وجهة نظر: جبهة الترابي بين تضخيم الذات وفشل الممارسة: بقلم- عبد المحمود أبَّو

تعرض العالم الإسلامي للغزو الاستعماري والاستلاب الثقافي ردحا من الزمن, فنشأت حركات مقاومة وطنية تصدت للاستعمار, كانت هذه الحركات ذات طابع قومي وليبرالي واشتراكي , ومع مرور الزمن ضمرت هذه الحركات وتراجعت عن الساحة لتحل محلها الحركات الإسلامية. لو صنفنا حركات المقاومة يمينا ويسارا ووسطا لوجدنا القوميين والاشتراكيين والشيوعيين اتخذوا منحى يساريا متطرفا, والإسلاميين التزموا جانب اليمين المتطرف, بينما التزمت الحركات الليبرالية وبعض الإسلاميين المعتدلين منهجا وسطا بين واليمين واليسار. وكان هدف حركات المقاومة التي انتهجت أسلوبا وسطا في الغالب هو تحرير الأوطان واستعادة كرامة الشعوب الضائعة دون ان تلتزم بأي ايديولوجية. أما حركات المقاومة الراديكالية ـ يمينا كانت أو يسارا ـ فهي حركات احتجاج ضد الواقع الظالم, وقد طغى على خطابها الحماس بلا خطة, والادعاء العريض بأنها تمتلك مفاتيح حل المشاكل المستعصية التي تتجاوز حدود المكان والزمان. وحركات الاحتجاج لديها القدرة على تحريك الشارع في الوطن العربي والإسلامي وذلك بسبب نهجها الراديكالي وخطابها العبوي الحماسي, ولكنها بأي حال من الأحوال غير قادرة على ادارة الحكم بتعقيداته التي لم تضع لها حسابا. حركات الاحتجاج وهناك عوامل ساهمت في ظهور حركات المقاومة الاحتجاجية في عالمنا العربي أهمها: أولا: التشويه الذي قام به بعض المستشرقين ضد الإسلام, فقد صوروا الإسلام بأنه ما هو إلا مسيحية مشوهة وانه انتشر بالسيف, وانه يربي أتباعه على الخمول والتخلف والتواكل, وصوروا العربي المسلم بأنه وحش متعطش للدماء, وشهواني يسعى لاشباع نزواته وغرائزه دون ضوابط. ثانيا: مارس الاستعمار مع الشعوب المغلوبة كل أنواع البطش والقهر ولم يكتف بسلب الحرية واهانة الكرامة, فأضاف إلى ذلك استغلال موارد البلدان وطاقات الشعوب المستعمرة لخدمة اهدافه الاستعمارية. ثالثا: أقام الاستعمار نظاما اقتصاديا وتجاريا ظالما جعل البلدان المستعمرة تدور في فلك البلدان المستعمِرة ــ بكسر الميم ــ فصار العالم الثالث أشبه بعامل بسيط في مصانع الدول الكبرى, فالموارد الخام تنتج في العالم الثالث ويتم تصنيعها في الغرب ثم يعاد بيعها بأسعار باهظة تصل إلى عدة أضعاف من قيمة الموارد الخام, فأصبح العالم الثالث مجرد مستهلك لمنتجات البلاد المتقدمة. رابعا: رحل الاستعمار ولكنه خلف نظما وطنية حارسة لمصالح الغرب وقاهرة لشعوبها, وتابعة للغرب بشقيه, فذاق المواطن في ظل النظم الوطنية الاتقراطية ذل القهر ومرارة ظلم ذوي القربى. خامسا: الاستعمار قبل رحيله مهد لاقامة الدولة الصهيونية في أرض فلسطين, فاقتُلع شعب من أرضه لتكون وطنا لشعب بلا أرض, والدولة الصهيونية دولة توسعية اقتطعت أرضا من كل جارة متاخمة لها, واحتلت ثالث مقدسات الإسلام ـ وهزمت العرب في معظم الحروب التي خاضتها معهم. هذه العوامل وغيرها خلقت احساسا بالظلم والقهر والاذلال والتبعية عند المواطن العربي والمسلم. تبلورت هذه المشاعر في شكل حركات رفض واحتجاج رفعت شعارات القوميّة والاشتراكية والشيوعية تارة وتارة أخرى رفعت شعار الإسلام. وسيطر على الشارع العربي الفكر القومي والاشتراكي في الستينات وبداية السبعينات من هذا القرن, وقامت نظم هنا وهناك ترفع هذه الشعارات ولكنها لم تفلح إلا في تحقيق نقيض ما وعدت به. رفع القوميون شعارات الوحدة والاشتراكية والحرية, وعندما أتيحت لهم فرصة الحكم تحولت الوحدة إلى تمزق للصف العربي بل احتل القوميون بلدا عربيا شقيقا واستباحوه. وقد تراجعت الشعارات اليسارية أيضا باختلاف مدارسها, ويبرز إلى السطح الشعار الإسلامي فماذا كان مصيره؟ الحركات الإسلامية في القرن الماضي ظهرت الحركة المهدية في السودان وتصدت للاستعمار وهزمته وحققت للسودان التحرير والتوحد والتعريف واكملت حلقات الإسلام فيه باقامة التشريع وانتصرت للإسلام وأقامت دولته الأولى في السودان. وقد تجسدت في الحركة المهدية كل حركات الاصلاح الديني الجهادية والتجديدية والاجتهادية. والدعوة الانصارية التي تنتهج النهج المهدوي حركة إسلامية سنية, توفق بين الأصل والعصر وتطرح الإسلام بأسلوب يستند على القاعدة التي وضعها الإمام المهدي (لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رِجال) وتنطلق هيئة شؤون الأنصار بالسودان من الدعوة الإسلامية, وتدعو إلى الاجتهاد والشورى فيما عدا القطعيات وتتعامل مع الآخر الملي والدولي على أساس التعايش والتنافس السلمي, والديمقراطية الإسلامية خيارها في الحكم. ان اشهر الحركات الإسلامية في عصرنا هذا هي حركة (الاخوان المسلمين) ومن عباءتها خرجت الجبهة الإسلامية القومية في السودان, بزعامة الدكتور حسن الترابي, وجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر, وحركة النهضة في تونس, هذه الحركات رشحت نفسها بديلا للأحزاب الوطنية في العالم العربي والإسلامي, وزعمت انها تملك مفتاح الحل لكل المشاكل التي عجز الآخرون عن ايجاد الحل لها. نود هنا التركيز على طرح الجبهة الإسلامية القومية في السودان كنموذج لهذه الحركات لنرى إلى أي مدى استطاعت ان تحقق على أرض الواقع ما وعدت به. لقد استبطأ قادة الجبهة الإسلامية القومية اسلوب حركة (الاخوان المسلمين) واقاموا تنظيما جديدا بمسميات مختلفة آخرها (المؤتمر الوطني) . وجد الفصيل الجديد في السودان مناخا طيبا واستقطب عددا من الشباب والنساء وتمدد في المجتمع السوداني المتسامح, ودخل في تحالفات مع الكيانات الوطنية استمرت ربع قرن من الزمان, ولكنه استفاد من نظام مايو بعد المصالحة الوطنية في 1977 فتبنى تنظيمه وأقام مؤسسات اقتصادية لتمويل انشطته. وفي فترة الحكم الديمقراطي الثالث كان حزب الجبهة هو ثالث حزب في السودان, ولكنه تآمر مع بعض العسكريين وجاء بنظام الانقاذ في يونيو 1989م وظل يحكم السودان منفردا حتى يومنا هذا, فماذا حقق للإسلام والسودان؟ وهل التزم بالمنهج الذي ظل ينادي به منذ قيامه؟ وما الفرق بين التنظير والتطبيق؟ أولا: تنظيم الجبهة القومية الإسلامية إذا قورن بالحركات الإسلامية الأخرى الخارجة من عباءة الإخوان المسلمين فهو يعتبر تنظيما معتدلا في أفكاره متزنا في أسلوبه منفتحا على الآخر, هذا على الأساس النظري, ولعل الذين اطلعوا على أدبيات هذا التنظيم المكتوبة في فترة السبعينات وبداية الثمانينات لاحظوا ذلك, ولكن بمجرد وصول هذا الحزب إلى السلطة مارس نهجا آخر يتناقض تماما مع ما ظل ينادي به, فالدولة التي أقامها دولة بوليسية استمدت اساليبها من أسوأ النظم في التاريخ البشري. لقد كان هذا التنظيم يعيب على التجارب التاريخية الأموية والعباسية والعثمانية تعطيلها للشورى, وعندما وجد الفرصة وصل إلى السلطة بوسيلة الانقلاب العسكري وعطل الشورى حتى في داخل التنظيم, وقمع الرأي الآخر, بل انبرى فقهاؤه يبررون تصرفاته المخالفة لجوهر الإسلام والمعطلة للحرية والعدالة والشورى!! ولم يستفد التنظيم من أخطاء النظم الاتقراطية التي مرت على الحكم في السودان بل اتخذ نفس اساليبها في حماية السلطة, فسخر معظم موارد البلاد للأجهزة الأمنية لملاحقة المعارضين, وصرف أموالا كثيرة لاستمالة الأفراد والجماعات وأصبح ديدنه اخراج المسيرات والمظاهرات المؤيدة للنظام ليوهم نفسه والمراقبين بأنه يمتلك قاعدة جماهيرية عريضة. وقد أثبتت فترة الأعوام العشرة في حكم الانقاذ, ان حزب الجبهة لا يملك برنامجا للحكم, وكان أداؤه ضعيفا بمقاييس قيادة الدول. ولا تختلف أساليبه عن أساليب الأنظمة الراديكالية الوضعية, بل كانت تجربته أسوأ لأنها ارتبطت بشعار الإسلام الذي جاء بالرحمة والعدل, ولكن النظام رفعه ليعطي قدسية لأحاكمه ومواقفه, وبذلك أعطى تأكيدا لاطروحة أعداء الإسلام التي تقول ان دعاة الطرح الإسلامي إذا حكموا استبدوا وإذا عارضوا أرهبوا. ثانيا: الاسلام كرم الانسان لمجرد انسانيته بغض النظر عن لونه او جنسه او عرقه او دينه, والمسلم له حقوق واجبة على اخيه المسلم, وقد حرم الاسلام ماله ودمه وعرضه ونهى عن التجسس عليه او الاساءة له بل حرم الظن السيئ له ولكن حزب الجبهة منذ وصوله الى السلطة انتهج نهجا يخالف تعاليم الاسلام المذكورة فقد جعل الاساءة للآخرين صفة ملازمة له, وظل اعلامه يشوه سمعة المخالفين له في الرأي ويجرح مشاعرهم ويختلق الاشياء السيئة وينسبها لهم زورا وبهتانا, وهدفه من كل ذلك ان يشكك قواعد الاحزاب المخالفة له في وطنية قادتها واستقامة سلوكهم. ان مقياس الوطنية عندهم يقوم على اساس موقف الآخرين منه فاذا اشتد ضغط المعارضين عليهم تبارت اجهزة اعلامهم في الحديث عن خيانة المعارضين وتآمرهم وعمالتهم وتحالفهم مع اعداء الاسلام للقضاء على الدولة الاسلامية في السودان واذا هدأت وتيرة المعارضين واراد النظام ان يرفع عنه ضغطا معينا تتحول اجهزة الاعلام للحديث عن نفس الشخصيات بلغة مخالفة فيها الاشادة بمواقفهم ووطنيتهم ومساهماتهم في خدمة الاسلام والوطن ــ هذا الاسلوب ظل يتكرر حتى استهجنه الناس وتعاملوا مع النظام على اساس قصة محمود والنمر. (قصة من التراث السوداني تحكى عن نهاية سيئة لشخص اعتاد الصراخ كذبا بهجوم نمر عليه حتى هجم عليه نمر بالفعل ولم يجد من ينقذه) . ان هذا النهج في التعامل مع الخصوم لايليق بحركة رشحت نفسها لخدمة الاسلام ونشر دعوته للعالمين ويقول جل وعلا في كتابه الكريم: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن..) والاسلام يعترف باختلاف وجهات النظر ويحترم الرأي الآخر ولذلك اعطى المجتهد اجرين ان هو اصاب, واجرا واحدا اذا اخطأ. ان وصف المخالفين بالخيانة والعمالة والردة بل والكفر في بعض الاحيان يعتبر ارهابا فكريا وضيقا في الافق ونهجا جديدا في الادب السياسي غريبا على المجتمع السوداني ــ لقد حول هذا النهج الخلافات السياسية في السودان الى احقاد وضغائن ومرارات يصعب نسيانها. ثالثا: الملاحظ ان قادة الحزب الحاكم الآن في السودان فقدوا الموضوعية في تناولهم للامور فالتعصب قد تملك على جوانحهم وانكار الواقع اصبح صفة ملازمة لهم. لقد اثبتت الدراسات الاكاديمية ان 95% من اهل السودان يعيشون تحت خط الفقر ــ وان الوضع الاقتصادي شبه منهار فالمشاريع الزراعية في الجزيرة والمناقل والرهد والنيل الابيض تدنت انتاجيتها الى اقل من النصف وذلك بسبب عدم التمويل وتوقف الصيانة وارتفاع تكاليف الانتاج والمصانع العاملة لا تتجاوز الآن 12% والعملة السودانية تدهورت قيمتها فصار الدولار الواحد يساوى 2450 جنيها سودانيا, والخدمات الصحية معدومة تماما وانهار التعليم على كافة المستويات هذه الوقائع يعيشها جل اهل السودان وهي مشاهدة على الطبيعة لا مجال لانكارها ــ ولكنك اذا استمعت الى الحاكمين وهم يتحدثون عن الطفرة الاقتصادية التي حدثت في السودان ستصاب بالذهول ولا تصدق اذنيك لانك تعيش واقعا مؤلما واهل النظام يحاولون اقناعك بان ما نعيش فيه هو جنة الفردوس, وربما يكونون محقين فيما ذهبوا اليه لان الدراسات النفسية اثبتت ان الانسان ينظر الى الحياة من خلال منظاره الخاص فان كان يعيش في نعمة ورخاء تتصور كل الناس يعيشون كمعيشته وينظر الى النظام الحاكم من خلال وضعه الخاص فان كان مستفيدا منه ومحققا لمصالحه فالنظام عادل والعكس بالعكس. ان مسيرة الاسلام في السودان لم تتقدم خطوة واحدة في ظل هذا النظام بل تراجع المد الاسلامي بسبب ارتباط شعاراته بممارسات هذا النظام, فالامل الذي كان يتطلع اليه المسلمون قد تبدد, بل في ظل نظام الانقاذ تفرقت كلمة المسلمين وتوحد غيرهم لقد حاول المفكرون الاسلاميون والمجددون عبر كتاباتهم وحواراتهم طيلة هذا القرن ان يبرزوا الوجه المشرق للاسلام ويؤكدوا صلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان, ويبرئونه من التهم التي الصقها به اعداء الاسلام, فنظريا استطاعوا ان يعيدوا الثقة الى المسلمين بدينهم وان يطمئنوا غير المسلمين بأنهم في ظل حكم الاسلام سيجدون الحرية الكاملة لممارسة شعائرهم وتنظيم حياتهم حسب معتقداتهم, ولكن تجربة النظام في السودان حققت نقيض ما قال به المفكرون الاسلاميون. ورغم هذا الاخفاق الواضح فان الحزب الحاكم في السودان يتوهم ان ما يطبقه هو الاسلام, وانه الوحيد الحريص على الاسلام والانتصار له, وان اعداء الاسلام يريدونه ان يتخلى عن عقيدته ويتنازل عن الشريعة وما درى انه قد تنازل عن الشريعة منذ يومه الاول. ان ما يطبق الآن في السودان ما هو الا عبارة عن شعارات يمارس في ظلها القهر والاستبداد والتضليل الاعلامي تقليدا لنظم وضعية طبقت اقبح تجربة في تاريخ الانسان. ان مكر السلطة وتملق اصحاب المصالح قد اوهما فرعون قديما بانه الرب الاعلى وما فاق من سكرته الا عندما ادركه الغرق قال تعالى (قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) . ان تجربة (الانقاذ) المسنودة من حزب الجبهة بمسمياته المختلفة اثبتت ان هذه الحركات تصلح للاحتجاج ولكنها بأى حال من الاحوال فاشلة في قيادة الدولة وان الشعار الاسلامي قد اساءت اليه تجربة (الانقاذ) واضافت الى دعاة الاسلام الصادقين المدركين لظروف العصر اعباء جديدة, فالمطلوب منهم ان يصارعوا في اكثر من اتجاه: يدحضوا اباطيل الخصوم واتهاماتهم ويفندوها ويبرئوا الاسلام من التجارب الفاشلة التي اساءت اليه, ويقدموا البديل المقنع, ممارسة لا تنظيرا, بصلاحية الاسلام. ان المفكرين والمجتهدين والمجددين الاسلاميين مطالبون ان يدرسوا تجربة الانقاذ في السودان والتجارب الاخرى المشابهة دراسة نقدية تحليلة بعيدا عن العواطف والتحيز وبعيدا عن تأثير البعبع الوهمي المسمى بمخططات اعداء الاسلام الذي اصبح تأثيره النفسي والمعنوي اكبر من وجوده على ارض الواقع ولعل اعداء الاسلام قصدوا ذلك. ان دعاة الاسلام مطالبون باعادة حركة الاسلام الى مسارها الصحيح حتى تؤتي اكلها بإذن الله, وتعيد للمسلمين الثقة في دينهم وتطمئن الآخرين بأن الاسلام اوسع من تجارب البشر القاصرة وصدق رسول الله حيث يقول (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) . الامين العام لهيئة شؤون الانصار بالسودان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات