لايقارن الا مع أبأس الاحقاب التي شهدتها الانسانية وليس مع عصر اواخر القرن العشرين بكل التقدم العلمي والتقني والالفية الثالثة المنفتحة على تسارع مذهل في الاختراعات والتقدم العلمي. كما اوضح التقرير ان دراسة اجراها صندوق الامم المتحدة للسكان عام 1997 حول الازمة المالية في جنوب شرق آسيا اوضحت ان الملايين من السكان هناك اندفعوا الى (هاوية الفقر التي وضعتهم في محنة شديدة) وان مانتج عن ذلك من تقلص في البرامج الاجتماعية قد خلق آثارا حادة, خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة وصحتها الانجابية (وقد تقلصت على سبيل المثال انشطة تحسين الصحة والخدمات الطبية, بما في ذلك برامج الوقاية من فيروس نقص المناعة والامراض الاخرى وامكانيات معالجتها) !! ولنلاحظ ان هذه (المتغيرات المأساوية) تحدث في (اسرع المناطق نموا سكانيا) وهي افريقيا جنوب الصحراء واجزاء من جنوب آسيا, ولاندري ما الذي تخبئه الاقدار ايضا لمنطقة (غربي آسيا) التي تعتبر من هذه المناطق الاسرع نموا, حيث يطفو الآن الركود وانخفاض معدلات التنمية وازمات الصحة والمياه, فضلا عن الحصارات الدولية الخانقة والحروب الاقليمية والاهلية التي تحصد زهرة الشباب, وماوراء ذلك مما تخبئه المنعطفات القريبة الاخطر !! علما بان هذه المنطقة التي هي (غربي اسيا) والتي تضم شطرا من الوطن العربي والعالم الاسلامي تملك احدى اهم واغلى الثروات الاستراتيجية في تاريخ البشرية, وهي النفط الذي كان سببا في حروب وآلام كثيرة بدل ان يزرع الحياة في المنطقة بكل مقومات النهضة والتنمية المستدامة.. لان المهيمنين على النظام الدولي يسعون دائما الى التحكم بالصنبور والاسعار وحتى اتجاهات الاستثمار ومستوى التقدم والتنمية. تناقضات وتساؤلات يمكن القول دون مغامرة او مبالغة انه لم يعد هناك من مبرر للقلق الشديد من التزايد المتسارع في اعداد سكان العالم, فاتجاهات النمو السكاني تستجيب لعمليات الضبط والتحكم الطوعية والقسرية معا. واذا كان العالم المتقدم وصل الى مرحلة (التناقض) او (الزيادة السلبية) في عدد السكان, مما يدفع بعض دوله الان الى اتباع سياسات تشجيع النسل للحفاظ على عدد السكان, فإن معظم دول العالم الثالث تستجيب, وبشكل مبالغ فيه, وطوعا او قسرا لتوصيات وضغوط برامج السكان الدولية التي تدعمها مؤسسات الامم المتحدة والقوى الكبرى المهيمنة على العالم. وقد بات ثابتا ايضا ان فساد البيئة الناجم عن نمط واختيارات الدول المتقدمة في تحقيق التنمية يؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا على النمو السكاني العالمي, وان حجم التلوث الكيميائي والذري والامطار الحامضية.. وغيرها. ادت كما تؤكد دراسات كثيرة جادة الى انخفاض القدرة على الانجاب في العالم كله بمعدل يزيد عن 50% . كما ان الاختلال المتعاظم في توزيع الثروة بين الشمال والجنوب وروح الانانية الشديدة التي تسيطر على القوى الكبرى القابضة على معظم ثروة الارض تزيد من تفاقم مصاعب الحياة وتنعكس تناقضات وصراعات مكلفة بين (الكبار) انفسهم من جهة, وحروبا مدمرة من قبل الكبار ضد دول العالم النامية من ناحية, وبين هذه الدول الفقيرة وبعضها بعضا.. ومن أخطر ماشهده عقد التسعينات غض البصر العالمي عن المذابح التي وصلت إلى الملايين كما حدث في افريقيا, وخاصة منطقة البحيرات او انفتاح شهية التدمير التي لاتعرف الحدود كما يحدث ضد العراق على سبيل المثال. اختلالات تنموية اما ما يحدث على صعيد الاختلالات التنموية ومعالجة القضايا السكانية فيمكن الرجوع فيه إلى شهادات مهمة للمفكر الامريكي الشهير (بول كنيدي) وردت في مقال وزعته وكالة الاعلام الامريكية عام 1994, واخذته عنها كل من جريدة السفير اللبنانية وملف (معلومات السكان والتنمية الصادر عن (المركز العربي للمعلومات ـ العدد 13) في السنة نفسها. في مقاله المعنون (مالتوس على خطأ) يلاحظ بول كنيدي أنه: (في عالم التكنولوجيا والديموجرافيا في القرن العشرين مازلنا نعيش الانفجارين: انفجار المعرفة والعلوم والتقدم التكنولوجي الهائل, وانفجار زيادة السكان. ولكن الفرق اليوم هو انه لم يعد هناك تداخل جغرافي العديد من مناطق العالم كما كان عليه الامر في السابق, فالانفجار التكنولوجي يحصل في جزء من كوكبنا والانفجار السكاني يحصل في الجزء الآخر) . ويؤكد كنيدي ان (بعض تكنولوجيتنا الجديدة تفاقم ازمة عالمنا بدلا من المساعدة في حلها, ولأننا الآن ننتج حاجياتنا في مختبرات التكنولوجيا الحيوية فإننا نستغني عن الموارد الأولية الغذائية في العالم النامي) ... ويمكن ان نضيف إلى ما قاله كنيدي إن الدول المتقدمة تتعمد إلى كبح جماح التنمية في عديد من دول العالم إذا ما خرجت عن النموذج الغربي أو شكلت تهديدا محتملا للهيمنة الغربية على العالم. ويذكر كنيدي الدول المتقدمة بأنها تعهدت في عام 1970 بتقديم 0.7% سنويا من دخلها القومي لدعم التنمية في العالم, لكن معظمها لم يف بالتزاماته, وان الولايات المتحدة لا تقدم أكثر من 0.2% من ناتجها المحلي العام. ثم يتحدث كنيدي عن حجم التناقض في سلوك المؤسسات الدولية الخاضعة للهيمنة الغربية, فيروي على لسان وزير افريقي (عندما اتى ممثلو صندوق التنمية التابع للامم المتحدة الينا قالوا اننا نحتاج الى استثمارات اكبر في قطاع رعاية الاطفال وفي المرافق الطبية وفي تعزيز دور المرأة وفي تحسين فرص تعليم المرأة وفي تأمين البنية التحتية الاساسية.. وبعد اسبوعين من ذلك زارنا احد الاقتصاديين من البنك الدولي وقال انه يجب علينا ان نخفض انفاقنا الحكومي بغية زيادة معدلات الادخار لتكون بلادنا جذابة للمستثمرين الدوليين. اي هذه الحلول تريدها الامم المتحدة, واحدها يناقض الاخر؟!) لكن ما لم يقله (بول كنيدي) ان سياسات صندوق النقد الدولي مازالت حتى الان غير مشغولة إلا بالهيمنة على ميزانيات واقتصاديات العالم النامي واخضاعها لسيطرة الدول المتقدمة, وتحويل العالم النامي الى مجرد (بقرة حلوب) تدفع الديون وفوائد الديون التي قد تزيد عن دخلها القومي, كما عليها ان تدبر اثمانا لأسلحة تدمر بها بعضها البعض, وان تندمج هيكليا بالاقتصاديات الغربية وتقبل ما يرسم لها لا ما يحقق مصالحها. وتكون المحصلة ان الاغلبية السكانية الفقيرة في العالم والتي تضم 4.8 مليارات نسمة من اصل المليارات الستة تعاني الفقر والحاجة, حيث تقول بيانات التقرير ان مليار نسمة من هؤلاء محرومون من جميع الاحتياجات الاساسية, وان 60% من اجمالي سكان الدول النامية يفتقرون للمرافق الصحية, وثلثهم لا يحصلون على المياه النظيفة, وربعهم محرومون من الاسكان اللائق, وخمسهم لا يملكون حتى القدرة على الوصول الى الخدمات الصحية, و20% من اطفالهم لا يستمرون في مقاعد الدراسة!! ان مشكلة العصر انهم يتعاملون مع الانسان كسلعة ومشكلة وفم مفتوح وليس كمخلوق كرمه الله على العالمين, وان ما يشغلهم هو هجرة فقراء الجنوب الى الشمال.. او صحوة ابن الجنوب ومطالبته بالمساواة الكاملة والحقوق نفسها التي يحظى بها (اخوه) الانسان في الدول المتقدمة!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات