اوجلان ينتظر (ديجول) تركي: أتاتورك اختزل الدولة والشعب في تركيا بشخصه

عندما التقيت زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان اواخر أيام اقامته المشروطة في احدى ضواحي مدينة روما, كانت تركيا تهدد وتتوعد وتندد بــ (الموقف المعيب) لايطاليا ازاء قضية الاكراد . بادرته بالقول اثناء مصافحته لي بحرارة باعتباري الصحفي العربي الوحيد الذي التقاه في محنته, وكان يلبس كنزة قديمة مفتوحة على قميص تمزقت حوافي ردنيه, ويده لا تفارق المسبحة, (لقد اصبح للقضية الكردية من خلال اسمك ايها السيد اوجلان, وجود بالرغم من ادعاءات الاتراك واصرارهم على نفي القومية الكردية)... رد عليّ ضاحكا وهو يهيأ لي مكان للجلوس بتلك الغرفة الصغيرة البائسة فقال (خاطبني باسم عبدالله او بكلمة رفيق بالعربية لاني احبها... انهم ينظرون الينا.. الى ملايين الأكراد وكأننا مجموعة من الأفراد نقوم باعمال ارهابية في مناطق متخلفة اقتصادياً, ونحن باعتقادهم نهدف باعمالنا الارهابية هزّ الاستقرار في الدولة التركية, وهم بهذا يستندون في اقوالهم وادعاءاتهم الى الجذور الفكرية والايديولوجية لمؤسس الجمهورية التركية كمال اتاتورك الذي اختزل الدولة والشعب والحكم في تركيا بشخصه حين قال احد المرات بان تركيا هي انا, وكل محاولة لتدميري هي محاولة لتدمير تركيا باكملها, وهو بهذا الادعاء الغى وجود اي هوية قومية اخرى غير تركية, لان مثل هذا الوجود حسب اعتقاده يعني الهجوم والاعتداء على الفكر القومي التركي, وعلى الركائز الاساسية لتركيا, وبالتالي فهو باعتباره خيانة تستحق الاعدام والتصفية... هذا هو منطقهم.. ايها الرفيق). التطورات المتسارعة التي رافقت خبر اعتقال اوجلان في ايطاليا في 13 نوفمبر الماضي في مطار روما بعد ان سلم نفسه واعلن عن اسمه, واقامته باحد المنازل البعيدة عن العاصمة والمخصصة لاستضافة اعضاء عصابات المافيا التائبين, وانتهاءا بالقاء القبض عليه في كينيا بعد ان تنصلت اوروبا عنه, فان تركيا خسرت ورقة اوجلان لمصلحة فتح ملف قضية الشعب الكردي. لاشك ان قضية اوجلان تحولت الى قضية مهمة جدا في تركيا والتي انعكست على الانتخابات الاخيرة والذي تحول فيها بولند اجاويد الى بطل, لكن الاوروبيين يعتقدون بان امام تركيا فرصة ذهبية لايجاد حل للمشكلة الكردية, اذ اعلن رئيس الوزراء الايطالي في احدى اللقاءات الصحفية الاسبوعية التي يعقدها بقصر الحكومة لمراسل (البيان) بانه قد تم فتح صفحة جديدة للمشكلة الكردية لتصبح مشكلة اوروبية, وان اعتقال هذا الرجل ونقله الى تركيا مكبل اليدين ومعصوب العينين, اعادت للتداول حقائق وثوابت, وذكرت بدروس سعى العديد من الاطراف الى طمسها او تجاهلها. واضاف سيمو داليما يقول (بانه يتحتم وضع المسألة الكردية على جدول الاعمال الدولي). وضمن هذه التوجهات اعدت مجموعة من الاحزاب السياسية اليسارية الايطالية وعدد من المنظمات الانسانية, وعدد من الخبراء المتخصصين بالشؤون التركية, تصورات لحل النزاع التركي ــ الكردي تضمنت سلسلة من التوصيات وجهتها الى الحكومة التركية والفصائل الكردية والاتحاد الاوروبي ومنظمة الامن والتعاون في اوروبا وهيئة الامم المتحدة, تتركز على ايجاد حل شامل للنزاع وانهاء الصراع الدامي بين الاتراك والاكراد, وتوصل الجانبان الى اتفاقية سلام. كما اوضح حزب اعادة التأسيس الشيوعي الايطالي في مذكرته الشهيرة لمجلسي البرلمان والشيوخ بضرورة فتح ملف القضية الكردية مباشرة بعد الانتهاء من قضية كوسوفو, وضرورة تخلي تركيا عن استخدام القوة العسكرية ضد الأكراد والعمل في رفع تصورات لكيفية منح الأكراد حقوقهم التي تتضمن حريتهم في اكتساب هويتهم القومية. ويتبنى حزب رئيس الوزراء ماسيمو داليما الديمقراطي اليساري والذي يقود الائتلاف الحاكم الحالي الملف الكردي الذي يعتبر ان قضية الاكراد هي من الاولويات المطروحة على الساحة الاوروبية فقد ذكر زعيم الحزب فالترفالتروني (بان على تركيا التعامل مع ملف القضية الكردية بواقعية بهدف الوصول الى حل, ولابد ايضا التعامل بايجابية بدل توجيه الاتهامات واصدار حكم الموت بحق هذا الرجل قبل محاكمته, لانه صاحب قضية). قد يقول قائل: لكن اوروبا ليست مهيأة اليوم لان تكون حقاً القوة القادرة على فتح أبواب قضية الشعب الكردي, بل ان الحل مازال في يد الولايات المتحدة التي تحاول فرض نظامها الدولي الجديد وهذا النظام يحمل في طياته عداء للحركات القومية والوطنية باعتبارها حركات لعبت ذات يوم دوراً معادياً للغرب في الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية, وبما ان الاشتراكية قد انهارت في اوروبا مع انهيار الاتحاد السوفييتي, فان الحركات القومية اما ان تلفظ طابعها المعادي للرأسمالية وللتسلط الخارجي, او ان تموت بالوسائل المتاحة للنظام الرأسمالي العالمي, وفي مقدمتها العنف وسلاح الشرعية الدولية. الا ان اوروبا في المقابل قادرة على استخدام ورقة قوتها الجديدة الموحدة في اقتصادها وعملتها الموحدة فقد حدثت تبدلات في طابع الصراعات الدولية, فحجم القارة الاوروبية وموقعها وعدد سكانها وقدرتهم المرتفعة جدا على الاستهلاك ودينامية نظامها الاقتصادي والاجتماعي, وما قطعته من شوط متقدم في طريق الوحدة السياسية, وتوجهها نحو اقامة جيش مستقل عن الحلف الاطلسي.. ادركنا حاجة تركيا الى اعادة النظر بصورة جذرية, في العديد من السياسات التي كانت متبعة في السابق, بعد ان اكتشفت بالملموس اهميتها الفائقة في حماية المصالح الحيوية الغربية في منطقة الشرق الاوسط, وحاجتها لترشيح نفسها كعضو كامل الحقوق في الاتحاد الاوروبي, وهي تدرك بان استمالة الدول الاوروبية التي تصرّ بعضها على استبعاد انقرة من لائحة الدول المدعوة الى الانضمام الى الاتحاد وربطها بالغرب, لا يمكن تحقيقه الا من خلال خلق تحولات في سجل حقوق الانسان, وعلى رأس هذا السجل قضية الشعب الكردي. وتركيا تعلم بان لإيطاليا موقف ايجابي من عملية دخولها الى الاتحاد الاوروبي و(ربطها بالغرب) وهي مؤهلة لان تكون جسرا بين العرب واوروبا ووسيط بين الكتلة الاسيوية الاسلامية من ناحية وبين اوروبا وحلف شمال الاطلسي من ناحية اخرى, لانها حسب اعتقاد الطليان تتمتع بكل المعطيات, من قوة جيشها وتقاليده العسكرية العريقة, ودرجة تقدمها الاقتصادي والشوط البعيد الذي قطعته نسبياً في بناء نظام برلماني على النحو المطلوب غربياً. وتركيا التي بلورت خلال هذا العقد من الزمن استراتيجية تهدف الى استعادة مجدها الامبراطوري الغابر عن طريق موقعها الجغرافي ومواردها المائية, والغذائية, وقوتها العسكرية والاقتصادية قادرة على تسخير هذه العوامل جميعا من اجل ان تكون المحور الرئيسي لنظام اقليمي امني, الا ان عليها وكما ذكر الايطاليون اكثر من مرة ان تبادر لفتح ملف القضية الكردية, خاصة وان الزعيم الكردي اوجلان اعلن اكثر من مرة خلال وجوده في ايطاليا عن رغبته في اقامة (حكم ذاتي) في كردستان من دون المساس بوحدة وسلامة اراضي دولة تركيا. وقد طلب اوجلان من اوروبا ان تدعم لدى تركيا (اقتراح سلام من ست نقاط) هي: * وقف العمليات العسكرية ضد القرى الكردية. * عودة اللاجئين الى قراهم. * حكم ذاتي للمنطقة الكردية من دون المساس بوحدة وسلامة اراضي دولة تركيا. * الاعتراف بحق الاكراد بكل الحريات الديمقراطية التي يتمتع بها المواطنون الاتراك. * الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة الكردية. * التعددية والحرية الدينية. ولتحقيق هذه الاهداف اعلن اوجلان بمطالبته بفتح حوار سياسي تحت اشراف مراقبين من الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي, مؤكداً ان حزب العمال الكردستاني سيصادق على الحل السياسي, فهو قد قال لنا اثناء ذلك اللقاء الطويل معه وامامنا الباب الذي ظل مفتوحاً ليقف رجال الكوماندوس الايطالي وهم يحملون رشاشاتهم, وتحتنا حركة مستمرة لزملاء لهم مع أجهزة الكمبيوتر والبطاريات والفاكسات والهواتف, والدوريات المستمرة التي كانوا يقومون بها من فوق الى تحت وبالعكس على ذلك الدرج اللولبي الصغير, وهم يشهرون اسلحتهم على مدار الساعة, وكل شيء كان يشعرنا بالاختناق والضغط.. قال (لقد فضلنا ايها الرفيق الخيار الثاني, وهو خيار السلام الذي يحظى بتأييد الشعب الكردي بكل توجهاته السياسية, لا توجد اية رغبة للعودة الى الجبل لاستئناف المعركة, علينا الاستنجاد بأوروبا فنحن نريد ان تفعل مثل الباسك والجيش الجمهوري الايرلندي, ونطالب بحكم ذاتي وبالحرية, فهل يستجيب جنرالات الجيش التركي الذين يمسكون بزمام الامور التركية يا ترى؟) واغلق اوجلان عينيه الصغيرتين الداكنتين تحت حاجبيه الكثيفين, وقال (ألم اقل لك باننا ننتظر (ديجول) تركي.. اذ سيتوجب على الاتراك مواجهة قضيتنا عاجلاً او آجلاً, وفي الانتظار اصبح الاتراك مقتنعين يوماً بعد آخر, بان العالم كله ضدهم, ونحن لسنا مجرد أقلية.. نحن شعب). السؤال المطروح حالياً هو ان الدول الاوروبية ابان ازمة اوجلان بدت وكأنها تابعة لا تمتلك قرارها, ورضخت صاغرة لما كانت تطلبه الولايات المتحدة, في امتناعها عن تأمين ملجأ لقائد سياسي قصدها لتأمين الحماية له, كما ساهمت هذه الدول في وقوعه بالمصيدة التي اعدتها الموساد والاستخبارات الامريكية في كينيا, والكل اوصد ابوابه ولاذ بالصمت طيلة اربعة اشهر هي فترة تنقل اوجلان في اجوائها. والان بعد ان اوشكت قضية شعب كوسوفو للخروج من محنتها العصيبة, فهل ستستفيق الديمقراطيات الاوروبية ولافتات حقوق الانسان المرفوعة في الفضاءات الاوروبية, بان تفتح ابوابها التي اوصدتها بوجه هذا الرجل, لشعب له لغته وتاريخه وطموحاته, وان تسمع صوتها وبصوت عال بان شرط دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي مرهون بفتح الاتراك للملف الكردي. حكومة ايطاليا طالبت مؤخراً باجراء محاكمة عادلة لاوجلان, من دون اثارة وتدمير القرى وتهجير مئات الآلاف من الاكراد وحظر الاحزاب الكردية, وقد قال زعيم اليسار الديمقراطي فالتروني (على الاتراك ان يدركوا بان تصفيتهم واعدامهم لاوجلان ستدفع حزب العمال الكردستاني الى مضاعفة العمليات العسكرية, وجريان انهار جديدة من الدماء البريئة) فهل سيتعظ الاتراك حقا لاجراء محاكمة عادلة ستتحول الى محاكمة لتركيا؟. ان كل الاشارات التي يطلقها الاتراك حتى الوقت الحاضر تحمل الرفض القاطع, وليس لهم خيارات كثيرة ومتعددة على ما يبدو, لانهم ميالون الى الاقامة في أسر الماضي وقواميسه وقناعاته الصارمة ويستطيع بولند اجاويد الاستمرار بالحديث عن انتصاره بالقبض على العدو رقم واحد الذي يعتبره مفجر الحرب التي التهمت ثلاثين الف ضحية, اضافة الى تكاليفها الباهظة مادياً ومعنوياً, وباستطاعته ايضا الحديث عن انتصاره في الانتخابات المبكرة في 18 ابريل الجاري, ويمكن لاجاويد الادعاء بان تركيا لاعب كبير في المنطقة, وذراعها طويل وهي على استعداد للعب دور شرطي المنطقة وتعويض الدور الذي خسرته من جراء انهيار الامبراطورية السوفييتية وكتلتها, الا ان هذا النموذج يجب ان يكون ديمقراطيا, فتركيا قادرة على توظيف هذه الورقة لنيل فرصتها الذهبية التي هيأت لها ظروف المنطقة للحصول على دور اقليمي كبير في عصر انتهاء الحرب الباردة واعادة النظر بصورة جذرية في العديد من السياسات التي كانت متبعة في السابق. فهل تفعل تركيا ذلك وتمتلك حالة من الصحو المطلوب؟ وماذا ستفعل بالانتصارات التي حققتها؟ الا عليها ان تفكر في تسوية سلمية, وتتخلى عن النهج القديم الذي ينذر بانجاب عشرات من الــ (اوجلان) وبممارسات كردية اكثر عنفاً ويأساً؟ عليها اذن ان لا تظل اسيرة رغباتها في تجاهل حقوق الاكراد لتدفع المنطقة لتكون اسيرة صراعات لا نهاية لها وتسعى دوما الى استبعاد كل ذكر لما يمت للاكراد بصلة. ظل عبدالله اوجلان طيلة اللقاء الاخير به يكرر, بأن تركيا تحتاج الى (ديجول تركي) وهو حسب اعتقاده قادم لا محالة... فهل سيأتي من رحلة التيه التي واكبت رحلة الغياب التي سار اليها اوجلان؟ موسى الخميسي- روما - البيان

طباعة Email