الأزمة اليمنية: عوامل نزاع تظهر للسطح دفعة واحدة

في شقة متواضعة وسط مدينة الضباب لندن, تبادل زعماء احزاب رئيسية في المعارضة اليمنية, العتاب واتهامات حادة, خلال حديث ساخن, لم يكتب عنه احد حتى الآن , وصلته وثيقة بالازمة السياسية والاعلامية الناشبة في اليمن بين فرقاء وشركاء الحياة السياسية منذ اواخر نوفمبر الماضي. فعلى هامش ندوة لندن حول الازمة والحرب اليمنية صيف 1994 التي نظمتها جامعة لندن, معهد الجغرافيا السياسية, بالتعاون مع جبهة موج المعارضة في الخارج, في نوفمبر 95 التقى مجموعة من المشاركين في الندوة عقب جلسات اليوم الثاني, في شقة متواضعة, منهم من جاء من اليمن ومنهم من بلدان اخرى ومنهم في لندن, وهم علي صالح عباد مقبل امين عام الاشتراكي, وعبدالرحمن الجفري رئيس رابطة ابناء اليمن, وصاحب جبهة موج المعارضة, وعمر الجاوري ـ رحمه الله ـ رئيس حزب التجمع الوحدوي اليمني, ومحسن بن فريد الامين العام لرابطة ابناء اليمن (راي) اضافة الى ثلاثة مستقلين, احد المحامين, ودكتور يمني يدرس في جامعة لندن, وكاتب هذه السطور, وبعد نتف من حديث الحرب وذكريات مدينة عدن ابانها, وازمة المياه, والنهب, والقتلى من المدنيين, وجاءت الاتهامات لتفتح الحديث الساخن, قالو يا (مقبل) انت متهم بمضايقة الكوادر في الخارج والداخل, الذين اعلنوا انضمامهم الى جبهة موت تم فصلهم من الحزب الاشتراكي, وتهدد بفصل كل كادر يريد الانضمام الى الرابطة او موج) فاجاب مقبل: اما التهديد فلم يحدث ولا يحتاج كوادر الاشتراكي الى اي تهديد فوق ماهم عليه من السلطة, وهم يدركون ان نظام الحزب لا يجيز الازدواجية, ثم ان الذين اعلنوا الانضمام فهم البعض انهم يمثلون الاشتراكي, وهذا يؤثر على الاعضاء والحزب نفسه. والجميع يعلم انه لا توجد ازدواجية في قرار الحزب ولا في قيادته. واضاف مقبل ونحن لا نمنع اي شخص واي كادر في الداخل او الخارج من الانضمام الى اي حزب اخر لكن ليس باسم الاشتراكي. قالوا فما رأيكم يا معشر المستقلين, قلنا مادام النظام الداخلي للاشتراكي يمنع ازدواجية العضوية, فلا اجتهاد مع وجود النص باجماع الفقهاء. فجاء الاتهام الثاني الى امين عام الاشتراكي ايضا, لكنه ممزوج بالعتاب, قالوا لماذا لا يتم الحوار في كل ذلك, وهل يجوز بقاء كوادر الاشتراكي في الخارج دون المشاركة في اي نشاط رغم خبراتها وكفاءتها الكبيرة, قال مقبل, هذا صحيح, فقد جئت للمشاركة بالندوة فقط ومعها سألتقي بالرفاق اصحابنا لاقناعهم بالعودة وضرورتها فقال, عمر الجاوري زعيم حزب التجمع الوحدوي اليمني, الحوار في الداخل ضرورة ملحة, ثم انكم جميعا سمعتم تصريحات الاخ الرئيس علي عبدالله صالح 30 نوفمبر 95 وتأكيده ان المشاركين في ندوة لندن الذي ذهبوا من صنعاء كانوا انفصاليين اكثر من الانفصاليين في الخارج. واضاف الجاوري هذه شهادة على الرئيس ومازلنا انفصاليين اكثر من الذين في الخارج فلماذا لا يعود الجميع يعلمون الجميع معا في الوحدة وبناء دولتها. والجاوري شخصية يمنية وزعيم شعبي وسياسي, ولم يعترف بالتشطير, وكأنه الصانع الاول للوحدة بالاجماع. الحديث الذي نقلت جزءا منه بالنص بين زعماء احزاب رئيسية في المعارضة ودار في لندن نوفمبر 95 هو احد الاسباب الرئيسية المرتبطة بمحاور تصاعد الازمة السياسية والاعلامية التي دشنها نائب الرئيس والرئيس اليمني منذ نهاية نوفمبر الماضي بانعقاد المؤتمر العام الرابع للاشتراكي, وشملت الازمة التي لم تنته بعد المعارضة في الداخل والخارج, وبلغت مهاتراتها الاعلامية والاتهامات المتبادلة ذروتها وعلى اعلى مستوى قيادي, فلم تخل من التكفير ولم ينقصها التجريم والتخوين, اما اسبابها الرئيسية التي اشعلت فتيلها فهي ثلاثة محاور. الاول: في انعقاد المؤتمر العام للاشتراكي بصنعاء, وقرار الغاء القرارات السابقة بفضل بعض القيادات في مقدمتها علي سالم البيض وحيدر العطاس, وزاد من ذلك رسالة وقعها 37 قياديا اشتراكيا من المقيمين في الخارج وهذا ما اثار حفيظة حزبي المؤتمر الشعبي والاصلاح اضافة الى الرئيس علي عبدالله صالح الذي اخفقت لقاءاته واتصالاته بالملكية من هذه القيادات بالعودة, والاهم من ذلك ان الغاء قرار الفصل, ورسالة القيادات في الخارج مزقت اوهام السلطة وبعض قيادات المؤتمر الشعبي والاصلاح, لوجود خلافات داخل الحزب وبين قياداته في الداخل والخارج. وخلال السنوات منذ انتهاء المعارك العسكرية للحرب, شيعت الصحف الرسمية واحزاب السلطة الاشتراكي مرارا, دون قراءة الفاتحة على روحه, وحرصت على التأكيد امام الهيئات الدبلوماسية والمعنية بالشأن اليمني. ان مقاطعة الاشتراكي لانتخابات 1997 البرلمانية, كانت بسبب عدم وجوده في الساحة تنظيميا, ووجود خلافات حادة في قياداته في الداخل والخارج. والثاني: حالة الاحباط التي أصابت السلطة وحزب المؤتمر الشعبي ــ تجمع الاصلاح باجراء المطالبة بحوار معهما بشأن أثار الحرب صيف ,94 وعدم الاعتراف بالاحكام القضائية في قائمة الـ,16 اضافة إلى اعتذار الاشتراكي عن نصيبه من الحرب وما أصاب الضحايا, واعادة الاعتبار لكل ضحايا صراع الماضي في الجنوب منذ عام 1968م, وأدت هذه العملية إلى اعلان نائب الرئيس الفريق عبد ربه منصور عدم شرعية الحزب الاشتراكي منذ عام ,86 وترويج تصريحات اهتمت بها الصحف الرسمية ان علي ناصر محمد هو الأمين العام للاشتراكي, الأمر الذي يترتب على ذلك خسارة جديدة على السلطة بما يعنيه من الغاء شرعية اتفاقية الوحدة, وقيام الجمهورية اليمنية, وحالة سقوط أخرى لتصريحات اعتزال العمل السياسي لعلي ناصر محمد المتكررة, على أن كل ذلك يدخل في اطار التهيئة للانتخابات الرئاسية المقبلة, فاعلان أمين عام الاشتراكي (وقيل) ان علي ناصر محمد هو مرشح المعارضة لانتخابات الرئاسة, هو ضربة موجعة للسلطة, بالنظر إلى ان الكوادر الموالية لعلي ناصر من الاشتراكي سابقا هم أعضاء وقيادات في حزب المؤتمر الشعبي, ولن يجد غيرهم في صفوف الاشتراكي. الثالث: تصاعدت الحملة باضافة الرئيس صالح للوحدوي الناصري إلى جانب الاشتراكي ونعتهم بالكهنة والانقلابيين, وكل ذلك يعود إلى نشر الوحدودي الصحيفة لصور شهداء التنظيم الذين سقطوا في المحاولة الانقلابية في 15 اكتوبر 1978 ضد الرئيس صالح, وما تخلل فعاليات المؤتمرات المحلية للتنظيم الناصري من رفع صور الشهداء في الانقلاب, ومع ان قيادات وكوادر في التنظيم الناصري أبدوا ارتياحهم وفرحهم لدخولهم الحملة في الاتهامات التي تشنها السلطة ضد المعارضة, وهذا يعطي الزخم الأكثر لمؤتمرهم العام المقبل عقب شهر رمضان الفضيل, فإن ردود فعل الاشتراكي للوحدودي الناصري كانت بالتأكيد ان الله لا يحب الفرحين, ولذلك فيصعب المشاركة في الفرح. ان كل هذه المؤشرات, لا تعكس الاختلالات الكبيرة في الأزمة السياسية القائمة اليوم وتشهدها الساحة, لكنها تجسد جسامة الأزمة, بظهور مجمل القضايا الجوهرية على السطح دفعة واحدة. عبدالله سعد محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات