عبدالمجيد فريد مستشار بومدين يتحدث لــ(الملف)عن: المقدمات القديمة لأزمة الجزائر الآن.

هذا الحوار السريع مع عبدالمجيد فريد وزير الدولة المصري السابق لشؤون رئاسة الجمهورية في مصر الذي رافق الزعيم الراحل جمال عبدالناصر .. هذا الحوار الخاطف يكتسب اهميته نظرا لان عبدالمجيد عاش في الجزائر اربع سنوات مستشارا لرئيس الجمهورية الجزائرية الرئيس الراحل هواري بومدين ثم استمر في مهمته مع خلفه الرئيس الشاذلي بن جديد ولقد عاصر في تلك الفترة منذ عام 1975 مقدمات الأزمة الجزائرية عن قرب. هل كانت هناك مؤشرات للصراع الدامي الذي انفجر في الجزائر بعد ذلك؟ اذا عدنا قليلا الى الوراء.. الى عهد الرئيس هواري بومدين.. نجد ان بومدين كان رجلا عسكريا وكان قائد منطقة عسكرية قبل ان يصبح رئيسا للجمهورية. وكانت القوى العسكرية هي القوة المهيمنة سياسيا على الجزائر. حتى بالنسبة للرئيس بومدين؟ نعنى هل كانت تلك القوى تهيمن عليه؟ لا نستطيع ان نقول ذلك لان بومدين كان شخصية كبيرة وكان هو الذي يقود وهو الذي يوجه. ولكن عندما توفي حدث فراغ كبير ولم يكن هناك دستور ولا نائب رئيس ولم يكن معروفا من القائد بعده او من الذي يتولى الرئاسة في حالة وفاته. ولذلك فان القوى العسكرية هي التي تولت هذا الامر. من تقصد بالقوى العسكرية تحديدا؟ اقصد الجيش وقيادات الجيش وقيادات المناطق التي كانت تحكم سابقا, وهي التي كانت لها الكلمة. فماذا فعلت تلك القوى اذن بعد وفاة بومدين؟ اجتمع هؤلاء القادة فيما بينهم واختاروا الشاذلي بن جديد احد قادة المناطق العسكرية ليتولى رئاسة الجمهورية. واتخذت الاجراءات اللازمة لذلك وأعلن بن جديد رئيسا. وماذا فعل بن جديد الرئيس الجديد آنذاك؟ بدأ يسير في الحكم, وظل الجانب العسكري يعتبر نفسه القوة الخلفية المساندة للنظام متمثلة في شخص قيادات المناطق العسكرية مجتمعة. هل ظلت هيمنة هذه القوى قائمة؟ كانت هذه المجموعة العسكرية تعطى رغباتها من آن لاخر لرئيس الجمهورية وتطلب منه ان ينفذها. واستطاع بن جديد ان يتحمل هذا الوضع فترة من الزمن ولكنه بعد ذلك بدأ يتململ رغم انه كان واحدا منهم. وماذا فعل؟ شار عليه بعض القدامى والاصدقاء المدنيين بأن أسلم طريق هو إبراز قوى أخرى بجوار قوة الجيش وذلك لتحقيق نوع من التوازن ولكي لا يصبح مضطرا لتنفيذ اوامر القوى العسكرية لانه ستكون هناك قوى اخرى على الساحة. ووجد بن جديد ان هذه الفكرة وجيهة ففتح الباب امام ما سمى عند ذاك بعملية تشكيل احزاب, وأعلن أن الدولة تساند اي حزب يحصل على توقيع عدد لا أذكره بالضبط وأعتقد انه ربما كان خمسين شخصا, كما أعلن ان الدولة تساند ذلك وتقدم للحزب المراد تشكيلة مقرا وتدفع له معونة مالية لتساعده في مرحلة التكوين وذلك من أجل الاسراع ببناء الاحزاب في الجزائر. وتقدمت مجموعات كثيرة لتشكيل احزاب ومن ضمنها مجموعة التيار الاسلامي, والاسلام هو الاساس لدى الجزائريين. نعم وانا اذكر ان النزعة الاسلامية هي كانت الغالبة على الثورة الجزائرية منذ بداياتها وكانت تلك النزعة غالبة على العروبة وحتى عندما كان الثوار يتحدثون عن العروبة كانوا يذكرون الاسلام اليس كذلك؟ هذا صحيح تماما والثورة الجزائرية هي ثورة اسلامية. وقد وجد التيار الاسلامي الفرصة في إعلان الشاذلي بن جديد. هل كان ذلك التيار منقسما آنذاك كما هو الان؟ كان حزبا واحدا في ذلك الوقت فدخل اتباع هذا الحزب في العملية وبدأت تصبح لهم قوة ودخلوا الانتخابات البلدية وكسبوا اماكن لهم. فماذا كان موقف العسكريين انذاك؟ وجد الجيش ان التيار الاسلامي كسب بنسبة كبيرة في تلك الانتخابات, وخشى قادة الجيش ان يكون ذلك الانتصار تمهيدا للفوز في البرلمان فقالوا للشاذلي بن جديد انهم لا يقبلون هذا الوضع. وقالوا له: (انك عسكري معنا اصلا ونحن الذين رشحناك, وعليك ان تلغى الانتخابات ونتائجها) . فأجابهم بأنه لا يستطيع الغاءها وقال: (لو ألغيتها فسوف اترك رئاسة الجمهورية) وقد كان... ترك بن جديد الرئاسة وألغيت بعد ذلك نتائج الانتخابات ثم حدث الخلاف بين التيار الاسلامي وبين النظام العسكري آنذاك وبدأت الصدامات والقتال. وكان الامر في البداية يجري تحت اسم التيار الاسلامي فقط وانما دخلت بعد ذلك مجموعات لا تمت الى الاسلام بصلة وتتصف بالتطرف الشديد. حتى بين هؤلاء حدثت انقسامات.. فما هي اسبابها؟ هناك مجموعة ترى ان الحل هو الإبادة وتكفير الجميع ولابد من قتلهم جميعا. ووصل الامر بهذه المجموعة الى قيامها بإبادة اسر وقرى بأكملها برجالها ونسائها وأطفالها. وتطور الامر الى أسوأ وأسوأ. غير ان بداية الأزمة هي ان رئيس الجمهورية كان يريد التخلص من القوى العسكرية وان يدخل قوى اخرى منها التيار الاسلامي لخلق التوازن مع العسكريين. ومازال الصدام قائما حتى الان. ونتمنى في الانتخابات الجديدة ان يتم اختيار رئيس للجمهورية. ونلاحظ ان كل المتقدمين لرئاسة الجمهورية يضعون في برامجهم (الامل في حياة سياسية دون ضغوط اخرى) . هل هذه اشارة خفية الى ضغوط الجيش؟ نعم بالتأكيد ولم يكتف كثير منهم بمجرد الاشارة الخفية بل تكلموا بصراحة عن وجوب عدم هيمنة القوى العسكرية على الحياة السياسية في الجزائر. ما هو وزن القوى السياسية المدنية الاخرى الى جانب القوى المتطرفة والعسكرية؟ هناك اعداد كبيرة ولكن في وقت الحسم اشك في ان اي قوة من تلك القوى تستطيع ان تكون مؤثرة. وهناك بعض القوى السياسية المرتبطة بالعسكريين, وليس من الضروري ان يكون ذلك الارتباط علنيا. وماذا عن بن بيلا؟ كان من المفروض ان تكون لبن بيلا قوى ولكنه للاسف استخدم (بضم التاء) استخداما سيئا, وأنا في رأيي انه كان يجب ان يبقى بن بيلا الزعيم التاريخي للثورة الجزائرية دون ان يدخل في المتاهات السياسية هناك. ولكنه فجأة نحى منحى مؤيدا للتيار الاسلامي؟ هذا صحيح ولكنه عاد فرجع عن موقفه مرة ثانية. كيف ترى مستقبل الاوضاع في الجزائر... هل تسفر الانتخابات مرة اخرى عن نتائج لا يرضى عنها العسكريون فيعيد التاريخ نفسه مرة اخرى ويستمر الصراع؟ لا أظن ذلك يحدث بعد المحنة القاسية التي مرّ بها الجزائريون, وهي محنة شديدة القسوة ومسّت كل بلد وكل عائلة... وفي تصوري انهم تعبوا ويتطلعون الان الى الاستقرار بعد هذه المحنة المريرة التي لا يرضى عنها أي مسلم. أجرى الحوار: صلاح عويس

طباعة Email