إزالة بثور العشوائيات من وجه القاهرة الجميل: خطة مصرية طموحة لإسكان 7 ملايين نسمة

في سعيها لإعادة تنظيم وترتيب أحياء القاهرة بدأت الحكومة المصرية مشروع تطوير عشوائيات القاهرة الكبرى, وللمشروع الضخم المطروح منذ عدة سنوات ولم ير النور سوى الأشهر القليلة الماضية جوانب اقتصادية واجتماعية وأمنية متعددة, فعلى المستوى الاقتصادي أسندت نسبة من التكاليف الاجمالية الى رجال الاعمال والقطاع الخاص للمساهمة في التنفيذ وعلى المستوى الاجتماعي تهدف الدولة من خلال المشروع الى انتشال الأسر المقيمة في أحياء تفتقر الى بيئة صحية واجتماعية جيدة بهدف تخريج سواعد تساهم في دفع عجلة التنمية الوطنية, أما من الناحية الأمنية فيساهم تطوير العشوائيات في تقليص أعداد الخارجين على القانون المتواجدين عادة في المناطق العشوائية وتعد غالبية الأحياء الشعبية ملاذاً آمناً للمتطرفين حيث يصعب الوصول اليهم في ظل انعدام التخطيط لشوارع تلك الأحياء.. أهداف كثيرة تنشدها الدولة من خلال المشروع الذي شهد منذ أيام قلائل افتتاح السيدة قرينة رئيس الجمهورية لأحد مراحله, وهى الخاصة بتطوير منطقة (منشية ناصر) العشوائية المزدحمة بالسكان. تصل نسبة التجمعات العشوائية بالقاهرة الى 40%, وفي الاسكندرية تصل الى 38%, وفي الدلتا والصعيد تصل الى 15%.. وفي آخر دراسة لوزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية تبين ان ثلث سكان القاهرة (حوالي خمسة ملايين نسمة) يقيمون في مناطق عشوائية, وتضم القاهرة 11 منطقة عشوائية, بالاضافة الى 10 مناطق في الجيزة, ومنطقتين في محافظة القليوبية وضواحيها.. أي أن مجموع المناطق العشوائية فميا يطلق عليه (القاهرة الكبرى) التي تضم القاهرة والجيزة ومنطقة شبرا الخيمة التابعة للقليوبية, يبلغ 23 منطقة عشوائية. مصب رئيسي للآلاف وعلى الرغم من جهود الدولة ومشاريعها العديدة لتوفير فرص السكن المناسب للشباب, إلا ان العشوائيات مازالت تشكل المصب الرئيسي لآلاف الشباب الذين يبدأون حياتهم ولم يستطيعوا لسبب أو لآخر ان يقفوا في قائمة الانتظار الطويلة لمشروعات الدولة. وتنقسم هوامش القاهرة الى ثلاث مناطق رئيسية أولها يبدأ من اطراف شبرا الخيمة في شمال القاهرة, وتضم مناطق (بيجام ومنطاي وميت نما) التي تقع عند تقاطع الطريق الدائري مع طريق مصر اسكندرية الزراعي.. والمنطقة الثانية تقع غرب القاهرة بين خطي سكة حديد مصر ــ الصعيد, ومصر ــ القناطر وتضم تجمعات عديدة مثل (البراجيل وبشتيل واطراف أرض اللواء وبولاق الدكرور) , وإذا كانت المناطق السابقة تخضع لقانون الامتداد الطبيعي للقاهرة الذي يؤكد أن النمو كله مندفع نحو الشمال وبدرجة أقل نحو الغرب.. فإن المنطقة الثالثة تكسر هذا القانون حيث تقع جنوب القاهرة, وهى تبدأ من اطراف المنيب وتمتد حتى البدرشين والقرى المحيطة بها. منطقة غرب القاهرة تأتي في مقدمة العشوائيات سواء من حيث ارتفاع الاسعار أو مدى اقبال الوافدين من مختلف المناطق عليها, وهو ما يعود في جانب كبير منه لقربها من المناطق الراقية بالجيزة وسهولة المواصلات وتيسيرها خاصة بعد الكباري العديدة التي تم انشاؤها. جيران للمناطق الراقية وباستعراض بعض نماذج المناطق العشوائية نجد أن كثيراً منها يقع بالقرب من المناطق الراقية, فقرية بشتيل مثلا تنقسم الى بشتيل البلد الأقرب الى منطقة المهندسين والوصول اليها اصبح سهلاً من خلال عدة طرق متفرعة من (الكيت كات) أو التحرير أو العتبة, والجزء الثاني بشتيل المحطة الذي يقع أقصى الغرب حول محطة قطار ما يعرف بخط (المناشي) نسبة الى مناشي القناطر. والتخطيط الهندسي لمنطقة بشتيل أو (اللا تخطيط) أقرب الى القرية.. وهو يعتمد على شارع رئيسي واحد دائري غير منتظم تخرج منه عشرات الطرق الضيقة والحارات تنتهي الى نهايات مسدودة, وتبدو الشوارع كما لو كانت مخزناً لكل عربات الكارو. ومنذ سبع سنوات كانت المنطقة كلها زراعية وحدثت طفرة مفاجئة وارتفعت الاسعار في (بشتيل البلد) خاصة عند موقف السيارات لانها منطقة جذب سكاني والمسافة بينها وبين ميدان التحرير لا تستغرق عشر دقائق, كما ان كافة المرافق دخلت إليها باستثناء الصرف الصحي حيث يعتمد الصرف في تلك المنطقة على الخزانات الأرضية الخاصة بكل منزل. أسعار مرتفعة! وتتباين اسعار العقارات داخل منطقة بشتيل, فبالنسبة لاسعار الشقق القريبة من موقف السيارات تتراوح المقدمات بين 15 و20 ألف جنيه, والايجار الشهري بين 150 و200 جنيه, ويصل سعر التمليك الى حوالي 80 ألف جنيه, وبعيداً عن (الموقف) فان الأمر يختلف حيث تتراوح مقدمات الايجار بين 6 الاف و12 ألف جنيه, اما الايجار الشهري فيتراوح بين 70 الى 120 جنيها ويصل سعر التمليك الى نحو 20 ألف جنيه وتتراوح مساحات الشقق بين 70 الى 100 متر مربع. أما أسعار الشقق في بشتيل المحطة فلا تتجاوز المقدمات 6 الاف جنيه والايجار الشهري يصل الى 100 جنيه وقد ترتفع المقدمات هناك الى 10 الاف جنيه اذا كانت الشقة تقع على الشارع الرئيسي, وبالنسبة للاراضي فانها متوافرة وبمساحات تصل الى 4000 متر مربع وبأسعار تبدأ من 120 جنيها للمتر وهى تصلح لانشاء المصانع, أما الأراضي الزراعية فان متوسط أسعارها يصل الى 7 الاف جنيه للقيراط الواحد (175 مترا مربعاً تقريباً). المترو يغير الحال وبالنسبة لشمال القاهرة فقد اختلف الوضع كثيراً بعد أن وصل مترو الانفاق الى شبرا الخيمة حيث أدى دخول المترو للمنطقة الى رفع الأسعار بصورة مضطردة وقرية منطاي أحد نماذج عشوائيات الشمال ويربط بينها وبين محطة مترو شبرا الخيمة خط ميكروباص, وتبلغ مساحة تلك المنطقة حوالي 70 فداناً وكانت عبارة عن عزبة صغيرة, بدأ الزحف إليها منذ عام 1988 وهى الان مكتظة بالسكان ولايوجد بها مساحات أو شقق للايجار إلا نادراً, وهى تتبع إدارياً مركز قليوب رغم ان كل سكانها مرتبطون بالقاهرة, والحالة الأمنية بها مستقرة الى حد ما على الرغم من أن غالبية سكان تلك المنطقة من الخارجين على القانون. وبالنسبة لمستويات الأسعار في تلك المنطقة فتتراوح المقدمات بين 12 و14 ألف جنيه للشقة ويصل الايجار الشهري الى 120 جنيهاً وذلك في الشوارع الرئيسية, اما في (الحواري) والشوارع الداخلية فإن المقدمات تصل الى 5 الاف جنيه والايجار الشهري للشقة لا يتعدى 70 جنيهاً, وتفتقر تلك المنطقة الى كافة المرافق, فحتى الان لم تدخل شبكات الصرف الصحي, كما أن مياه الشرب تعتمد على الآبار الجوفية. والبدرشين هى مدخل القاهرة الجنوبي وهى عبارة عن مركز يلتف حوله ما يقرب من 20 قرية وتتميز البدرشين دوناً عن باقي هوامش القاهرة بالعديد من المميزات في مقدمتها انها مدينة لها تخطيط هندسي, والمنازل معظمها حديث الطراز وهو ما يعود الى قربها من نهر النيل.. حيث الشارع الرئيسي الموازي للنهر ويمتد معه لتتعامد عليه بقية الشوارع, وهو مجتمع يغلب عليه طابع التمدين بسبب استيطان عمال المصانع العديدة التي انشئت في الستينات بها. وتتباين أسعار الشقق في البدرشين بصورة ملحوظة حيث تبدأ مقدمات الشقق من ألف جنيه وتصل الى حوالي 7 الاف جنيه, والايجار الشهري لايتعدى 120 جنيها في أفضل الشوارع بها والنظام المتبع هناك حالياً هو الايجار بالقانون الجديد حيث يكتب العقد لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد بزيادة 5% عند كل عقد مجدد. وهناك العديد من الأراضي المعروضة للبيع وتبدأ أسعار متر الأرض داخل البلد من 100 جنيه, وتصل الى 500 جنيه كلما اقتربنا من النيل. عشوائيات من نوع آخر وبينما تبذل الدولة جهوداً مكثفة للقضاء على العشوائيات السكنية التي نشأت وانتشر البناء فيها بعيداً عن أعين القانون, وبينما صدرت بالفعل العديد من القرارات الهادفة لاعادة تخطيط هذه العشوائيات ومدها بالخدمات.. بدأت تتنامى نوعية جديدة من العشوائيات داخل القاهرة الكبرى, وبالتحديد في مناطق المساكن الشعبية التي تحول الكثير منها لعشوائيات بالفعل بعد أن ضرب سكان وملاك شققها بالقانون عرض الحائط, وبدأوا يتوسعون في مساحات وحداتهم بالبناء المخالف على الأراضي المجاورة ويحولون الأدوار الأولى للعمارات الى محلات تجارية دون مراعاة للشروط الخاصة بسلامة البناء أو بشكل المبنى, وهو الأمر الذي مثل خطراً كبيراً على المباني وبالتالي على سكانه, ويخلق في الوقت نفسه عشوائيات جديدة بما يجره ذلك من مشاكل واعباء. بدأت تلك المشكلة في بعض احياء القاهرة مثل (الزيتون) , و(حلوان) , و(مدينة نصر) التي تعتبر من الأولى بين احياء القاهرة التي انتشرت فيها هذه المخالفات.. وبدأت مشكلة مدينة نصر في الحي السادس والسابع منذ عام 1989 خاصة في مساكن الاسكان السريع التي تقدر مساحة الوحدة السكنية فيها بحوالي 40 متراً مربعاً, وبعد تزايد متوسط عدد افراد الاسرة التي تعيش في هذه الشقق, تقدم اصحاب هذه الوحدات بطلب لمحافظة القاهرة لاستغلال مساحات صغيرة حول وحداتهم السكنية نظراً لضيق مساحة هذه الوحدات, وبالفعل حصلوا على الموافقة من المحافظة وبدأوا في عملية البناء ولكنهم غالوا في استغلال المساحات, وبعد أن كانت مساحة الوحدة 40 متراً مربعاً أصبحت مساحتها تصل الى 100 أو 120 متراً مربعاً, ثم اخذت هذه الظاهرة في الانتشار في معظم احياء القاهرة. ووصلت نسبة المخالفين في مدينة نصر الى 90% قبل صدور القرار العسكري في نوفمبر ,1996 وبعد صدور القرار انخفضت نسبة المخالفين لتصل الى 2% فقط, إلا أن رئيس الوزراء تراجع عن قرار هدم العقارات المخالفة ليتخذ اجراء جديدا آخر وهو إزالة كافة المخالفات التي تم تشييدها بعد صدور القرار العسكري. ولا يختلف الحال كثيراً في حي (الزيتون) وبالتحديد في مساكن الاميرية, وبدأت تلك المشكلة حينما شعر سكانها بضيق العقار الذي يسكنوه حيث كانت نسبة الأفراد في الشقة الواحدة تتراوح من 3 الى 5 أفراد, اما الان فقد أصبح عدد الأفراد يتراوح ما بين 5 الى 8 أفراد في الوحدة السكنية التي تصل مساحتها الى 56 متراً مربعاً.. لذلك بدأ أصحاب تلك الوحدات التفكير في بناء مساحات زائدة بأخذ أجزاء من الأراضي المجاورة مباشرة للمسكن, وتصل مساحة هذه الأراضي في اغلب الاحيان الى ما يعادل مساحة الشقة الأصلية مرة ونصف, ثم يشرعون في بناء عدد من الادوار بنفس عدد ادوار العقار الاصلي, وبعد اتمام عملية البناء يقومون بفتح ابواب من الوحدة السكنية الأصلية الى الابنية الجديدة, وبذلك ترتفع مساحة الوحدة السكنية من 56 الى 100 متر مربع ويرتفع ثمن الشقة من 30 ألف جنيه الى 80 ألف جنيه.. بالاضافة الى ان سكان الادوار الارضية يقومون بتحويل وحداتهم الى محلات تجارية وعيادات يصل سعرها الى حوالي 150 ألف جنيه. وهناك العديد من العوامل التي تشجع أصحاب المساكن الشعبية على البناء العشوائي يأتي في مقدمتها المقاول الذي يقوم بتقسيط ثمن البناء الى أقساط شهرية تصل الى 50 جنيهاً في الشهر وهو ما يشجع على البناء والتوسع العشوائي.. بالاضافة الى ظهور نوع جديد من العشوائيات حيث يقوم سكان الادوار العليا ببناء دور اضافي بالمساحة الاجمالية للمبنى وهذه الظاهرة منتشرة بكثافة في حي الزيتون. ومع التوسع في بناء المساحات الفاصلة بين وحدات المساكن الشعبية تحولت غالبية المساكن الشعبية التي شيدتها الحكومة لإسكان محدودي الدخل الى مناطق عشوائية جديدة إلا انها هنا داخل اطار قانوني في بعض الاحيان. أراضي العشوائيات.. للاستثمار وبعيداً عن العشوائيات المقننة أو (العشوائيات الشعبية) اتجهت الحكومة مؤخراً لدراسة كافة العشوائيات المنتشرة في قلب القاهرة وعلى شريطها الحدودي من خلال خطة شاملة قامت بها ادارة الاملاك بمحافظة القاهرة وتم حصر الاراضي الخاصة سواء املاك دولة أو أوقاف أو جهات أخرى لدراسة كيفية استرجاعها بهدف إعادة تنظيمها وكيفية الاستفادة من استثمارها بالشكل السليم. وفي مقدمة تلك الأراضي أرض حكر أبو دومة والمواردي والترجمان والتي كانت أكبر صفقة استثمارية تمت في العام الماضي, واعتمدت خطة الدولة على طرح العديد من املاكها للاستثمار في مزادات علنية وعلى دفعات وهي عبارة عن أراض سكنية وادارية ومحلات. وخلال الأيام القليلة الماضية ارست قرينة رئيس الجمهورية حجر الاساس لأحد المشروعات في هذا العدد وهو مشروع المرحلة الأولى لتطوير منطقة منشأة ناصر.. وفي هذا المشروع سيتم البناء أولاً ثم يتم نقل السكان تدريجياً الى المساكن الجديدة, ووفقاً للاحصاءات المعلنة مؤخراً فان نسبة 22% من مساكن تلك المنطقة (مساكن ايواء ) و72% اهالي و6% اسكان حكومي. وتشغل مساحات المباني أقل من 50 متراً نحو 15% من المساحة, وأقل من 80 متراً نحو 60% من المساحة, وأقل من 100 متر نحو 19%, والمساحة أكبر من 100 متر نحو 6% من المساحة الاجمالية للمنطقة. اما بالنسبة للمستوى الاجتماعي فان غالبية سكان تلك المنطقة يعيشون تحت خطر الفقر حيث تتراوح الدخول الشهرية لنسبة 77% من سكانها نحو 100 جنيه في الشهر, كما ان غالبية السكان من العاطلين والخارجين على القانون بالاضافة الى ان هناك نسبة عالية من السكان ممن يشتغلون أعمالاً حرة (باعة متجولون) وتقع المنطقة على مساحة 800 فدان ويعيش بها 350 ألف نسمة أي بكثافة 440 نسمة للفدان وتشمل المرحلة الأولى لتطويرها اقامة 375 عمارة تحتوي على 6 الاف وحدة سكنية تستوعب 30 ألف نسمة بكثافة سكنية 150 نسمة للفدان, ويتكلف المشروع حوالي 300 مليون جنيه, وعمدت الحكومة الى بناء مجمع حرفي في هذه المنطقة بهدف توفير فرص عمل لأكثر من 3 الاف فرد. دور رجال الأعمال يؤكد الخبراء ان مشاركة رجال الاعمال والقطاع الخاص في اعادة تنظيم وترتيب احياء القاهرة وضواحيها واستغلال المناطق العشوائية بطرق استثمارية صحيحة يسهل ويسرع الخروج من الازمة في زمن محدود.. وخلال الاشهر القليلة الماضية اقتحمت 15 شركة تلك العشوائيات وحصلت من وزارة الاسكان والمرافق على عقود تشغيل وصيانة محطات مياه الشرب والصرف الصحي وعلى الرغم من الاتجاه المحدود من ناحية القيمة وحجم الاعمال إلا ان كعكة العشوائيات لاتزال ضخمة وتقدر قيمتها بنحو 4.3 مليارات جنيه وفق تقديرات مجلس الشورى, وبنحو 4 مليارات جنيه وفق تقديرات وزارة الاسكان. عقبات ويؤكد الخبراء وجود عدد من العقبات امام نجاح هذا المشروع, وهو ما اثبتته التجارب التي اجريت خلال السنوات القليلة في عدد من الدول النامية مثل تايلاند والبرازيل, وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور مصطفى مدبولي الاستاذ بقسم العمارة بمركز بحوث الاسكان أنه على الرغم من نجاح تجارب القطاع الخاص في تطوير العشوائيات بالدول النامية ولكن هناك ما يمنع تعميقها على نطاق واسع لان دخول المستثمر يؤثر على قدرة محدودي الدخل على تحمل نفقات التطوير, بمعنى آخر أن البعد الاجتماعي غالباً ما يغيب من حسابات المستثمر الذي يهمه تحقيق أعلى الارباح بصرف النظر عن الصعوبات التي يتحملها ساكن العشوائيات الخاضعة للتطوير. وثمة مشكلة أخرى تواجه القطاع الخاص كما يرى الدكتور مدبولي وهى غياب الادارة المحلية القوية القادرة على تنظيم المصالح المتناقضة للمستثمر والمواطن والمصالح السياسية.. إلا أننا يجب ان نشير في النهاية الى ان هناك شكلين ناجحين لمشاركة القطاع الخاص في تنمية المناطق المتدنية حضرياً وعمرانياً, وهما الجانب التجاري والصناعي داخل المنطقة التي يتم تطويرها وتوفير بند نقل العمالة الذي يكلف المستثمر كثيراً. الخصخصة ضرورية من جانبه يرى المهندس أحمد عبدالغفار ببرنامج الاشغال العامة بالصندوق الاجتماعي ان مشاركة القطاع الخاص في تطوير العشوائيات أمر منطقي جداً في الفترة الحالية, ويؤكد في نفس الوقت ان خصخصة العشوائيات تنفذ البرنامج الحكومي لتطوير المناطق العشوائية من التوقف خاصة وان التجارب العالمية أكدت نجاح مشروعات التطوير التي يشارك القطاع الخاص فيها.. بينما حققت المشروعات الحكومية خسائر كبيرة تهدد بعدم اقدام القطاع الحكومي على تطوير العشوائيات لعدم قدرته على تحمل مزيد من الخسائر. ويضيف المهندس عبد الغفار قائلاً: يمكن للمستثمر تطوير منطقة عشوائية ومدها بالمرافق وتطوير القطاع الانتاجي أو الحرفي السائد فيها مقابل احتكار المنتج بعد تطويره لفترة يتم الاتفاق عليها بين الحكومة وممثلي الاهالي والمستثمر نفسه وكذلك فان تقديم اعفاءات ضريبية للاستثمار في المناطق يشجع القطاع الخاص على الاستمرار بما ينعكس على توفير تكلفة البنية الاساسية والتطوير بدون اعباء على محدودي الدخل. وترى المهندسة كريمان موسى بالادارة العامة للتخطيط العمراني بمحافظة القاهرة أن اشراك القطاع الخاص ضرورة ملحة, ولكن بعد دراسة جدوى عملية المشاركة وعدم التسرع في اتخاذ القرار, خاصة وان لمحافظة القاهرة تجربة سلبية في هذا الاتجاه وهي عملية إزالة عشش الترجمان حيث قررت المحافظة منذ عدة سنوات إزالة منطقة الترجمان بالكامل وبيعها لمستثمرين وبذلك يمكنها استرداد قيمة الوحدات السكنية التي تم تسليمها لسكان العشش كبديل بدون مقدمات حصلتها خزينة المحافظة. وتؤكد ان المحافظة اخطأت بقرارها لانها لم تقم بالدراسة الكافية لدرجة الجذب التي تتوفر في الأرض بعد إزالة العشوائيات منها, والنتيجة ان المحافظة رهنت الأرض للبنك لتحصل منه على قروض سددتها كتعويضات للمتضررين من الإزالة على ان تسدد القرض من حصيلة بيع الأرض وهو مالم يحدث حتى الان رغم تفنن المحافظة في عرضها للبيع بتسهيلات كبيرة.. كل ذلك يدعونا الى القول بانه يجب توفير عنصر الجذب القوي لإغراء المستثمرين للمشاركة في عمليات تطوير العشوائيات. أرباح كبيرة ومن وجهة نظر مختلفة يرى المهندس علي طنطاوي رئيس مجلس ادارة احدى شركات المقاولات الخاصة, ان مشاركة القطاع الخاص في مشروع تطوير العشوائيات مقبول من الناحية الاقتصادية, حيث الربح هو المحرك الرئيسي لأي مستثمر وهو ما يتوفر في مشروع تطوير العشوائيات.. فغالباً ما تنتشر المناطق العشوائية بالقرب من العاصمة وعلى أرض عالية القيمة, والمستثمر الذكي يقوم بتقدير قيمة الأرض المقام عليها العشوائيات ليعرف حجم الاستفادة المتوقعة من الاستثمار في الارتقاء بهذه الأماكن. ويشير المهندس طنطاوي الى أن المستثمر الذي يحسن استغلال الفرصة سيحقق ارباحاً كبيرة من العشوائيات ربما لا يحققها في أي مشروع استثماري آخر, وطالب طنطاوي بضرورة قيام الحكومة بتقديم كل التسهيلات للمستثمر الذي يتقدم بعرض لتطوير العشوائيات لايضر الاهالي.. مشيراً الى أن تجربة خصخصة العشوائيات في لبنان نجحت بدرجة كبيرة حيث قامت شركة مقاولات كبيرة بمشاركة سكان المناطق العشوائية التي تعرضت للدمار اثناء الحرب الاهلية وقامت الشركة بتطوير عدد من هذه المناطق مقابل حصولها على نسبة من الأرض تقوم باستغلالها بمعرفتها. وفي نهاية حديثه طالب طنطاوي بسرعة تدخل القطاع الخاص في مشروع تطوير المناطق العشوائية لانقاذ برنامج تطوير العشوائيات.. مؤكداً ان حملة تبرعات من رجال الاعمال لدعم البرنامج لن يكون مجدياً بالقدر الذي تحققه دعوة حقيقية لمشاركة القطاع الخاص في البرنامج ولا مانع من تحقيق فائدة للمجتمع بجانب تحقيق مكاسب للقطاع الخاص وهو عكس ما تتبعه الحكومة التي تعطي أولوية للبعد الاجتماعي حتى لو تعارض مع المصلحة الاقتصادية. وفي النهاية وبعد استعراض كافة النواحي التي تعيشها عشوائيات مصر بقى ان نحصر تلك المناطق والتي تسعى الحكومة لحل مشكلتها أو للخروج منها بأقل الخسائر الممكنة, وهى كما اشار آخر تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تنحصر في 10 محافظات ويصل عدد سكانها نحو 7 ملايين نسمة ويصل عدد المناطق العشوائية بها الى حوالي 406 مناطق, وتبلغ نسبة الكثافة السكانية فيها حوالي 50 ألف نسمة على الكيلو المتر مربع وبلغت الميزانية المطلوبة لتطوير هذه المناطق بين 4.3 مليارات جنيه و4 مليارات جنيه في كل من القاهرة والاسكندرية والجيزة والقليوبية والفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان وهى المحافظة الحادية عشر التي اضافتها وزارة الاسكان على تقرير مركز معلومات مجلس الوزراء. يصل سكان العشوائيات في محافظتي القاهرة والاسكندرية الى نسبة 15% من اجمالي سكان المحافظتين مقابل 14% بمحافظات الصعيد و4% بمحافظات الوجه البحري, وتم انفاق أكثر من 106 ملايين جنيه على تطوير العشوائيات عام 1993 في 11 محافظة, و184 مليون جنيه عام 1994 لتمويل برنامج تطوير مياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والطرق وحدد التقرير مدة سبع سنوات لخفض نسبة سكان العشوائيات من 36% الى 5% من اجمالي السكان. القاهرة ــ (البيان) ــ أحمد صفي الدين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات