تقرير اخباري: المفاوضات العربية الاسرائيلية.تمنع في اللحظة الاخيرة يفضي الى اتفاق

على الرغم من أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الاسرائيليين والفلسطينيين حول تنفيذ اتفاقية واي ريفر القائمة على صيغة الارض مقابل الامن جاء بعد وقت طويل من المداولات والمحاولات, وعلى الرغم من أن المفاوضات اعترضت سبيلها عقبة في اللحظة الاخيرة تمثلت في قضيتين محل نزاع: إلا أن الاتفاق جاء في نهاية الامر متماشيا مع النمط التقليدي الذي تتسم به عملية السلام في الشرق الاوسط. فطالما اتسمت المفاوضات بين الاسرائيليين والعرب بروح العداء وتكرار التهديد بالانسحاب من المفاوضات والمساومات والمقايضات والتظاهر بشيء أو بآخر. كانت مفاوضات واي الاصلية, والتي جرت في شهر أكتوبر الماضي في واي ريفر بالولايات المتحدة, كادت تنهار في اللحظة الاخيرة حينما هددت إسرائيل بالانسحاب من المفاوضات إذا لم تم الاستجابة لاحد مطالبها. وبينما يؤكد الاسرائيليون الذين شاركوا في تلك المحادثات أن التهديد كان صادقا, قال آخرون أنه كان مجرد سياسة كان الهدف منها الحصول على تنازلات في اللحظة الاخيرة من الجانب الاخر. وربما كان الامر سياسة كما يقولون, غير أن الامر المؤكد هنا أن كل هذا يأتي في إطار تكتيك معتاد ومعروف. ولا جدال أن أشهر مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط, والذي يعد أكثر نجاحا أيضا, هو ذلك الذي جرى في كامب ديفيد بالولايات المتحدة في سبتمبر عام 1978. وكان الرئيس الامريكي جيمي كارتر آنئذ قد جمع بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيجين طيلة ثلاثة عشر يوما من المحادثات المكثفة بالمنتجع الرئاسي بولاية ميريلاند. وقد هدد في ذلك الحين كل من السادات وبيجين بمغادرة كامب ديفيد في عدة مراحل مرت بها المفاوضات, غير أن الاثنين اقتنعا مرة أخرى بترك حقائبهما والعدول عن الرحيل ومواصلة المفاوضات. وتمخضت المفاوضات عن اتفاقية هامة تعهدت إسرائيل بمقتضاها باعادة شبه جزيرة سيناء التي كانت قد احتلتها في حرب عام 1967 إلى مصر, بينما وافقت مصر على التوقيع على معاهدة سلام مع إسرائيل - فيما يعد أول معاهدة سلام بين الدولة العبرية وبلد عربي. وبالطبع كان هناك الكثير من الازمات والتهديدات والمفاوضات المكثفة قبل التوقيع الفعلي على معاهدة السلام في عام ,1979 إلا أن كامب ديفيد كسرت حاجز الجليد فيما يتعلق بمستقبل محادثات السلام بين إسرائيل والعرب. وطال الوقت قبل أن تلي كامب ديفيد معاهدة سلام أخرى, حتى جاء عام 1991 حين تمكن الرئيس الامريكي جورج بوش من الجمع مرة أخرى بين الاسرائيليين والعرب في مدريد في نوفمبر من العام ذاته. وعلى الرغم من أن مؤتمر مدريد لم يسفر عن أي اتفاق إلا أنه أرسى أسس التفاوض (المتوازي) والذي تتم بمقتضاه لقاءات بين المفاوضين الاسرائيليين وكل من الفلسطينيين والاردنيين والسوريين واللبنانيين في ذات الان. غير أن المفاوضات الاشهر على الاطلاق, والتي خرجت من عباءتها مفاوضات واي, هي تلك التي أسفرت عما عرف فيما بعد باتفاقات أوسلو. وأدت تلك المحادثات, التي جرت تحت غطاء من السرية التامة بين الاسرائيليين وممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بها إسرائيل للمرة الاولى, إلى إعلان تاريخي للمبادىء تم التوقيع عليه في واشنطن في الثالث عشر من سبتمبر عام 1993. ودعت أوسلو إلى فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تبدأ بانسحاب القوات الاسرائيلية من قطاع غزة وأريحا وتنتهي بنقل السلطة في أغلب مناطق الضفة الغربية إلى الفلسطينيين فيما عدا ما يتعلق بالشؤون الخارجية والدفاع. وإن كانت مناسبة التوقيع على اتفاقات أوسلو في واشنطن مرت بسلاسة نسبية إلا أن مناسبة التوقيع التالية اتسمت بإرجاء محرج. فقد اجتمع الزعيمان الاسرائيلي والفلسطيني في القاهرة في مايو عام 1994 للتوقيع على اتفاق مرحلي يرسي مبادئ الحكم الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة وأريحا. إلا أن العالم شاهد على شاشات التلفزيون بثا حيا ظهر فيه كل من الزعيمين الاسرائيلي والمصري في وضع محرج لا فكاك منه بانتظار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي رفض التوقيع على الاتفاق مهددا بالانسحاب. وأخيرا أقنع الرئيس المصري حسني مبارك عرفات بالتوقيع, وهو ما مهد السبيل لعودة الزعيم الفلسطيني إلى غزة في يوليو كرئيس للسلطة الفلسطينية, حيث استقبل استقبالا شعبيا حارا. وفي عام 1995 وقف الزعيمان الاسرائيلي والفلسطيني مرة أخرى في حديقة البيت الابيض للتوقيع هذه المرة على اتفاقية تنص على انسحاب فوري من جانب إسرائيل من المزيد من المدن بالضفة الغربية من بينها بيت لحم وجنين ونابلس ورام الله. وقد تم التوقيع على هذه الاتفاقية بعد الموعد المقرر للتوقيع بنحو ستة عشر شهرا, وترك الاتفاق وضع مدينة الخليل, التي يستقر فيها عدد من المستوطنين الاسرائيليين اليمينيين للبت فيه لاحقا. واستغرق الامر أكثر من عام للتوصل إلى اتفاق بشأن الخليل. في تلك الاثناء اغتيل رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين على يد يهودي متطرف من المعارضين لتسليم الارض إلى الفلسطينيين, وتغيرت الحكومة في إسرائيل وتم انتخاب بنيامين نتانياهو اليميني لشغل موقع رئاسة الوزراء. وكان أن أدى إصرار نتانياهو على إنشاء مستوطنة يهودية في القدس الشرقية وما صاحب ذلك من الخلاف على انسحاب إسرائيل من المناطق الاخرى إلى إغراق المفاوضات مجددا في دائرة الازمة. وعلى مدى نحو تسعة عشر شهرا تنازع الجانبان على انسحاب القوات الاسرائيلية, قبل أن يتمكنا, ولو بشكل مؤقت, من تجاوز خلافاتهما بالتوقيع على اتفاقية واي ريفر. إلا أنه حتى بعد توقيع هذه الاتفاقية تواصلت الدراما على نفس الوتيرة من المشادات والاتهامات والاتهامات المضادة. وقامت إسرائيل بوقف تنفيذ الاتفاقية بعد أن نفذت مرحلة واحدة فقط من مراحل الانسحاب الثلاث المنصوص عليها في الاتفاقية. وظلت الاتفاقية متوقفة حتى خرج نتانياهو من رئاسة الوزراء بعد فشله في انتخابات مايو غير أنه وإن كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد إيهود باراك قد تعهد بتنفيذ الاتفاقية إلا أنه عرض إجراء تغييرات عليها مما أدى إلى استطالة المفاوضات التي لم ينته الجانبان منها سوى مؤخرا. ـ د.ب.أ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات