بعيدا عن العواطف والحساسيات: استقرار السودان بعد استراتيجي لمصر: بقلم: ايمن شرف

كلما مرّ السودان بأزمة كبيرة تطلع كثير من أهله الى الشريك التاريخي في جغرافيا الوادي.. مصر, والازمة التي يمر بها السودان منذ سنوات ربما هي الاعمق على مدى تاريخه الحديث كله .. لذلك اتجهت المعارضة السودانية بفصائلها المختلفة منذ فترة ــ وتيار داخل جبهة الانقاذ الحاكمة مؤخرا ــ الى القاهرة.. ليس فقط لانهاء التوتر في العلاقات, وانما ايضا للمساعدة والعودة في انهاء الخلاف الداخلي الطاحن الذي وصل الى حد الحرب, وانتشار (موضة حمل السلاح) بين الفصائل الاصغر لاسباب اتفه من ان تؤدي الى حمله في الاحوال المعتادة, كنقص الخدمات في الشرق السوداني او الشمال الغربي.. حيث قبائل البيجا في الشرق وجبال النوبة في الشمال الغربي على سبيل المثال. والعلاقة الاستراتيجية مع مصر تحت مسميات مختلفة, وحدة وادي النيل, التكامل بين شطري الوادي, الوفاق المصري السوداني, هي احد الافكار المطروحة بقوة في السودان تخفت احيانا وتصعد احيانا اخرى.. ولها معتنقوها في السودان الذين يعتبرونها حلا لمشكلة السودان الداخلية مع الجنوب. ولها مؤيدوها في مصر الذين يعتبرونها ضرورة لتحقيق الامن القومي المصري من اكثر من زاوية, ومدخلا اساسيا لترابط السودان دولة واعراقاً وثقافات متعددة, مع بعض التحفظات على اسلوب ادارة تلك العلاقة الاستراتيجية, ليس من بينها التحفظ على نوع (نظام الحكم السوداني) , مثلما هو الحال مع جبهة الانقاذ الاسلامية التي دعمتها مصر في بداية حكمها, باعتبار ان الحكم في السودان شأن سوداني صرف, وهو منهج المتحدثة مصر منذ اتفاقية الجلاء وحق تقرير المصير السوداني. وانما التحفظ الاساسي على اثارة العداء او الجفوة ضد مصر.. من الملاحظ ان العلاقة بين مصر والسودان مرت بموجات من الصعود والهبوط, ولعب الدور الاساسي في صعودها وهبوطها تراث التفريق الذي بدأ مع الاحتلال البريطاني وتقسيم وحدة وادي النيل منذ سن قانون المناطق المغلقة في جنوب السودان والتي راكمت فيما بعد مشكلة (محاولة انفصال الجنوب) او مطالبته بالحكم الذاتي. ومن قبله ابعاد الجيش المصري في عام 1924, والاصرار على انفصال السودان شرطا للجلاء عن مصر, ثم غياب النظرة الاستراتيجية السودانية المصرية, والسودانية بدرجة اكبر, بحكم التقلبات السياسية المنتظمة, نتيجة لعدم اكتمال عناصر الدولة من جانب, وعدم حدوث التمازج القومي الكامل في ربوع السودان الممتدة جغرافيا وثقافيا وإثنيا.. اثر الاستقلال مباشرة حدث فتور طبيعي في العلاقة نتيجة الرغبة السودانية في تأكيد مفهوم الدولة المستقلة, ثم حاول الحكم العسكري حكومة الفريق عبود ازالة الجفوة وكان من نتاج المحاولة اتفاقية مياه النيل 1959 واتفاق السد العالي, وبعد النكسة حدث مزيد من التقارب لم يدم طويلا, ومع عهد النميري تم توقيع عهد منهاج العمل 1974 واتفاقية الدفاع المشترك 1976 وميثاق التكامل 1982.. ولكن كل تلك الاتفاقات في حقيقة الامر لم تنبع من رؤية مشتركة عميقة الجذور للعلاقة الاستراتيجية, وكان عيبها الاساسي عدم شمولها للفصائل السياسية المتعددة في السودان, واقتصارها فقط على الفصيل الحاكم.. وهذه في حقيقة الامر هي المعضلة الاساسية امام صانع السياسة المصرية تجاه السودان, والتي يبدو انه يحاول تجاوزها في السنوات الأخيرة. وبلغ الفتور في العلاقة مداه في عهد الحكم الحالي بالسودان بعدة عوامل من بينها التنازع على مثلث حلايب ومصادرة الممتلكات المصرية, في محاولة لكسب مشروعية داخلية بافتعال معركة مع خصم خارجي, حتى لو لم تنطبق مواصفات المعركة او الخصم على ما حدث.. في الوقت الذي تواجه السودان مخاطر عدة.. حرب الجنوب وتجمع المعارضة واستنادها لاطراف خارجية, فالحرب وحمل السلاح يعني بداهة الاعتماد على جهة او جهات خارجية في الاقليم الجغرافي, افريقيا, والدولي ايضا, الاستراتيجية الامريكية المحاصرة, الاستراتيجية الاسرائيلية المتعاونة مع خصوم محتملين حول السودان, ثم النزاع الشمالي ــ الشمالي الى درجة النزاع المسلح في شرق السودان.. ولعب (ضيق الافق) من الجانبين المعارضة والحكومة دوره في امتداد التأزم, ورغم ان الحكومة وضعت دستورا وقانونا لتنظيم الاحزاب في مطلع العام الحالي به قدر عال من الحقوق والحريات وسمحت بالتعددية الحزبية وعودة الديمقراطية, الا ان المعارضة تريد اقتلاع الانقاذ من الجذور وتطالب بمؤتمر دستوري يضع اتفاق سلام ومحاسبة من اجرم في حق الشعب, وبالاساس تريد تفكيك مؤسسات الانقاذ, وهو مطلب يصعب على الاخيرة القبول به.. وبالطبع ترك النزاع المسلح وغير المسلح آثاره على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد وفتح ثغرة لتبرير التدخلات الاجنبية وتحرير مخططات خارجية.. في ظل هذا الوضع تزداد حاجة السودان الى طرف ثالث لا يمكن تصنيفه فعليا كطرف خارجي.. وانما طرف شريك واصيل يدفع هو نفسه ثمن الازمة السودانية, وترتبط مصالحه المباشرة باستقرار السودان.. هو باتفاق كثير من السودانيين مصر.. ولكن المصالح المشتركة بين الطرفين مصر والسودان قد تؤدي الى صراعات حادة ما لم يتحقق توازن دقيق في صياغتها حتى لا يضار اي من الطرفين, ويتطلب تحقيقه ايضا تفهما وادراكا عميقا لعناصر معادلة الامن القومي: القدرة والخطر, على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والامنية, بعيدا عن الاسلوب العاطفي السائد في اي حوار سوداني ــ مصري, من اجل النفاذ الى جوهر الخلافات ومن المهم ان يحدث تحول في ادراك متبادل نما تاريخيا ومازال فاعل الاثر, وهو مشكلة (الدولة الكبيرة) او الاخ الاكبر, فمصر تنظر للسودان تاريخيا نظرة الاخ الاكبر للاخ الاصغر, ويرفض السودان بحساسية لها ما يبررها موضوعيا تلك النظرة ويطالب بالندية, ومن الممكن ان يقتنع الطرفان بحق كل منهما في ادارة مصالحه بما لا يتعارض مع الآخر, وان يؤدي راضيا للاخر حقوقه المطالب بها, وصولا الى الندية الكاملة.. ومن زاوية استراتيجية يمكن القول ان التهديد العسكري لامن مصر والسودان مشترك, ولمصر مصالح امنية في الدفاع عن ارض السودان وعدم تعرضه لاي غزو خارجي او انفصال جزء من اجزائه, وتمثل مصر على المستوى الداخلي اقليما محددا متكاملاً وقوميا غير قابل للتجزئة, وسواحلها الشمالية الممتدة لاكثر من الف كيلومتر يصعب الدفاع عنها والتاريخ شاهد على ما تعرضت له مصر من غزوات بدءا من الهكسوس وحتى الاسرائيليين, مما يجعل الجنوب المصري والسوداني عمقا استراتيجيا لا يمكنها الاستغناء عن استقراره, وعلاقة استراتيجية جيدة معه, اذا وضعنا في الاعتبار ايضا نهر النيل ومنابعه في الجنوب وضرورة تأمين وصول المياه الى مصر.. كما ان وضع مصر الجغرافي يفرض عليها انعكاس الصراعات الدولية, فمازالت قناة السويس تتحكم في توازن القوى العسكرية الدولية والحركة التجارية العالمية وحركة البترول. ومصر دولة عربية سكانا ورصيدا تاريخيا وقدرات مادية, ويزيد تعداد السكان فيها عن طاقة مواردها مما يستدعي الاعتماد على الخارج, وهي لا تمارس وجوداً مؤثراً خارج حدودها ولا تمسك بمفتاح من مفاتيح الصراع الكبرى كالغذاء او الطاقة او التكنولوجيا, وعلى المستوى الثقافي والسياسي الداخلي يتجاذب المجتمع المصري تيارات الثقافة الاسلامية والثقافة العربية والمصرية والنزعة العلمانية, في اتجاه الاحقية التاريخية للانتماء الجغرافي والتاريخي.. والمصلحة المشتركة (مصريا ــ سودانيا) على المستوى المصري الداخلي هي توفير الغذاء للشعب المصري باستثمار زراعي وصناعي زراعي في السودان, حيث تتوفر فرص كبيرة, وربما يتمكن البلدان من امتلاك احد مفاتيح الصراع الكبرى وهي (الغذاء) ولا يوجد في مصر اي تهديد امني يمكن ذكره في جبهتها الداخلية ولا يمكن اعتبار الجماعات الارهابية تهديدا كبيرا للوحدة الوطنية المصرية, بعكس الحال في السودان, حيث تتركز التهديدات من الداخل لا الخارج بسبب غياب التكامل وذوبان القومي والعرفي, والاجماع الوطني, الى جانب المناكفة الدائمة ومحاولات تقويض شرعية جهاز الحكم, مما جعل عائدات السودان توجه دوما لمواجهة الصراعات الداخلية وفي حالة العلاقة الاستراتيجية بين مصر والسودان تهدأ هذه الصراعات, ويمكن احتساب ذلك (قدرة) للامن القومي السوداني. ويرتبط الامن المصري ايضا بأمن العالم العربي الذي تنتمي اليه مصر عضويا وجغرافيا, باعتبارها القوة البشرية الاساسية القادرة على خوض صراع مسلح, وينبغي وضع هذا التوصيف الدقيق لمصر في اعتبار السودان دائماً, لانه يمثل اختياراً صعبا على السودان متعدد الاعراق والثقافات, وعليه ان يوازن بدقة بين مصر العربية وتعدده الثقافي, دون قمع للبعد الافريقي فيه.. اي ان الاهداف السياسية المصرية توفير الغذاء وتأمين منابع النيل والعمق الاستراتيجي (العسكري بالاساس) في السودان خالية بالفعل من الاطماع التوسعية او الهيمنة الاقتصادية عليه.. والسودان يريد من مصر الدعم العسكري والثقافي والتكنولوجي والمساعدة في تحقيق اجماع وتكامل وطني بالجبهة الداخلية السودانية, والحقيقة انه بالمقارنة بظروف واوضاع دول اخرى في العالم العربي او افريقيا لا توجد دولة تتطابق مطالب امنها القومي مع مطلب الامن السوداني مثل مصر, بل ان عوامل العلاقة الاستراتيجية بين مصر والسودان تفوق مثيلاتها بين بعض اجزاء السودان ــ دون اي مبالغة.. بعيدا عن العواطف الحارة بين الشعبين الشقيقين في الشمال والجنوب, ذلك التعبير الاثير لدى كثير من الرسميين على الجانبين, يمكن القول ان مشكلة جنوب السودان, او السودان كله في اللحظة الحالية مشكلة مصرية تقتضي البحث عن حل, ودفع ثمن تركها تتفاقم لسنوات ومصر ينقصها دائما استقرار السودان ويمكن القول ايضا ان (الحذر) المصري في التعامل مع الحساسية السودانية تجاه اي فعل تقوم به مصر في السودان ويمكن تسميته تدخلاً في شؤون داخلية كان ايضا احد أسباب تفاقم مشكلة جنوب السودان الى حد الحرب, رغم موضوعية ذلك الحذر وصوابه في كثير من الأحيان.. إلا ان الوضع الاخطر للطرفين مصر والسودان يحتاج بالضرورة لاتخاذ قرارات صعبة.. وعلى العقلاء في الطرفين مراجعة رؤيتهما كل للآخر, ولعل خطوة التقريب بين الفصائل السياسية السودانية خطوة على الطريق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات