للرجال من كل الطبقات يوما الجمعة والاحد: سوق الغزل البغدادي يحتفظ بغرائبه عبر الايام

على بعد امتار.. تزكم انفك رائحة ريش الطيور المتناثر مع الهواء, وتمتزج بأبخرة غريبة.. وضجة كبيرة.. وعندما تقترب منه لا تبصر سوى الرجال.. بل قل الذكور.. صبيانا وشبابا وشيباً.. واذ مرت امرأة صفرت الطيور قبل اصحابها . ذاك هو سوق (الغزل) .. كان موقعه في الزمان البعيد خلف سور بغداد.. الأول, وكان يضج بالقادمين من الهند والسند وبلاد الواق واق.. يحملون ماحلا وغلا من الطيور الغريبة والاشياء النفيسة.. يذكره العراقيون.. بالطبع ومنهم الشيخ عباس حميد الذي يتذكر السوق منذ ثورة العشرين ما بين سوق حقوق وسوق الشورجة يقول لنا: سمي بسوق الغزل اذ كان السوق يقام لبيع خيوط الغزل المصنوعة من الصوف كل جمعة.. ويجتمع فيه الباعة من كل صوب يفترشون الارض, ثم دخلت بضاعة الطيور والحيوانات.. ويؤم الناس السوق من جميع الطبقات ثم ينتهون قبل اذان العصر.. فاذا ما اذن للعصر فرغ السوق من كل من به وما به. من هم رواده؟ ــ عشاق الغرائب.. ذلك اولاً.. ثم بعد ان تنوع المعروض فيه صار رواده من كل الالوان والاشكال.. يلتقون يشترون ما يحتاجون اليه بأسعار مقبولة ومتهاودة بعيداً عن عيون رجال الضرائب وتكاليف ايجارات المحلات الانيقة التي تتحملها اسعار السلع والبضائع أولاً وأخيراً ويمارسون هواية عراقية قديمة قدم الزمان تلك هي (المفاصلة في الاسعار) . هل ما زال السوق ينعقد كل جمعة..؟ ــ أصبح السوق يقام مرتين في الاسبوع يومي الجمعة والاحد ويجمع اغرب تجمع.. يباع فيه كل شيء حتى القطط والحمام والكلاب والعصافير والصقور والثعابين وسمك الزينة.. ومعدات الصيد البحرية والبرية وغيرها من البضائع التي يحتاج اليها الهواة في تربية الحيوانات والطيور اما نوعية البائعين فهي غير عادية في الزمان القديم كان الباعة متخصصين محترفين في نوعية ما يبيعونه اما اليوم فتجدين الطالب والطبيب والمحامي.. كلهم هواة.. لقد خلق السوق طبقة جديدة من البائعين وهم التجار بدون رأس مال. هلا اوضحت يا شيخ..؟ ــ تجدين بعض الباعة استغنوا عن هواية تربية الطيور فيبيع ما لديه, وآخر يكون لديه انتاج زائد من الطيور والاسماك او الكلاب وهو في غير حاجة اليها عالم شديد الطرافة, والاغرب ان من رواده النظاميين الاجانب.. فرادات.. فرادات.. يفترش الباعة الارض.. يضعون اقفاصهم.. بضاعتهم ثم ينادون عليها وقوفا.. ويعددون مزاياها.. ببغاء هندي اخضر اصفر يتكلم بثلاثة ألسنة) , (كلب الماني) ابو الفرو.. يرقص غربي وشرقي, سمك زينة.. يكهرب الحرامي! قطة شامية, دافية وكلها حنية.. كأني في سوق بيع الجواري.. شامي, هندي, رومي, واذا لم تبكر في دخول السوق لن تتمكن من السير وسط الحشود الهائلة التي تؤم السوق من جميع المناطق.. في السوق تختلط رائحة الزمان القديم, بالزحام الشديد.. وتختلط لغة الارقام بأصوات المنادين.. احد الباعة الشباب يبيع اسماكا للزينة, يغرد كبلبل وهو ينادي ويرفع مزاده.. خمسين.. مئة.. مئة وعشرة.. حتى يصل الى ما يرضي الاطراف.. قلت مئة وعشرة دنانير..؟ ــ مئة وعشرة آلاف دينار يا سيدتي. ما اسمك؟ ـ احمد رياض. هل تتمنى البيع؟ ــ ان السوق يقدم لي فرصا لقضاء وقت الفراغ الذي اواجهه ويواجهه مثلي الكثير من الشباب وهو يوفر فرصا ايضاً لكسب حلال.. نحن نشتري البضائع التي يحتاج اليها هواة تربية الاسماك, اسماك الزينة بالطبع ونكسب منها لقمة عيش تساعدنا على سد بعض المصاريف خاصة في ظروف الحصار.. على مقربة منه.. مسافة خطوة بالضبط يقف امجد قاسم, طالب بكلية الادارة والاقتصاد وامامه تنتصب اقفاص العصافير الصغيرة الجميلة.. قال: ــ كنت اعشق تربية العصافير وكان لدي في البداية زوجا منها, افرخا عدة مرات وصار العدد كبيرا ويحتاج الى اطعام وخدمة وبما انني طالب فلا بد من بيع الافراخ لكي استطيع التركيز على الدراسة.. لذا احضر يوم الجمعة لأبيع ما يزيد عن حاجتي.. وقفت غير بعيدة عن بائع القرود واخر للثعابين.. راودتني قصص القرود الناقلة للايدز .. وغابات افريقيا بأمراضها, ولكنني ضحكت في نفسي وانا اشاهد على بخار السماور المتصاعد السندباد البحري في غابة ترشقه القرود بجوز الهند.. قلت للرجل: هل هذا القرد هندي ام افريقي؟ ــ نظر الي مستهزءاً.. انه باكستاني.. قال آخر: عشنا وشفنا.. نسوان تشتري قرود.. لا ادري ان كانت هذه العبارات احتجاجاً على دخول امرأة للسوق لكنني اصررت على سؤاله: لمن تبيع القرود؟ فلا سيرك عندنا..! ــ للمختبرات.. دهشت.. وهل لدينا مختبرات تستخدم القرود..! ــ قال الرجل نعم بالطبع.. الست من بغداد! ثم تمتم.. نسوان! حرف جديدة... لا يمكن تسمية ما طرأ على السوق من مهن بأنها حداثة.. فالحرف الجديدة التي لا تحتاج رأس مال ابتكرها الشباب وهي ليست موروثة تصنع حاضنات السمك من الزجاج المكسر, وصناعة ادوية وطعام للسمك من الدقيق.. كلها مبتكرات خلقها فراغ السوق من حاجته.. سألنا احدهم عن اكياس يعبأ فيها طعام للسمك.. قال: ــ نستخدم الدقيق ونعطيه لونا ثم نضعه في ماكينات السيارات ونرشه على اي شيء ساخن فيتحول الى قشور.. نعبئها في اكياس نايلون وتباع طعاماً للسمك.. الا تموت الاسماك؟ ــ انها تقفز شغفا به.. يا سيدتي لقد اكلت اسماك الزبيدي وغيرها.. كم جثث قتلى الحرب في شط العرب والخليج ونهر دجلة افلا تأكل هذه القشور الدقيقة.. على الأرصفة.. امتدت حاجات لا علاقة لها بالغزل او الغزل او الطيور وقردة افريقيا وطاووس الهند.. كانت اجندة كهربائية مستعملة ومسلفنة.. جديدة لكنها بعيدة عن الجدة الحاجة خلقت طرقا كثيرة للغش.. وتراكمت الماركات العالمية.. انترناشيونال باناسونيك.. سوني.. سامسونج.. وغيرها على اجهزة لا تمت اليها بصلة.. ترى بطاريات.. حتى امشطة الشعر.. قفازات طبية.. الكثير مما قد لا تتوقع ان تجده في هذا السوق.. قال مهندس شاب يبحث عن كلب لابنه الصغير.. ــ جئت لاشتري كلباً للصغير الذي أغرم بكلب ظهر في احد الافلام الامريكية واصر على ان اشتري له.. (بيتهوفن) وهو اسم الكلب بطل الفيلم واذا بي اشتري اشياء كثيرة اجدني احتاجها مسامير, بلكات للسيارة.. وارنيش.. اصباغ للاحذية.. الكثير الكثير. هل هي ناقصة في السوق العادية لتجدها هنا! ــ كلا بالطبع.. لكنني وجدتها ارخص قد تكون مغشوشة.. ــ لا اعلم لم اجرب بعد.. ولكنني اشتريت على كل حال. على طول الطريق.. من سوق حنون قرب الشورجة حتى ساحة التحرير في مركز المدينة على الجانب الايسر ان سحقت قادما من شارع الجمهوري, لا تجد غير رجال.. رجال.. طيور وبغال وقردة وأفاع.. وعدد يفترش الارض.. لا محط لقدم.. ولا منأى لك من ان تغرم.. ربما بعندليب, أو بقطة سيامية, أو بقرد شركسي, أو صنارة صيد.. أو غزالة حسناء.. ذاك سوق الغزل.. عبق التاريخ الشعبي القديم.. مازال في مكانه منذ ابتكره البغداديون.. في بغداد المدورة.. حتى لحظة الحصار هذه. بغداد ــ لهيب عبدالخالق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات