زاوية معلومات: تاريخ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان منذ عام 1948

يعود تاريخ الاعتداءات الاسرائيلية على الجنوب الى العام 1948, حين استولت اسرائيل بعد قرار تقسيم فلسطين على الجليل الأعلى بكامله, والذي يشكل المنطقة المحاذية للحدود الجنوبية اللبنانية . لكن التغلغل الصهيوني العلني في منطقة الجنوب, يعود الى مطلع العام 1976, حيث شهدت المنطقة في هذا التاريخ تطورات امنية سياسية كان لها الاثر البالغ فيما بعد على مسار الوضع اللبناني ككل وتمثلت بالتدخل المباشر في مسار الحرب الاهلية التي انتقلت من الداخل الى الشريط الحدودي آنذاك. عبر رعايتها للعديد من المجموعات اللبنانية المتعاملة معها. ففتحت بوابة كفر كلا ــ المطلة الحدودية, وبوابة ميس الجبل, وسيطرت على قرى القليعة, وبرج الملوك, ومرجعيون, ودير ميماس, وكفر كلا وعديسة الحدودية, حيث شكلت السيطرة على تلك القرى قاعدة للتدخل الاسرائيلي في اوضاع الجنوب, وفي خارطة المنطقة لاعادة تقسيمها وفقا لأهدافها, وبحجة تقديم المساعدات لفئات لبنانية محددة. لقد بدأ تاريخ العدوان العسكري الصهيوني على الجنوب بشكل منظم منذ العام 1948, فاجتاحت حدود لبنان الجنوبية عصابات اسرائيلية واحتلت نحو 15 قرية من الجنوب. وقام الصهاينة بتنفيذ مجزرة جماعية في بلدة حولا الحدودية في اكتوبر عام 48, واودت بحياة 93 مواطنا. تلا ذلك سلسلة من الاعتداءات والعمليات العسكرية الاسرائيلية شملت معظم قرى وبلدات الشريط الحدودي المحتل حالياً, كما طاولت القرى الجنوبية البعيدة عن الشريط حتى مدينة صيدا, وتمثلت هذه الاعتداءات بغزو القرى وقتل المواطنين, وضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية, ودفع الأهالي الى النزوح. احتلت اسرائيل أجزاء واسعة من الجنوب, سمتها منطقة الحزام الامني, وهي المنطقة المحتلة من الجنوب اليوم, واحتفظت بها على مرحلتين: المرحلة الاولى كانت خلال اجتياح العام 1978, اما الثانية ففي عام 1982. لبنان الذي لم يشارك رسمياً في الحروب العربية ــ الاسرائيلية, الا أنه عانى من نتائج تلك الحروب في أشكال مختلفة, فكانت حدوده الدولية تشهد اشتباكات وعمليات يومية خصوصاً في الستينات والسبعينات. في عام 1960 وقع اشتباك بين الجيشين اللبناني والاسرائيلي, اسر اللبنانيون على أثره اربعة جنود اسرائيليين جرى تسليمهم فيما بعد. في ليل. 29, 1965/10/30, قامت القوات الاسرائيلية بغارات على الاراضي اللبنانية في الجنوب, حيث اجتازت خطوط الهدنة مسافة 3 كلم. ودخلت قريتي حولا وميس الجبل, ونسفت منازل فيها وخزانات مياه عامة. وتعرضت منطقة الجنوب لاعتداءات واسعة خلال حرب عام 1967, فأصيب الجنوب بخسائر فادحة بشرية ومادية, وسقط من سكانه عشرات القتلى ومئات الجرحى, وتشرد منهم الألوف, فيما استولت اسرائيل على مزارع في جبل الشيخ (حرمون) وشبعا, وحوّلت الهضاب المرتفعة الى مواقع عسكرية. في 26 ديسمبر تعرض الجنوب بأسره لقصف اسرائيلي عنيف, وشنت الطائرات الاسرائيلية غارة كبرى على مطار بيروت الدولي ودمرت 13 طائرة مدنية, بينها ثمان طائرات تابعة لشركة طيران الشرق الاوسط, فأصدر مجلس الامن الدولي قراراً يدين العملية الاسرائيلية حمل الرقم 262. فدمر بذلك الجزء الاكبر من اسطول لبنان الجوي التجاري. تبع ذلك هجمات اسرائيلية متكررة تركزت على منطقة العرقوب وعدة قرى جنوبية اخرى في قضاءي مرجعيون وبنت جبيل, اضافة الى قضاء صور. وواصلت اسرائيل اعتداءاتها طوال تلك الفترة, فدخلت عام 1970 الى قرى عدة في العرقوب ومرجعيون وبنت جبيل, وشنت هجمات تحت غطاء مدفعي ثقيل, وغارات جوية. ثم انسحبت بموجب قرار مجلس الامن الدولي رقم 278. وتجددت هجماتها في نفس السنة, مما دفع مجلس الامن الى اصدار قرارين متتابعين حملا الرقمين 279 و280, محذراً اسرائيل من مغبة انتهاكها لميثاق الأمم المتحدة. لكن اسرائيل تمادت في استهتارها بقرارات مجلس الامن وامعنت في عدوانها على الجنوب حيث اصبحت غاراتها الجوية تستهدف المناطق والقرى بشكل يومي. وشنت اسرائيل عام 1971 غارات وهجمات اوقعت أكثر من 20 قتيلاً و40 جريحاً في منطقتي مرجعيون وبنت جبيل, فضلا عن تدمير عشرات المنازل في منطقة العرقوب والخيام وكفر كلا حتى منطقة الصرفند. مما اضطر مجلس الامن الى اصدار قرار اخر حمل الرقم 295 لوضع حد للغارات. ثم قامت اسرائيل باجتياح عسكري عام 1972, وقصفت الجسور التي تربط المناطق الجنوبية بعضها ببعض, خصوصاً جسور نهر الليطاني, رافقه قصف بالغازات السامة. فيما تولّت فرقة اسرائيلية خاصة اغتيال ثلاثة قياديين فلسطينيين في بيروت عام 1973, بالإضافة الى غارات استهدفت كافة المخيمات الفلسطينية في بيروت والجنوب. ‍ وخلال حرب العام 1973 استباحت اسرائيل السماء اللبنانية, وسقطت طائرات اسرائيل فوق الجنوب مما احدث اضرارا في الارواح والممتلكات. وآخر الهجمات الاسرائيلية قبل التدخل العلني المباشر كانت خلال عامي 1974 ــ ,1975 وذلك حين دخلت الى قرى في منطقة العرقوب ومعظم الشريط, وشن غارات متتالية, واعتقال مواطنين جنوبيين. واجتازت القوات الاسرائيلية قريتي عتيرون والطيبة, فدمرت منازل واقتادت مواطنين. وقتلت أحد الجنود اللبنانيين في مركز عمله. ‍ دخلت اسرائيل اذن, على خط الازمة اللبنانية بشكل علني ومباشر عام 1976 واخترقت الداخل اللبناني من بوابتي رميش في القطاع الاوسط, والقليعة في القطاع الشرقي, وتحولت البوابات الى اختراقات اسرائيلية مباشرة للجسم الشعبي اللبناني الذي كان يعاني من نار الحرب الاهلية, ويمزقه انقسام طائفي, وهي بذلك ربطت الشريط الحدودي بالداخل اللبناني بداية عبر تلك البوابات. ‍ في الأول من اغسطس عام 1976 شنت القوات الاسرائيلية ومجموعات لبنانية متعاملة معها هجومها الاول في محور القطاع الشرقي. واحتلت مرتفع (النبي عويضة) المطل على بلدة الطيبة, وجبل المحامص الى الجنوب من بلدة الخيام. ‍ مع حلول ابريل 1977 كانت التجمعات العسكرية المدعومة اسرائيليا تسيطر على اكثر من ثلاثين قرية من قرى الشرىط الحدودي اللبناني. ‍ اجتاحت اسرائيل حدود لبنان الجنوبية بشكل واسع عام 1978 عبر جبهة عرضها مئة كلم, وحشدت عليها اكثر من ثلاثين الف جندي, وسمتها اسرائيل (عملية الليطاني) , وجوبهت هذه العملية بمقاومة وصمود كبيرين من قبل القوات المشتركة, ثم احتفظت اسرائيل اثر هذا الاجتياح بحوالي 800 كلم مربع من اصل مساحة لبنان تحت سيطرتها ووصل هذا الاجتياح الى مشارف مدينتي النبطية وصور, لكنها وسعت هذه المنطقة باحتلال اجزاء اخرى والسيطرة عليها في اعقاب اجتياح عام 1982 الذي سمته عملية (سلامة الجليل) , ووصلت الى العاصمة بيروت. ثم انسحبت من بيروت وصيدا ومعظم المناطق التي احتلتها في هذا الاجتياح الثاني. وفي اعقاب الاجتياح الاول ,1978 واثر احتلال اجزاء من الاراضي اللبنانية اصدر مجلس الامن الدولي قرارا يحمل الرقم 425 يدين فيه العملية الاسرائيلية, ويدعو اسرائيل الى الوقف الفوري لعمليتها العسكرية ضد اراضي لبنان وان تنسحب فورا الى ما وراء الحدود الدولية, واحترام وحدة لبنان واراضيه. ومن اجل وضع هذا القرار موضع التنفيذ اتخذ مجلس الامن, ولأول مرة تدبيرا عملياً تمثل باقراره ارسال قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة الى الجنوب لتـأكيد انسحاب القوات الاسرائيلية وتثبيت السلام والامن الدوليين. وبالفعل انتشرت وحدات من قوات الطوارىء من جنسيات مختلفة على اجزاء واسعة من الجنوب, لكنها لم تستطع حتى اليوم تطبيق القرار الدولي, فيما يجري التجديد لوحداتها روتينيا كل ستة اشهر. وبالرغم من ذلك تشبثت اسرائيل بموقفها العدواني واستبقت قطاعا حدوديا من الجنوب. ومع استمرار الاعتداءات الاسرائيلية وصولا الى اجتياح عام ,1982 اصدر مجلس الامن قرارا آخر يحمل الرقم 509 يتضمن الدعوة الى تطبيق القرار ,425 والحفاظ على وحدة لبنان وسيطرة الدولة اللبنانية على كافة اراضيها. وقد سبقت هذا القرار الاخير جملة قرارات مماثلة قبل اجتياح عام 1982 هي القرارات: 426 (عام 1978), 427 و 444 (عام 1979) و ,450 ,459 و,467 474 (عام 1980). ‍ ومع الاجتياح الثاني عام 1982 الذي تخطى العاصمة بيروت, وبعد الانسحاب الاسرائيلي عام ,1985 احتفظت اسرائيل بنسخة معدلة للشريط الحدودي, واضافت جزين اليه, فأصبح الجزء المحتل يشكل مساحة 1250 كلم مربعاً وبعمق 8 الى 20 كلم داخل الجنوب حتى جزين وصولا الى مشارف الجبل. ‍ شهد الشريط المحتل تطورات كبيرة منذ ان دخلت اسرائيل بدباباتها عام ,1978 على مختلف الصعد وعند كل مرحلة. حين اعلن الرائد سعد حداد انشاء دولة لبنان الحر في المنطقة المحتلة من مستعمرة المطلة في 19 ابريل 1979. وكانت المنطقة التي يسيطر عليها تمتد نحو 80 كلم من الناقورة غربا الى كفر شوبا شرقا, ويراوح عمقها مابين 5 و12 كلم, وتبلغ مساحتها 800 كلم. كما اقدم حداد بدعم اسرائيلي على انشاء (جيش لبنان الحر) في 17 مايو عام 1980 بقيادته بعد دمج كافة الوحدات العسكرية النظامية في اطاره. ويذكر أنه في هذا التاريخ شهدت المنطقة المحتلة اشتباكات عنيفة وعمليات عسكرية نفذتها القوى الوطنية اللبنانية ــ الفلسطينية المشتركة ضد مواقع الاحتلال والمتعاملين معه. فيما شنت اسرائيل هجمات بالمدفعية والطائرات طالت مختلف المناطق ووصلت الى بيروت. وفي عام 1981 قامت اسرائيل بعملية قصف جوي استمر عدة ايام, واستهدف الجسور التي تربط المناطق الجنوبية بعضها ببعض ودمرتها, وتوقف القصف على اثر اتفاق لوقف اطلاق النار بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية, تم توقيعه برعاية المبعوث الخاص, فيليب حبيب في 24/7/1981 وابان الغزو الاسرائيلي صيف 1982. تمددت (دولة لبنان الحر) حتى حدود نهر الاولي شمال مدينة صيدا, لكن المهام الامنية في المناطق الجديدة المحتلة تولتها القوات الاسرائيلية نتيجة لتصاعد عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. ثم حصل تبدل داخل (جيش لبنان الحر) بعد وفاة سعد حداد, تزامن مع تسلم اللواء المتقاعد في الجيش اللبناني انطوان لحد مهام قيادته في 4/4/498_. ‍ لكن (جيش لبان الجنوبي) تعرض لانهيار كبير في صفوفه خلال المرحلة بين العامين ,1985 1986 بفعل ضربات المقاومة واختراقها لاجهزته وبسبب تعرض انطوان لحد نفسه لعدة عمليات اغتيال في العبشية ومرجعيون, كان ابرزها العملية التي نفذتها المقاومة سهى بشارة حيث نجا منها بأعجوبة, بالاضافة الى فرار العديد من عناصره, وقامت اسرائيل في ذلك الوقت بالاشراف المباشر على مختلف اجهزة هذا الجيش لرفع معنوياته. كما تولت المسؤولية الامنية المباشرة. ‍ وفي الشريط المحتل انشأت اسرائيل معتقل الخيام, الذي تعتقل فيه حاليا مئات المواطنين اللبنانيين والفلسطينيين. والمعتقل هو ثكنة الجيش اللبناني القديمة في بلدة الخيام. تم انشاء المعتقل بعد اقفال معتقل انصار خلال انسحاب اسرائيل عام 1985 وهو المعتقل الذي احتجزت فيه آلافا من المواطنين اللبنانيين والفلسطينيين. فيما اقفلت سجن عتليت العسكري داخل فلسطين المحتلة والذي كان مخصصا لمعتقلي الجنوب, وذلك بعد ثلاثة اشهر من انسحابها. والجدير بالذكر هنا ان الجيش اللبناني حاول الدخول الى الجنوب, خصوصا الى المناطق المتاخمة للشريط مرات عدة, لكنه جوبه برفض اسرائيلي صريح وعقبات, وشروط خاصة, ففي يوليو عام ,1977 حاول الجيش الدخول الى بعض المناطق الجنوبية المتاخمة للشريط, لكنه تراجع بعد اعلان سعد حداد في مؤتمر صحافي عقده في تل ابيب رفضه للانتشار. وفي يوليو عام 1978 ترجم الرفض الاسرائيلي لخطوة انتشار الجيش قصفا عنيفا لوحداته المتقدمة الى كوكبا في القطاع الشرقي في اتجاه مرجعيون. وايضا في يوليو عام 1979 تقرر اعادة انتشار الجيش بناء على قرار مجلس الامن رقم ,444 لكن اسرائيل رفضت القرار مصرة على البقاء في الحزام الامني. وحتى اليوم لم ينفذ قرار فعلي بانتشار الجيش حتى الحدود الدولية, بل استمرت الاعتداءات الاسرائيلية تجاه الداخل اللبناني مشكلة حالة استنزاف مستمرة. ولا تزال الى اليوم وحدات قوات الطوارىء الدولية عاجزة عن تطبيق قرار انتشارها حتى الحدود الدولية اللبنانية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات