من الملف السياسي: هل كان مكيافلي مكيافليا؟!محاولة للفهم..لا لتحسين السمعة، بقلم محمد وقيع الله

لكثرة ما ذاع مفهوم المكيافلية بين الناس, فان المحاججة تصبح صعبة باتجاه اثبات العكس.. أي اثبات ان مكيافلي, صاحب الاسم نفسه, لم يكن مكيافليا, بالنحو الذي تفهم به المكيافلية اليوم..كتابه(الامير)كتاب صغير الحجم, يحتوي على مادة شيقة, تبحر بالقارئ في خضم التاريخ, وتستخرج دروسا بليغة منه. تيسّر فهم السياسة, وادراك اسرار صناعة قراراتها, ولكن الكتاب مع ذلك, قلما يحظى بقراء جادين يسعون لتدبره في هذا الزمان .. معظم دارسي الفلسفة والسياسة يكتفون بقراءة مكيافلي في سياقه التاريخي الذي تضعه فيه ملخصات كتب الفلسفة والعلوم السياسية. اما عامة المثقفين فقد اكتفوا بفهم المعنى الاصطلاحي المشتق من اسمه, والجاري مثلا بين الناس, لوصف بعض انماط السلوك الانتهازي النفعي الذميم. انتهازي أم مبدئي؟ ان افتراضنا اليوم يقوم على ان مكيافلي لم يكن مكيافليا كما يظن الناس.. اي انه لم يكن (نفعيا) (انتهازيا) , وانما كان (مثاليا) (مبدئيا) صميما, يهدف الى تمثل وتحقيق مبادئ وقيم واهداف الناس القومية العليا, ويروم خيرهم, كما يتصوره هو, لا كما يتصورونه هم, بكل سبيل! صحيح ان مكيافلى برر استخدام كثير من الفظائع, بل دعا, وحرض على ارتكاب كثير منها, ولكن ذلك التبرير والتحريض لم يكونا مبذولين لكل من يريد ان يرتكب تلك الفظائع, ولا لكل من يتذرع بكل وسيلة, للوصول لاية غاية, انما يبذل ذلك فقط للحاكم القوي, المرجو لتحقيق منافع عظمى, مثل تحقيق الاستقرار, وبناء الوحدة الوطنية, وتوطيد اسس التنمية والعمران.. اما الحاكم الضعيف العاجز, فلا يبيح له مكيافلى ارتكاب اي اخطاء, ولا الجنوح لاي تعد او ارهاب. كان مكيافلى رجلا وطنيا, يتأجج بالوطنية, ويغلبه الحرص على مصالح امته, وكان يؤرقه النظر الى تناحر الوحدات الاساسية الخمس بإيطاليا: (نابلي, وروما, والبندقية, وفلورنسا, وميلانو) , ويأسى لما يشاهده من احتراب وتآكل, في حين كانت الدول الاخرى كفرنسا والمانيا تشهد آيات التوحد والاستقرار والازدهار. دفعه ذلك لتقصي اسباب حيازة الدول للوحدة والقوة. وكان مدخله لذلك فلسفة التاريخ وهكذا دلف الى جماعة من المؤرخين الغابرين, واغتذى من تأملاتهم, ودوّن خلاصات من تلك التأملات في كتاب (الأمير) الذي يقول انه درس فيه موضوع القوة جميعه, بأقصى ما يستطيع من العناية والاتقان, وقد كان كتابه متقنا فعلا, لانه كان خلاصة شديدة التركيز لما تناثر في بطون كتب المؤرخين وفلاسفة التاريخ. ابرز ما استقصى مكيافلي من دروس التاريخ كانت قصة الراهب (سافونارولا) الذي وحد ممالك ايطاليا وحدة هشة, وحكمها باللين واللطف والتسامح, فكان مصير تلك الوحدة الانهيار السريع. لذا دعا مكيافلي, الى بروز زعيم ايطالي جديد, على غير تلك الشاكلة, زعيم مهاب, معروف بالبطش, يستطيع بقوته ان يحافظ على وحدة ايطاليا, ويرهب كل من يفكر في تقويضها ابتداء. فكرة البعث الايطالي, او بعث الدول المتناحرة والمندحرة, وتوحيدها, جوهر ما اعتنى به مكيافلي. وهنا فقط اباح للحاكم استخدام وسائل شائنة, ولكنه لم يقل مطلقا ان (الغاية تبرر الوسيلة) كما ينسب اليه. ولم يبح للحاكم ان يستخدم سائر الوسائل الشائنة حتى في سبيل تلك الغاية الاسمى. انه بالمقابل نصح بقوة وصراحة بعدم استخدام بعض الوسائل مهما تكن الغايات المرجوة من ورائها فقد اوصى الحاكم مثلا الا يطمع في مصادرة ممتلكات مواطنيه, لان ذلك وإن كان في مصلحة الحاكم, الا انه لا يكون في مصلحة الدولة.. (ان الانسان اسرع الى ان يغفر مقتل والده, منه الى الصفح عن مصادرة ميراثه عنه) , هذه هي احدى نصائح مكيافلي للحكام.. فالحاكم الفطن قد يقتل, ولكنه لا ينهب, وان قتل فإنما يقتل لتوفير الامن ولرعاية املاك الناس وارواحهم, فالغرض من البطش هو المحافظة على القوة السياسية وزيادتها, والمعيار الذي يقوم به هو مدى نجاحه في تحقيق تلك الغاية, لا مدى نجاحه في ارعاب وارهاب الناس, او تمكين الحاكم في كرسي الحكم. افساد الناس وتوهين قواهم الروحية والوطنية لم يكن ينسجم مع افكار مكيافلي, فقيم البساطة, والطهر, والولاء, والأمانة, والجلد, والمثابرة في اداء الواجبات, قيم لا يجوز التضحية بها لاي غاية من الغايات, مهما سمت.. غريب جدا ان مكيافلي كان يؤمن بالديمقراطية والقيم التي تتطلبها, وتستتبعها. وقد لا يبدو ذلك واضحا في (الأمير) , انما في كتب اخرى كـ: (المطارحات) حيث يشير صراحة الى ان حكومة الجماهير, التي نالت حظا طيبا من التعليم, وحكمت بقوانين صالحة, هي افضل من حكومة الحاكم المستبد, حتى ولو كان متقيدا بالقوانين, وحيث يؤكد ان حكم الجماعة يمكنه اجراء التغييرات المطلوبة, والتواؤم مع الظروف المتبدلة, اكثر من حكم الفرد, وحيث ينادي بالدستور المختلط مثلما نادى به من قبل افلاطون في (القوانين) وارسطو في (السياسة) وشيشرون في (الجمهورية) , ومثلما نادى به من بعد فلاسفة كثر خلال وبعد عصر النهضة الاوروبية. لا يضحي بالفضائل هنالك فضائل كثيرة يدعو مكيافلي الى المحافظة عليها وعدم التضحية بها, وهي ما يسمى اليوم بالفضائل او الاخلاق المدنية او الاجتماعية. لانها تتصل بأداء الدولة وترقيها في مضمار الحضارة, فذلك هو الهدف الذي كتب من اجله كتاب (الامير) كان مكيافلي يلاحظ ان مجتمعه قد وصل الى درجة رقي حضاري هائلة, من حيث لا يتصل الامر بالدولة او النظام السياسي, ففي ذلك العصر بالذات كانت ايطاليا عامة, وفلورنسا خاصة, مركز اشعاع للعلم والفن, على مدى اوروبا كلها, حيث برز العباقرة الافذاذ من امثال يوبتشللي, ومايكل انجلو, وليوناردو دافنشي وغيرهم, ولم يبق الا ان يبرز عباقرة جهابذة امثالهم, على الصعيد السياسي, لتقف ايطاليا على قدميها ولتواصل مشوارا للنمو الصحي.. وهكذا كان مكيافلي حريصا على ذلك الرصيد الحضاري العلمي الفني الادبي, وضنينا على التضحية به في سبيل غايات الحكام.. واذا اباح مكيافلي القسوة للحكام, فانه لم يبح ذلك لاتباعهم من الوزراء والموظفين وعموم الرعية. وهو عموما لم يكن يخاطب هؤلاء, انما كتب كتابه اساسا للحاكم وللحاكم فقط. وكتب في اهدائه اليه تلك العبارة الطريفة: (ان الذي يستطيع تصوير ورسم الجبل الشامخ, هو الواقف في السهل. ولذلك فان فهم الشعب يقتضي ان يكون الانسان اميرا, وفهم طبيعة الامراء يستلزم ان يكون الانسان مواطنا عادياً وهكذا فانني وان كنت من غمار الشعب, ولست في العير ولا في النفير, فانني جدير بتقديم هذه الوصايا والدروس اليك) .. ان المواطنين غير معنيين بنصائح مكيافلي, ولذلك فلا يحق لهم ما يحق للحكام, فلا يحق لهم ان يستخدموا القسوة, واساليب البطش, ولا ان يتجاوزوا القانون, ولا ان يسعوا لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب الاخرين, بل انه يشدد على الحاكم ان يفرض على المواطنين القوانين اللازمة, يهدف الزامهم برعاية المصلحة العامة, والامتناع عن الاساليب الخسيسة, كما يدعو لتصميم دستور يمنع ظهور اي مراكز قوة او جماعات ضغط بالتعبير الحديث! لان ظهور مثل تلك القوى من شأنه ان يؤدي الى هدم التوازن الذي تقوم عليه الدولة, وكان لا يملّ التذكير بان حماية الحرية يلزمها الحذر الدائم والعمل على ضرب نذر الفساد والفوضى, قبل ان تذر قرنها في المجتمع. من هذه الناحية لم يكن لغلظة مكيافلي من حدود, فهو يعترض على اراء المفكر الروماني (سنيكا) القائل بان الحاكم ينبغي الا يستخدم الشدة, الا عندما يطفح الفساد في الارض وتبرز الاخطاء الجسيمة, التي تهدد امن المجتمع, وفي رأى مكيافلي فان ذلك فهم مغلوط للامور, فعلى الحاكم ان يبدأ عهده باطشا, لان الشر طبيعة في النفس الانسانية, ولا يجدر بالحاكم ان ينتظر حتى تتعرى طبيعة البشر عن الشر, وانما ان يبادر بردع الناس عنه, فيبدي بأسا شديدا, بصب دفعة عنيفة من الفظاعة, لتصبح امثولة واحدوثة, تكفي لردع الناس الى مدى طويل وهو يفصل في ذلك تفصيلات سخيفة ويتحدث عن كيفية ايقاع الاذى بطريقة بارعة.. كما يقول, ولكنه لا يقصد بذلك الا الى مجرد حسم الشر والفساد. وكتاب (الامير) كان موجها للحاكم الذي ينشىء دولة جديدة, وليس لكل الحكام كما يظن البعض, ولذلك فهو يريد ان يحسم مادة التحلل والافساد, منذ اول عهد نشأة الدولة والنظام السياسي, حتى لا تصبح مكافحة الفساد برنامجا يشغل ذلك الحاكم المبتدىء طويلا. الفساد ظل موضع محاربة مكيافلي بلا هوادة, اما الفساد الاكبر المتمثل في الخيانة الوطنية, فقد كان ذلك عنده بمثابة الشرك او الكفر الاعظم, وهو على اية حال لم يكن يعترف الا بالوطن وحسب. لذا فان من اخطأ الخطأ ان ينسب من يبيعون اوطانهم, او يفرطون في مصالحها, الى مكيافلىي, او ان يوصفوا بالمكيافلية. فالمكيافلية بهذا الشكل, ليست مشتقة من اسم مكيافلى على الاطلاق. كان مكيافلي يقدس وطنه, واقام على اساس حمايته, وخدمته, جل فلسفته.. اما من يوصفون بالمكيافلية اليوم, فالوطن هو ارخص شيء لديهم.. وهم على استعداد لبيعه على الفور, او على التقسيط, وبمزادات وتخفيضات هائلة تبخس قيمته الى ادنى حد.. كان مكيافلى يضحى بالكثير من المبادئ الهامة التي كان يراها غير هامة. لاجل مبادئ اخرى يراها في ذروة السنام.. اما هؤلاء فالمبادئ عندهم لغو في لغو, وهم عى استعداد لكي يضربوا بها عرض الحائط في كل حين, والسياسة عندهم لا تتصل ولا تلتقى بثوابت ولا قيم وطنية عليا كتلك التي كرس مكيافلي اخر سنوات عمره من اجل ارسائها. فهل يحق لهم مع ذلك ان ينسبوا اليه ويسموا بالمكيافليين؟! ان مكيافلي برىء حقا من امثال اولئك الذين يوسمون اليوم بالمكيافليين؟.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات