ثقافة الفساد في تنام مستمر:بلوى (كينيث ستار) هل ستعمّ اوروبا؟ بقلم- روجر كوهين

ان الخلفية العلمية الضيقة التي يمتلكها رينيه بيرثيلو كطبيب اسنان في مدينة شاتيليرولت الفرنسية, لا تخوله مطلقاً ان يتولى صفة المستشار العلمي لمؤسسة ضخمة , متعددة النشاطات, وتمثل خمسة عشر قطراً, مثل مؤسسة الاتحاد الاوروبي ولكنه مع ذلك نال ذلك المنصب المرموق, وعمل به لمدة ثلاث سنوات, اكتسب منها مرتباً بحوالي مائتي الف دولار, ونال شرف سفر في ثلاث عشرة بعثة دولية, كانت كلها الى مدينته شاتيليرولت. وفيما عدا ذلك فانه لم ينجز شيئا ذا بال, بل انه لم يكتب اي تقرير علمي, او غير علمي, ذي ادنى قيمة لرئاسة الاتحاد الاوروبي. لقد نال رينيه كل ذلك المقام المرموق بعون ودعم من اديث كريسون, رئيسة الوزراء الفرنسية السابقة, التي عملت ايضا كمفوضة للاتحاد الاوروبي لشؤون التعليم والتدريب. وقد قامت بتعيين رينيه هذا, في 1995, عندما كانت تعمل عمدة لمدينة شاتيليرولت وكانت ايضا صديقة لطبيب اسنان المدينة رينيه. نشاط.. أم عدم نشاط؟ ان نشاطات رينيه او عدم نشاطاته بالاحرى كانت محط تركيز التقرير المستقل الذي نشر هذا الاسبوع عن تجاوزات مفوضية الاتحاد الاوروبي, الكائن بمدينة بروكسل البلجيكية, والذي يمثل الجناح التنفيذي للاتحاد, ويباشر اداء مهام واسعة من مهام الاتحاد. لقد تحدث التقرير عما سماه بــ الطبيعة الخيالية الزائفة للاستشارات العلمية التي قدمها رينيه على حساب دافع الضرائب الاوروبي وقدمها كنموذج لاداء المفوضية ذات العشرين عضوا, والتي اضطرت لتقديم استقالتها الجماعية على اثر ذلك التقرير. ولكن ما اثار العجب حقاً فهو تعليق رئيسة الوزراء الفرنسية السابقة كريسون, حيث ذكرت انها تشعر بالرضا المطلق عن ادائها في مفوضية الاتحاد الاوروبي, وعن انجازاتها الهائلة في سياق ما كلفت به. وقد ابانت في تعليقها المستخف هذا, عن فاصل هائل اصبح يفصل ما بين الثقافة الاوروبية القديمة, وما بين ثقافة جديدة في طور التبلور, وهي ثقافة اكثر تسامحاً مع الفساد. لقد ادى اختتام فصل الحرب الباردة ما بين المعسكرين الشرقي والغربي الى تضاؤل الاهتمامات الاستراتيجية, التي كانت تحول نوعا ما ضد الاسراف في الفساد. وعندما اندفع تيار الفساد بشكل عارم اخيرا, فانه قد ادى الى تغييرات ثورية تماما في شكل الحكم في ايطاليا, والى موجات من التحقيقات القضائية بشأن الفساد في كل من فرنسا, واسبانيا, وبلجيكا, والى ان توج ذلك بانهيار مفوضية الاتحاد الاوروبي في الاسبوع الماضي. هذه الموجة الجارفة من التحقيقات هي ما سماها عالم السياسة الفرنسي اوليفر داهميل, ببلوى كينيث ستار Kenstarrization.. وحذر من امكان ان تعم تلك البلوى جميع الاقطار الاوروبية, وتحدث ازمات في انظمتها السياسية جميعاً.. والحقيقة ان ذلك مما يمكن ان يحدث, لان جميع مواطني الاتحاد الاوروبي الذين يفوق عددهم ثلاثمائة مليون نسمة, يطالبون الان, بإجراء دراسات وتحقيقات لتحديد مدى حجم المسؤولية لكل القياديين والموظفين, وانشاء جهاز مراقبة صارم لمتابعة تصرفاتهم. ان مما يؤكد الحاجة لتلك المتابعة أن ثقافة الفساد هى في تنام فعلا. وانظر الى مثال رئيسة الوزراء الفرنسية السابقة كريسون (65 عاماً) هى اشتراكية الهوى, وقد عملت في فترة حكم الرئيس الفرنسي السابق ميتران, وهى الفترة التي شهدت انفجارات فضائح داوية لا تزال خاضعة للتحقيق حتى الان وهى الفترة التي وصفت بأنها وضعت قصر الاليزيه في مقام يعلو على مقام القانون, كما اعطت ذات الحصانة لكثير من مساعدي الرئيس السابق ميتران.. أما جاك سانتير من لوكسمبورج (61 عاماً) فهو أيضا ينتمى لذات الجيل الذي تنتمى اليه كريسون, ويبدو عندما يتصرف ويتحدث وكأنه لا يبالي بالمزاج العام. فعندما أذيع تقرير الفساد في الاسبوع الماضي, تحدث سانتير الى الصحفيين قائلاً: إنه نقي تماماً, وأبيض من البياض نفسه! وذلك بالرغم من أن التقرير اتهمه شخصياً بأنه كان مخادعاً مضللاً في الإفادات والاجابات التي أدلى بها على الاسئلة التي وجهها له المحققون التابعون للبرلمان الأوروبي. إن تعنت سانتير واتجاهه الى افتعال الشكليات من اجل تعويق مسار التحقيق, قد أدى به الى أن يفقد ثقة القائدين الجديدين في أوروبا: رئيس الوزراء البريطاني توني بلير, والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر, اللذان صرحا اخيراً بأن سانتير قد استنفد كل فرصه, ولا أمل له مطلقا في أن يعاد تعيينه من جديد في وظيفته, ومضيا الى القول بأن البحث قد بدأ فعلا في تعيين خلف له.. ويبدو أن سانتير قد يئس أخيراً, ولذلك غير نغمته تلك في التعالي والإنكار, واعترف بصوابية بيان المفوضية الذي يطالب الدول الأوروبية الاعضاء في الاتحاد, بأن تقوم بتسمية مرشحين جدد للمفوضية, بدون أي تأخير, لأن الأعضاء العشرين الذين استقالوا مؤخراً, لن يسمح لهم بتولي أي مناصب سياسية في المنظمة في المستقبل. فساد متطور لقد أبان تقرير المراجعة ذو المائة وأربع وأربعين صفحة والذي اعدته لجنة من خمسة خبراء أن الاتحاد الأوروبي كان يصرف نحو مائة بليون دولار في العام, وانه قام بالشروع في عدة مبادرات ومشروعات بعضها مبادرات عون لبعض الأقطار جنوب البحر الأبيض المتوسط, وبعضها مشروعات تدريب واجازات, وغير ذلك ولكن المفوضية التي كلفت بكل ذلك, والتي تدير بيروقراطية (تتكون من أكثر من سبعة عشر ألف موظف, لم تكن تمتلك الموظفين المدربين والمؤهلين, لإنجاز تلك المبادرات والمشروعات, كما لم تكن حريصة على الدقة الكاملة في الأداء المالي والمحاسبي, وقد أدى ذلك كله الى افتقادها للسيطرة على أداء وتنفيذ تلك المبادرات والمشروعات كما هو مطلوب. ويضيف التقرير قائلا: أن المفوضية كان تلاحظ فعلا أن المسؤوليات الادارية المنوطه بها كانت تتضاعف بنحو متسارع, ولكنها مع ذلك حافظت على جمهور ثقافتها الادارية, والمالية ولم تعمل على أن تتطور بقدر يماثل تطور وتشعب المسؤوليات الجديدة الملقاة على عاتقها. ويقول التقرير أن أكثر من مليوني دولار, قد بددت, أو أسيىء استخدامها, بعد أن دخلت المفوضية في عقد اتفاق مع ثلاث شركات, اثنتان منها تسيطر عليهما الشركة الثالثة, التي مقرها لوكسومبورج, وقد تعاقدت المفوضية مع تلك الشركات لتوزيع معونات وخدمات معينة لبعض الاقاليم, بيوغسلافيا السابقة, ووادي الرفت بافريقيا, ولكن اتضح فيما بعد أن أياً من تلك المعونات أو الخدمات, لم يصل الى مستحقيه على الاطلاق, لأن الشركات لم تنفذ ما تعاقدت عليه أصلاً, رغم استلامها للأموال. ومثال آخر لتبديد الأموال يضيفه التقرير, وهو مثال الشركة الفرنسية (أجينور), التي تعاقدت معها المفوضية لتنفذ لصالحها عنها برنامجاً تدريبياً كثيفاً بالإجازات, وقيمة العقد ستمائة مليون دولار, ومع ضخامة ذلك المبلغ فإن البرنامج لم ينفذ ابداً واتضح فيما بعد انه كان مجرد غطاء لتمرير الصفقة التي هى صفقة فساد مالي ليس غير. ولاحظ التقرير ممارسات عديدة على فواتير حسابات المفوضية, فهى أحيانا تسدد مرتين, وأحياناً تسدد بلا موجب من خدمات أسديت للمفوضية, ومثال لذلك فإن المفوضية سددت فاتورة عقد مطبوعات لشركة تدعى (فورما) بكارتو, ثم اتضح فيما بعد أن تلك الشركة لا وجود لها على الإطلاق, وذكر التقرير أن الممارسات الشبيهة بتلك الممارسة, أصبحت قاعدة في التعامل. إصرار على الخطأ وبرغم أن تقرير المراجعة الذي انجز في يوليو ,1997 قد ناشد المفوضية مراراً لتقوم بتصحيح تلك الممارسات إلا أن كريسون التي كانت تشرف على البرنامج السابق, سمحت لتلك الممارسات المتقيحة بالفساد, لأن تستمر لأكثر من عام وبخصوص هذا الموضوع نفسه برهن سانتير على قدراته في المناورة والخداع, عندما استنطقه البرلمان الأوروبي عن شهادته حوله, فجاءت مليئة بالأكاذيب. وإزاء اكتشاف تلك الفضائح للرأي العام الأوروبي, اضطر باتريك جايلد, المتحدث الرسمي باسم المفوض الفرنسي, يافيس ثيبولت دي سيلفيو, إلى أن يعترف بأن تلك الممارسات, هى ممارسات فظيعة ومؤسفة حقاً. ولكنه استدرك قائلاً: أن من المؤسف أيضاً أن تستغل تلك الممارسات الفردية, لإنشاء صورة مكبرة ومرعبة جداً تضم جميع افراد المفوضية بما يستوجب تنفيذ مجزرة جماعية بحقهم كلهم, بدون أي استثناء. ربما كان في قول المتحدث باسم المفوض الفرنسي بعض الحقيقة, لأن تقرير المراجعة قد اندفع فعلاً الى تعميم كاسح, حينما أكد في بعض فقراته (بأن المفوضية خالية تماماً من أي شخص لديه أدنى احساس بالمسؤولية) , لقد كان التقرير يعبر عن نفسية نقية صارمة ضد الفساد, تحلى بها أفراد اللجنة التي أعدته.. ولذلك انكر وجود بعض الموظفين المتجردين لخدمة الاتحاد الأوروبي في مفوضيته, المهم أن تلك النفسية التي تدعو الان للمراجعة ربما تسود, وهذا ما فشل في ادراكه أعضاء المفوضية الذين استقالوا, وإلا لوفروا على أنفسهم معاناة ما يعانونه الان. ترجمة: (البيان) واشنطن عن نيويورك تايمز

طباعة Email
تعليقات

تعليقات