حكايات سياسية:(ايتها السمكة انت تستطيعين تحطيمي ولكنك لا تستطيعين قهري...)دولة احمت ارتاي... بقلم- شوقي رافع

أيتها السمكة انت تستطيعين تحطيمي ولكنك لا تستطيعين قهري... لان الانسان لم يخلق كي يقهر العبارة من رواية (الشيخ والبحر)للمؤلف ارتست همنجواي, وقد اطلقها الصياد العجوز عندما كانت السمكة العملاقة التي اصطادها تجرّه خلفها اياما, وتخرج من الاعماق, فتقفز في الجو وتلقي بنفسها, قرب القارب, تحاول تحطيمه . المحققون الاتراك ربما يستطيعون تحطيم اوجلان, وكانوا يستطيعون بمساعدة الموساد والسي. آي. ايه اغتياله, ولكنهم لم يفعلوا, فهم لا يريدون تحطيمه... بل قهره, لانه يحمل روح شعبه والتاريخ, واذا كان الامريكي الابيض احتاج ما يزيد على قرن من الزمان لابادة الهنود الحمر, سكان امريكا الاصليين, فان جنرالات تركيا, يحتاجون قرونا لابادة 40 مليون كردي, تتوزعهم حدود الدول وجبالها, ولكنهم يحملون الهوية في القلب, ويورثونها للأبناء, ويواجهون بها ظلم التاريخ واستبداد الجغرافيا, وما يحلم به الجنرالات هو ان يقهروا اوجلان وان يكسروا ارادته, عندئذ لن يكون صعباً عليهم اقتلاعه من الذاكرة والتاريخ, وليس صدفة ان العقلية الانكشارية, في مطلع القرن الواحد والعشرين, قررت ان تضع اوجلان في (قفص) من زجاج, كما كان اسلافهم يفعلون من قبل مع اعدائهم المهزومين, ان فكرة (القفص) هي تراث عسكري انكشاري مائة بالمائة, فعندما يعجز العسكر عن قهر الفكرة او اغتيالها, وهم يعجزون دائماً, فان تعذيب صاحب الفكرة واذلاله هو البديل البليد. احمت... يضيق صدره السفير التركي في الكويت (احمت ارتاي) ضاق صدره بتعليق كتبه محمد مساعد الصالح (ابو طلال) تحت عنوان (اخوة التراب) نسبة الى المسلسل الشهير, فردّ السفير على الصالح واخرين في رسالة نشرتها الزميلة (القبس) , نقتبس منها: (انه من الصعب جدا ف6هم لماذا اصدر كتاب المقالات حكما مسبقا بالتأكيد على ان اوجلان سيتعرض للتعذيب عندما انتقدوا المشهد الذي عرض له مكبل اليدين, وبالتأكيد فانه ليس من الصعب فهم الاجراءات المعتادة في اية دولة وهي تقييد المجرمين, وهذا الفيلم لاعتقال اوجلان تم عرضه للتأكيد على ان اوجلان تمت معاملته جيداً ولم يتعرض للتعذيب(!). ويضيف السفير احمت ارتاي في رسالته: (وبخصوص الانتقادات الاخرى بأن تركيا رفضت محامي اوجلان الاجانب, يجب التذكير بان اوجلان مواطن تركي وبناء على القانون التركي ولتغطية اجراءات المحاكمة, فان المتهم يستطيع تعيين عدد غير محدد من المحامين, وفق رغبته, وهؤلاء المحامون يجب ان يكونوا مسجلين في اتحاد المحامين الاتراك) . ولكن وقبل ان يجف الحبر في رسالة السفير, اعلنت السلطات التركية عن اعتقال احد محامي الزعيم الكردي, بينما علق باقي المحامين اجراءات الدفاع بعد ان انهالت عليهم التهديدات بالقتل, مع انهم جميعاً مسجلون في اتحاد المحامين الاتراك, وفق مواصفات السفير احمت ارتاي (!). وبالطبع هناك عبارات في رسالة السفير تستحق ان تدخل في باب الاقوال المأثورة, وهي من نوع (ان هذا الفيلم لاعتقال اوجلان تمّ عرضه للتأكيد على ان اوجلان تمت معاملته جيداً ولم يتعرض للتعذيب) , والفيلم, لمن لايزال يتذكر المشهد, يبدو فيه الزعيم الكردي مقيّدا ومخدرا وحوله رجال القوات الخاصة بأقنعة سوداء لا تظهر منها سوى عيونهم, ويصلحون اعلانا عن (الخدمات الممتازة) التي تقدمها جمهورية احمت ارتاي للنزلاء المخطوفين عنوة. سجن ايمرالي جناح الشخصيات المهمة في جمهورية الجنرالات هو سجن (ايمرالي) وفي وصف هذا السجن, نقتبس من مجلة (الطليعة) الكويتية: ان اختيار جزيرة ايمرالي مكاناً لسجن اوجلان يثير شجون كثير من الاتراك والاجانب ويعيد فتح صفحات سوداء في التاريخ التركي, ففي 17 سبتمبر من العام 1961 نقل العسكريون الاتراك رئيس الوزراء الاسبق عدنان مندريس من سجن يسيادا (وهي جزيرة صغيرة قرب ايمرالي) الى السجن الذي يقيم فيه الان اوجلان حتى يشنق, ثم اوى هذا السجن المخرج التركي يلماز غوناي قبل انقلاب عام 1980 بسبب فيلمه (الطريق) الذي حاز جائزة السعفة الذهبية في مهرجان مدينة كان الفرنسية لعام 1982) . ولعل صفحة جديدة تضاف الى الصفحات السوداء في سجن بات رمزاً للعلاقة بين سلطة العسكري وبين المجتمع المدني, وفي هذا السياق فان المواجهة بين الاكراد والجنرالات تبدو هامشية لان المواجهة الفعلية هي بين العسكر وبين الديمقراطية, سواء كان ممثلا رئيساً للوزراء, او ثائراً كردياً او مخرجاً سينمائياً. ورقة عبدالحميد في ندوة نظمها مركز جمعة الماجد في عام 1995 في دبي بالمشاركة مع المجمع الثقافي في ابوظبي, عن تاريخ الطباعة العربية, روى الباحث الامريكي من اصل لبناني فوزي تادرس الاتي: كانت جريدة (كوكب امريكا) اول جريدة عربية ظهرت في الولايات المتحدة الامريكية, اصدرها نجيب عربيلي (1862 ــ 1907) وكان ظهورها حدثاً غريباً بالنسبة للامريكيين انفسهم, قرأوا جريدة تصدر بحروف مغايرة لحروفهم, وتقرأ من اليمين الى اليسار, ولاقت هذه الجريدة صعوبات بالغة في مرحلة تأسيسها, فقد كان الحرف العربي غير متوافر في المهجر, وافتقدت الطابعين والمنضرين الذين يتقنون اللغة العربية, ولكنها استطاعت الحصول على الحروف برغم صدور قانون عثماني يقضي بمنع خروج هذه الحروف من البلاد, اصدره السلطان عبدالحميد الثاني (1842 ــ 1918) وذلك بسبب خوفه ان تنشر في البلاد الاجنبية, وخاصة في انجلترا كلاما يهاجم نظام الحكم او ينتقد الاوضاع العثمانية... واستطاعت الجريدة لحسن الحظ الحصول على الحروف العربية عن طريق الوزير الامريكي المفوض (السفير) الذي كان يستطيع ان يخرج ما يشاء بالحقيبة الدبلوماسية...) . وبعد مرور قرن فان الجنرالات في تركيا مازالوا يحاولون منع تهريب الابجدية, وليس باللغة الكردية وحدها (!).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات