الانتخابات الرئاسية وأمل الخروج من النفق: بقلم- د. أحمد السيد محمد

الجزائر ذلك البلد الكبير الذي ظل متمتعا بمزايا حقبة الطفرة النفطية حتى منتصف الثمانينات, اضحى اليوم مثله في ذلك مثل دول أفريقية عديدة يكابد ما يقارب الحرب الاهلية في ظل توترات وانقسامات سياسية حادة وازمة اقتصادية خانقة تكاد تعصف بالفقراء في بلد المليون شهيد . ويتطلع الجميع, بما فيهم الرئىس زروال الى الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها في منتصف هذا الشهر, لتكون بداية جادة للخروج من دائرة الازمة, والحقيقة ان المطالب الاقتصادية والاصلاحات السياسية والديمقراطية لاتقف منفردة كمعايير تحكم رجل الشارع في اختيار الرئىس الجديد, اذ ان هناك ايضا اعتبارات ثقافية, واخرى حضارية ترتبط بالهوية المرجوة للجمهورية الجزائرية, ومحور هذه الاعتبارات يدور دوما حول العروبة والاسلام (في مواجهة الفرنسة) والامازيغية, ان ذلك يقودنا مباشرة الى بحث الاتجاه الذي ستأخذه الاحزاب المطالبة بمراعاة الثقافة الامازيغية في تصويتها ابان هذه الانتخابات, لاسيما وان نفوذها يكاد يتركز في اوساط النخب الداعية للفرنسة وفي منطقة القبائل حيث الحس البربري الذي سعت فرنسا لتوكيده خلال فترة احتلالها الطويل (32 سنة) للجزائر. ويحسن بداية الاشارة الى انه منذ انتخابات 1988 الشهيرة, والشارع السياسي في الجزائر تتنازعه اربعة اتجاهات رئيسية وهي: * الاتجاه الاسلامي وهو يتكون اساسا من الجبهة الاسلامية للانقاذ والتي تجمع الدين والدولة في مجال واحد على اساس ماتراه من ان الاسلام لايفرق بينهما وهذه الجبهة وحدها كانت تسيطر على 55% من المجالس المحلية المنتخبة, ويضاف اليها حركة مجتمع السلم التي يترأسها الشيخ محفوظ نحناح. * اتجاه جبهة التحرير ويمكن ان يشمل الى جانب هذه الجبهة الحزب الحاكم والتجمع الوطني الديمقراطي وعلى قيد خطوات ايضا حزب النهضة الذي بارك ترشيح بوتفليقة مرشح الجبهة وهو ما ادى الى استقالة جاب الله عبدالله رئيس الحزب وتشكيله لحركة الاصلاح الوطني. * اتجاه اليسار الاشتراكي ويضم ثلاثة احزاب لعل اهمها الطليعة الاشتراكية الذي يتمتع على محدودية تأثيره ببنية تنظيمية وقاعدة اجتماعية وثيقة الارتباط به. * والاتجاه الرابع هو مايمكن تسميته بالاتجاه الاشتراكي الديمقراطي (وهو يشمل ثلاثة احزاب رئيسية اقلها تأثيرا هو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يضم بصفة رئيسية قطاعات من رجال الاعمال والمثقفين الى جانب حزبي (التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية) وجبهة القوى الاشتراكية وهما يتنافسان على قاعدة واسعة الى حد بعيد, وتتفق فيما بينها على المطالبة بتوسيع اطار العمل الديمقراطي من جانب وبالاعتراف باللغة والثقافة البريريتين (الامازيغية) اعترافا كاملا من جانب آخر. واقيم التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية على المتفرنسين (ثقافيا) والبربر, ولذا يصر في برامجه على المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة وعلى مبدأ علمانية الدولة, وهو يتمتع بقدر جيد من التنظيم الداخلي قياساً مع جبهة القوى الاشتراكية التي تعتمد على الشخصية الكاريزمية لرئىسها (حسين آيت احمد) احد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية. وفي ضوء ما اعلنه المجلس الدستوري في 11 مارس الماضي من انحسار المنافسة على مقعد الرئاسة بين سبعة مرشحين فانه من الممكن تحسب اتجاه التصويت لهذا الاتجاه الاخير الذي يبدو أكثر تعبيرا عن النزعة الامازيغية. والمرشحون هم عبدالعزيز بوتفليقة واحمد طالب الابراهيمي (كانا وزيرين للخارجية) ومولود حمروش وسيفي مقداد (كلاهما تولى رئاسة الوزراء) وجاب الله عبدالله (رئىس حزب حركة الاصلاح الوطني) ويوسف الخطيب (الرئيس السابق للجنة الحوار الوطني) واخيرا حسين آيت احمد رئىس جبهة القوى الاشتراكية. وليس هناك شك في ان الاتجاه الذي يوصف سياسيا بالاشتراكي الديمقراطي, وهو يضم المتأثرين بالثقافة الفرنسية والمنادين كذلك بمراعاة الخصوصية الثقافية للبربر سوف يصوت الى جانب حسين آيت أحمد, وذلك على أمل أن يلحق بالجولة الثانية للانتخابات حيث من المستبعد في ظل المنافسة الشديدة بين المرشحين ان يحصل أحد المرشحين على أكثر من نصف الاصوات في الجولة الاولى للانتخابات. ويعزز من ذلك الأمل الانقسام الحاد الذي يشمل كتلة الحكم المؤلفة من الحزب الحاكم وجبهة التحرير وحزب النهضة, اذ ان هناك خمسة مرشحين على الاقل ينتمون (للحرس القديم) (وزيران للخارجية وثلاثة من رؤساء الحكومة السابقين) وهو ما قد يؤثر سلبا على الثقل التصويتي الذي سيحظى به كل منهما ولاسيما عبد العزيز بوتفليقة الذي من المعتقد انه سيحظى بدعم العسكريين وثمة تكهنات بأن الاتجاه الاسلامي بمختلف فصائله سيكون اقل فعالية في هذه الانتخابات بعد رفض ترشيح الشيخ محفوظ نحناح رئيس (حماس) الذي حصل على 25% من الاصوات في الانتخابات الرئاسية السابقة ذلك لان القانون الجزائري يشترط ان يقدم مواليد ماقبل عام 1942 شهادة المشاركة في ثورة نوفمبر ضد الاستعمار الفرنسي وهو الشرط الذي تغاضت عنه وزارة الداخلية في الانتخابات السابقة وعادت اليه في هذه الانتخابات لتقليص اعداد المرشحين. وبالمثل فان الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي يأمل في ان يحصد الاصوات التي كان مقدرا لها ان تذهب لمرشحي اليسار الذين حرموا من حق الترشيح من امثال لويزة حنون (رئىسة حزب العمال) ونور الدين بوكروح (رئىس حزب التجديد الجزائري). بيد أن مثل هذه التوقعات المتفائلة تحاول ان تتغاضى عن جملة من العوامل التي تؤثر بصورة فعلية على فرص نجاح حسين آيت احمد ومن اهمها: 1 ـ اعلان حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية برئاسة سعيد سعدي عن مقاطعته لهذه الانتخابات بسبب غياب المراقبين الدوليين ورفض الحكومة تعديل قانون الانتخابات وهو نفس الموقف الذي اعلنه حزب حركة المجتمع الديمقراطي برئاسة الهاشمي الشريف. وان كان من المعتقد ان هذه المواقف لن تؤثر على توجه انصار سعيد سعدي للتصويت لصالح زعيم جبهة القوى الاشتراكية. 2 ـ تشير كل الدلائل الى ان جبهة الانقاذ الاسلامية المحظورة التي اعلنت انها ستكون حاضرة بقوة في الانتخابات الرئاسية من خلال تزكية مرشح كي يصوت له انصارها, قد استقرت وخاصة بعد استبعاد محفوظ نحناح, على التصويت لصالح وزير الخارجية الاسبق أحمد طالب الابراهيمي الذي قام بعدة مهام وساطة في بعض الدول الاسلامية خلال الفترة الماضية. وترى الجبهة ان الابراهيمي هو اقرب المرشحين لافكارها او بالادق لهدفها الرئىسي الرامي للتخلص من نفوذ جبهة التحرير الوطني التي ادت سياستها الى خلق مكونات المأزق الاقتصادي السياسي الذي تعاني منه الجزائر. ولاشك في ان فرص الابراهيمي تتزايد كل يوم ليس بوصفه اقرب مرشحي الرئاسة للتيار الاسلامي ولكن ايضا للانقسام الحاد الذي اثاره ترشيح بوتفليقة في الاوساط السياسية القريبة من الحكومة وجبهة التحرير الوطني, ويكفي للدلالة على ذلك تلك الحملة العنيفة التي يسنها يوسف الخطيب الرئىس السابق للجنة الحوار الوطني والمعروف بقربه من الرئيس زروال, على عبدالعزيز بوتفليقة متهما اياه بالتورط في فضائح الفساد خلال عضويته في الحكومة. 3 ـ ان العاملين السابقين يتضافران معا في خلق حالة استقطاب شديدة تجاه المرشحين الرئيسيين, بوتفليقة والابراهيمي وهو مايؤثر سلبا مع اقتراب موعد الانتخابات على الراغبين في انجاح حسين آيت احمد, حيث تتنازعهم الرغبة في اختيار الافضل والخيار العملي في دفع واستبعاد البديل (الاسوأ) وبقول آخر فان الحسابات العملية لاتجاهات التصويت تدفع بمرشح التيار الاشتراكي الديمقراطي الى المرتبة الثالثة بقدر ما تزيد من فرص بوتفليقه والابراهيمي في حسم الصراع مبكرا خلال الجولة الاولى, وفي مثل هذه الاجواء فان ضغوطا معينة تحاصر الناخبين حيث يصبح عليهم الاختيار بين التصويت لمرشح فرصه في الفوز ضئيلة وبين التصويت لمرشح قد لايرضون عنه كل الرضا, ولكنه على الاقل يدفع عنهم غائلة فوز المرشح الذي يرجون من الصميم اسقاطه. وفي مثل هذه الحالة الجزائرية فان اصحاب الميول نحو الثقافة الفرنسية والحساسية الامازيغية سيجدون انفسهم في مواجهة احمد طالب الابراهيمي الذي يشكل انحياز التيار الاسلامي له ضغوطا يصعب تجاهلها ونذراً مستقبلية قد لاتستطيع هذه القوى تحملها أو القبول بها وهو ما قد يؤدي في المحصلة النهائية ورغم الاعتراضات السياسية الى تأييد هذه لاتجاه عبدالعزيز بوتفليقة. وليس من قبيل المبالغة في شيء اذا ماقلنا ان حسين آيت أحمد هو المرشح المفضل للاتجاهات الامازيغية والمتفرنسة وان عبدالعزيز بوتفليقة هو رغما عنها خيارها العملي والمتاح.

طباعة Email