جدل(الآلية) يربك الساحة السودانية: الترابي يستبعد نجاح مساعي الوفاق

تميز المشهد السياسي السوداني منذ مطلع الاسبوع الجاري, والى اليوم, بغزارة التصريحات الصحفية المتضاربة حيال آلية الحوار السياسي التي أنشأها المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) للتفاوض مع المعارضة , ففي حين استبعد د. حسن عبدالله الترابي القيادي الاسلامي المتنفذ في حكم (الانقاذ) إمكانية نجاح مساعى الوفاق رحب د. عبدالله سليمان العوض أحد ابرز مساعدي الترابي في قيادة المؤتمر (الحاكم) بالتصريحات الايجابية لقيادات المعارضة. وقال ان الحزب الحاكم على استعداد لقبول مذكرة ديسمبر التي رفعتها المعارضة لرئاسة الجمهورية ورفضت الاخيرة استلامها, فيما ظلت المعارضة مستمسكة بالمذكرة معتبرة انها المرجعية المثلى لأي حوار بينها والحكومة. وبانشائه آلية الحوار السياسي ألقى الحزب الحاكم بحجر في بركة الأحداث السياسية السودانية تحركت بفعله المياه في دائرة المراوحة, ذلك لأن الآلية تحمل في ثناياها عوامل الإرباك للآخر (المعارضة) كونها خرجت من أعطاف المؤتمر (الحاكم) الذي لا تعترف به المعارضة, بيد أن الآلية برئاسة نائب الرئيس أحد أركان مؤسسة الرئاسة التي اعترفت بها المعارضة عبر مذكرتها التي خاطبت الرئيس بوصفة الدستوري في 29/12 الماضي. المعارضة تجاوزت حال الارتباك ورحبت بالآلية, وطالبت الحكومة باتخاذ الخطوة التالية المتمثلة في تبني رئاسة الجمهورية للآلية وتفويض نائب الرئيس للحديث مع المعارضة من موقعه في مؤسسة الرئاسة لا موقعه في المؤتمر (الحاكم). وطالبت (المعارضة) عبر أكثر من متحدث باسمها بان تعتمد المبادرة على الشمول: أن تشمل سائر القوى السياسية المعارضة (قوى التجمع), الحكومة, وأن تعتمد الجدية والمصداقية, وأن تعتبر مذكرة المعارضة التي رفعتها لرئاسة الجمهورية في 29/12/1998 مرجعية أساسية لأي حوار بين الحكومة والمعارضة. وما أن بدأت المعارضة وأركان الوفاق في المؤتمر (الحاكم) ترتيب أجندة الحوار وأولوياته بدأ تضارب التصريحات من هنا وهناك.. لكن التضارب الأكثر ارباكا هو الذي كان يصدر عن قيادات الحزب الحاكم, ففي حين رحب د. عبدالله سليمان العوض أمين دائرة العلاقات الخارجية بالمؤتمر الوطني وأحد أبرز مساعدي الترابي في قيادة الحزب الحاكم بتصريحات المعارضة الإيجابية, وأكد إستعداد (المؤتمر الحاكم) لمناقشة وقبول مذكرة 29/12/1998م التي رفعتها المعارضة لرئاسة الجمهورية عزز هذا الترحيب تصريح صحفي للدكتور لورانس لوال نائب د. الترابي في أمانة المؤتمر الوطني قال فيه: (إن المجلس القيادي للمؤتمر الوطني سيناقش مذكرة المعارضة في اجتماعه القادم) . في حين استبعد د. حسن الترابي الأمين العام (للمؤتمر الوطني) القيادي الاسلامي المتنفذ في حكم الانقاذ في ندوة نظمت بالقضارف (شرق) على شرف أول مؤتمر عام للحزب الحاكم على مستوى الولايات استبعد إمكانية نجاح أي مساعى للوحدة والوفاق مبيناً أن معرفته بقيادات المعارضة من خلال معايشته لهم تجعله يرى (ان مثل هذه المساعي لن تنفع) فيما ذكرت (أخبار اليوم) السودانية أمس (الاثنين) أن.. المؤتمر العام للحزب الحاكم طالب بدعم مشروع الوفاق مع المعارضة لتحقيق المصالح حتى تنعم البلاد بالسلام والاستقرار, بينما قال محمد الحسن الأمين مسؤول الدائرة السياسية بالمؤتمر الوطني (الحاكم) في تصريحات صحفية أمس.. أن المؤتمر (الحاكم) قرر رفض مذكرة المعارضة التي رفضت رئاسة الجمهورية إستلامها في 29/12/1998م مؤكداً تمسك المؤتمر (الحاكم) بقرار القصر الرئاسي القاضي برفض المذكرة, والذي عبر عنه بعدم إستلامها, وأضاف الأمين: (.. ان مناقشة المذكرة داخل أجهزة المؤتمر (الحاكم) لم يعد أمراً وارداً, ذلك لأن المؤتمر (الحاكم) قرر إطلاق الحوار مع المعارضة بصورة فردية, ومع القيادات الحزبية كالصادق المهدي رئيس الوزراء السابق زعيم حزب الأمة ومحمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي المعارض زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي وزاد: (..نحن لن نحاور المعارضة ككيان) في إشارة الى التجمع الوطني الديمقراطي المعارض. وفي السياق ذكرت (الشارع السياسي) المستقلة أمس أن مصادرها قالت: (...ان طائفة المتشددين داخل المؤتمر الوطني ليس لهم وزن سياسي, وليسوا مؤثرين, وسيعانون العزلة السياسية مستقبلاً, وهم يسبحون عكس التيار العام والارادة الشعبية الغالبة التي حددت معالم الوفاق الوطني, وزادت: (أرجعت المصادر خطاب التشدد الذي يميز الطائفة (المتشددة) إلى ردود أفعال للنقد الذي يلاقيه أفراد هذه الطائفة من قبل القيادات السياسية داخل المؤتمر (الحاكم) وخارجه وختمت بالقول: ( أبدت المصادر تفاؤلا بأن تسفر تحركات علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية وآليته عن وفاق شامل لكل أهل السودان) . ومن جبهة المعارضة أكد قياديان بارزان في التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لـ (البيان) على مبدأ الحوار كمدخل سلمي يفضله كل أهل السودان, ولأنه ـ أي الحوار ــ أقل الآليات خسائر وأكثرها حضارة, مع التشديد على الجدية واعتماد مذكرة 29/12/1998 كمرجعية مثلى وخيار مرن للحوار بين الحكومة والمعارضة. وقال د. علي حسن تاج الدين عضو مجلس رأس الدولة والمجلس الرئاسي السابق, العضو القيادي في حزب الأمة ان التجمع موافق على مبدأ الحوار كطريق سالك لحل سائر مشكلات السودان وعلى رأسها مشكلتا الحرب ونظام الحكم. وطالب د. تاج الدين عبر (البيان) بأن تعتمد آلية الحوار السياسي البعد التنفيذي لا السياسي, وان يخاطب نائب الرئيس المعارضين من موقعه الدستوري لا السياسي واشترط د. تاج الدين وجود شهود من المحيطين الاقليمي والدولي تكون مصر في طليعتهم, معتبرا ان الحل ان انطلق من اطار سوداني ـ سوداني لا يحتاج إلى مراقبين بقدر ما يحتاج إلى شهود. من جهته اعتبر فاروق زكريا القيادي في الحزب الشيوعي السوداني والمتحدث باسمه ان آلية الحوار السياسي مبادرة تفتقر إلى الجدية للوصول إلى حل جذري لسائر مشكلات البلاد, وتدل على ذلك تجارب المعارضة مع الحكومة. وأضاف زكريا لـ (البيان) : ان حكومة (الانقاذ) ظلت تمارس مناورات متصلة تهدف إلى تمرير المشروع السياسي لـ (الانقاذ) المتمثل في الحوار مع المعارضة عبر بوابة تنظيمها السياسي (المؤتمر الوطني) مشيرا إلى ان (الآلية) لا تعدو كونها احدى بالونات الاختبار لمعرفة ما يدور في خلد المعارضة. ورأى زكريا ان مرجعية المعارضة لأي حوار مع الحكومة تتمثل في مذكرتها التي رفضت الحكومة استلامها في 12.29 الماضي, مبينا ان عدم جدية الحكومة يكمن في تضارب تصريحات مسؤوليها السياسيين المرتبكة والمتناقضة. وأكد زكريا مطالب (التجمع) التي تتلخص في انطلاق مبادرة الحوار من رئاسة الجمهورية لا الحزب الحاكم, موضحا ان (التجمع) لا يعترف بالمؤتمر الوطني ولا بقية مؤسسات حكومة (الانقاذ). وشن زكريا هجوما عنيفا على حكومة (الانقاذ) وقال ان سياستها أدت إلى اتساع دائرة الحرب, واشتعال الحروب الأهلية, التي أفرزت حالات مذرية من النزوح والمجاعات والموت, هذا فضلا عن الفشل الذريع في المجالات كافة ورأي زكريا ان أمام (الانقاذ) طريق واحد سالك هو اعتبار مذكرة 29/12 مرجعية لأي حوار مع المعارضة يفضي إلى تحقيق حل سلمي لمشكلات البلاد ويعيد الديمقراطية, ويقر حقوق الانسان, ويؤدي إلى تداول سلمي للسلطة ويوقف نزيف الحروب القاتل. الخرطوم ــ محمد الاسباط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات