من الملف السياسي: في ظل شعاراتها البراقة لحماية الديمقراطية، مستقبل حقوق الانسان في الولايات المتحدة، بقلم د. جمال المجايدة

على الرغم من شعاراتها البراقة لحماية الديمقراطية وحقوق الانسان لا تزال الولايات المتحدة الامريكية تمارس سياسات ذات معايير مزدوجة ازاء هذه القضية المثيرة للجدل. ففي الوقت الذي ينتقد فيه المسؤولون الامريكيون انتهاكات حقوق الانسان في الصين وكوريا الشمالية وكوبا والسودان وليبيا والعراق وسوريا نرى انهم يغضون الطرف عن انتهاكات حقوق الانسان في اسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية وتركيا وغيرها من الدول التي تدين بالولاء للسياسة الامريكية. قبل سقوط الاتحاد السوفييتي بسنوات تزعم الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان حملة شرسة ضد الاتحاد السوفييتي بحجة قيادته للإرهاب العالمي, وبعد سقوط الاتحاد المذكور في العام 1990 لم تعد واشنطن تتحدث عن انتهاكات حقوق الانسان في روسيا الاتحادية ولاعن الانتهاكات المتواصلة للأجهزة الروسية ضد اعضاء المعارضة والتيارات السياسية والدينية الاخرى, بل راحت تساند الرئيس يلتسين في قمعه للمعارضة الروسية بحجة حماية الديمقراطية والتي بلغت ذورتها بقصف البرلمان الروسي بالدبابات! الامثلة التي أوردناها في هذا السياق هي بمثابة دلائل عملية على سياسة المعايير المزدوجة أو الكيل بمكيالين, بمعنى أن الانظمة الحليفة للولايات المتحدة الامريكية هي انظمة ديمقراطية مثالية حتى ولو سحقت ملايين البشر باعتقالهم أو قتلهم أو تجويعهم. والانظمة المعادية للسياسة الأمريكية أو غير المتصالحة معها هي انظمة قمعية استبدادية حتى لو استنفذت كل مواردها وطاقاتها في سبيل حماية حقوق الانسان والسهر على تطبيق القوانين والحريات الفردية والعامة! أمركة العالم لقد أثير هذا الموضوع اكثر من مرة في نقاشات وحوارات اجريناها مع مسؤولين امريكيين سياسيين ودبلوماسيين وعسكريين, الاجابات دائما تأتي متقاطعة لإنه لا أحد يملك حق التصريح بان الولايات المتحدة الامريكية دولة عظمى تمارس انتهاكات حقوق الانسان وتنتهك الحريات العامة وتحطم المبادىء التي قامت عليها الديمقراطية. يقول روزفلت الرئىس الامريكي الراحل (ان قدرنا هو أمركة العالم, تكلموا بهدوء واحملوا عصا غليظة, عندئذ يمكن ان تتوغلوا بعيدا!! هذه المقولة التي مضى عليها اكثر من نصف قرن لاتزال ماثلة امام اعين كل مسؤول وصانع قرار في الولايات المتحدة الامريكية من اجل تكريس الهيمنة الامريكية على العالم من جهة وفي محاولة لمحو الصورة الامبريالية للولايات المتحدة من جهة اخرى. ولذلك نجد أن الولايات المتحدة تمارس حتى الان سياسة العقاب الجماعي ضد كل الدول والشعوب التي لم تتصالح مع منطق الهيمنة الأمريكية, وتغدق الهبات والدعم على الدول والشعوب التي تحالفت أو التي لم تتصادم معها, فالولايات المتحدة اليوم لم تتفوه بكلمة واحدة ضد تركيا التي تنتهك ـ حسب تقارير منظمة العفو الدولية ـ حقوق الانسان وذلك بسبب الدور الذي تلعبه القيادة العسكرية التركية داخل الحلف الأطلسي وتطور التحالف العسكري التركي ـ الاسرائيلي ولذلك لم تنتقد واشنطن انتهاك جنرالات الجيش التركي لنتائج الانتخابات التشريعية في تركيا وتدخلهم لممنع الأحزاب الاسلامية من المشاركة في الحياة النيابية على الرغم من حصولهم على أصوات عالية في صناديق الانتخابات. ولم يصدر عن الولايات المتحدة طيلة نصف قرن مضى على تأسيس دولة اسرائيل العنصرية فوق أرض فلسطين العربية في 15 مايو 1948 أي إدانة للارهاب الاسرائيلي المتكرر ضد الشعوب العربية في فلسطين والدول المجاورة. فاسرائيل التي ارتكبت مذبحة الدوايمة عام 1948 ومجزرة نحالين 1954 ومجزرة كفر قاسم 1956 ومجزرة وادي الغار 1955 ومجزرة بلدة الشيخ ومجزرة خان يونس 1956 ومجزرة دير ياسين 1948 ومجزرة قبية 1953 ومجزرة المسجد الأقصى 1990 ومجزرة جامعة الخليل ومجزرة الحرم الابراهيمي 1994 ومجزرة قانا في لبنان ,1997 كانت تكافأ دائماً من الولايات المتحدة بمزيد من الدعم العسكري والاقتصادي والمالي والسياسي, وفي أعقاب كل مذبحة اسرائيلية ضد العرب تقوم وسائل الاعلام الأمريكية بالترويج لاسرائيل العنصرية على أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط, وتصفها بأنها (الواحة) المحاصرة بمحيط من الأعداء. كما أن الولايات المتحدة التي لاتزال تضع منظمة التحرير الفلسطينية على قائمة الارهاب لم تنتقد ممارسات بعض أجهزة السلطة الفلسطينية التي تعتقل المواطنين بدون تهم محددة أو بدون محاكمة, فهل لان السلطة وافقت على أوسلو وتوابعها وواي ريفر وكل ما تلاها من طروحات أمريكية تظل سلطة فوق النقد وفوق القانون؟ وربما لهذا السبب لم تعر السلطة الفلسطينية اهتماماً بمسألة انشاء نظام قضائي نزيه في مناطقها حتى الان. صورة مظلمة من الداخل: حتى في الولايات المتحدة الأمريكية تبدو الصورة مظلمة وكثيفة ازاء مسألة الحريات وحقوق الانسان. أذ يشير تقرير دولي للأمم المتحدة نشر في نيويورك يوم 17/3/99_ث الى ان أوضاع المسلمين في الولايات المتحدة غير مرضية. وقال معد التقرير عبدالفتاح عمرو من تونس ان هناك عددا من موظفي الادارة الامريكية وضعوا عراقيل أمام عمله خلال مهمة قام به في الولايات المتحدة بين 22 يناير و6 فبراير 1999, وأشار الى انها المرة الاولى التي يصطدم فيها بهذا القدر من العراقيل رغم انه سبق وأن زار دولا مثل الصين وباكستان والهند والسودان. خلاصة ما قاله هذا الموظف الدولي التابع للأمم المتحدة هو ان الولايات المتحدة تريد دائما اعطاء الدروس الى الخارج وترفض الانتقادات بشأن الوضع الداخلي, وهذا يعني صراحة ان الولايات المتحدة ملتزمة بحقوق الانسان شكليا على الصعيد الدولي أو على الصعيد الداخلي. ويشير كتاب (500 عام من السجون في أمريكا) الى ان الولايات المتحدة هي بلد المتناقضات بامتياز وهي اكبر بلاد العالم انتهاكا لحقوق الانسان. هذا الكتاب الذي ألفه الكاتب سكوت كريستياتسون ونشرته (نورث استيرن يونيفرسيتي) الأمريكية يشخص ظاهرة انتهاكات حقوق الانسان في الولايات المتحدة ويركز على ظاهرة زيادة عدد المسجونين في امريكا والتي باتت من اكثر الملامح الرئيسية للمجتمع الامريكي المتناقض واعتبر الكاتب ان امركيا تعد ثاني اكبر دولة في العالم بعد روسيا تضع أكبر عدد من مواطنيها وراء القضبان الحديدية. أكبر سجن في العالم الا ان احصاءات جديدة لوزارة العدل الامريكية نشرت يوم 14/3/1999 وذكرت ان عدد السجناء في السجون الامريكية زاد عن الضعف خلال الاثني عشر عاما الماضية ووصل الى اعلى مستوى له في العام الماضي, وحسب الاحصاءات كان في المعتقلات الامريكية في منتصف العام 1998 نحو 1.800 مليون سجين مقارنة مع 744.208 سجناء في نهاية عام 1985 وكان هناك 668 سجينا لكل مئة الف مقيم منذ يونيو 1998 مقارنة مع 313 سجينا لكل مائة الف شخص عام 1985. هذا الارتفاع الكبير في عدد المعتقلين داخل السجون الامريكية يعني ان الولايات المتحدة تتجه الى التفوق على روسيا في مجال الدول التي تضم اعلى نسبة من السجناء في العالم. ويقول مؤلف كتاب (500 عام من السجون في أمريكا) ان الاطفال السود في الاحياء الفقيرة بولايات الجنوب الامريكي يعيشون بدون آباء أو شقيق أكبر لأنهم داخل السجون ولذلك يدفع الاطفال ثمنا اجتماعيا باهظا يتمثل في الحرمان وفقدان الحنان ولذلك فإنه يرى ان زيادة عدد المسجونين في الولايات المتحدة لا تزال ظاهرة قبيحة مستمرة ووصمة عار على جبين المجتمع الأمريكي الذي يتباهى بالتحضر والحريات الشخصية والعامة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات