روسيا وتحالف المثلث الاستراتيجي: بقلم - رضي الموسوي

لم تهتم وسائل الاعلام العالمية بالدعوة التي اطلقها رئيس الوزراء الروسي يفجيني بريماكوف في الهند والداعية الى اقامة تحالف استراتيجي بين نيودلهي وبكين وموسكو . ولم تبرز وسائل الاعلام ردود فعل تذكر على هذه الدعوة, وكأنها تريد ايصال رسالة لموسكو مفادها ان هذه الخطوة ليست الا رد فعل متعجل ومرتجل على تطور الاوضاع في منطقة الخليج وانفراد الولايات المتحدة وبريطانيا, دون غيرهما في مجلس الامن بالسير قدماً بالقرار العسكري الذي وجه ضربة الايام الاربعة للعراق. ولعل اصحاب هذا الرأي محقون في جانب اذ شعرت موسكو انها مستبعدة حين احجمت واشنطن ولندن عن اخبارها بموعد الضربة. لكن الصحيح ايضاً, ان الدول الكبرى عادة ما تمتلك البدائل في تعاطيها مع الاحداث الكبرى لتواجه به تساؤلات الرأي العام المحلي والدولي. والدعوة الروسية لاقامة (المثلث الاستراتيجي) حسب وصف بريماكوف تأتي في سياق يمكن فهمه بدلائل عديدة, دون الاقتصار على ردة الفعل, فتأسيس تحالف يضم الدول الثلاث يعني ان نصف سكان الكرة الارضية تقريباً تحالفت مع بعضها على قضايا مشتركة, وهجروا التفكير الجدي في حجم هذا التحالف ــ اذا قام ــ سوف يسبب صراعاً موجعاً لعواصم عالمية كبيرة مثل واشنطن ولندن وباريس وبون, نظراً لما تشكله الجغرافيا السياسية لهذه الدولة من اهمية تقترب من المصالح الاستراتيجية للدول الغربية, ناهيك عن الاثار التي سيتركها تحالف كهذا في الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة وبعض حلفائها ازاء قضية العولمة ذلك ان المفهوم السائد حالياً, والتعريف الذي يجوب الفكر العالمي للعولمة هو التعريف الامريكي دون غيره, والقائم على اساس المصالح الامريكية في مختلف دول العالم, ومن شأن تحرك مثل التحالف الثلاثي ان يقوض جزءا كبيرا من الاستراتيجية, بل احداث شرخ مهم في التوجه الامريكي بعد انتهاء الحرب الباردة واحداث ثغرة يمكن لدول اخرى, لا تزال تلتزم الصمت, للمشاركة في توسيع الثغرة التي قد يخلقها تحالف روسيا والصين والهند. ان التحالف الذي تدعو له موسكو هو تحالف اقتصادي وسياسي وعسكري, وهذا يعني الكثير للدول الغربية الاخرى. يعني حصة مهمة في السوق العالمي للمنتجات الامريكية والاوروبية, سواء كانت مدنية او عسكرية والعواصم الثلاث تحمل الكثير من الملاحظات على السياسة الامريكية والاطلسية فموسكو ترى في سياسة حلف شمال الاطلسي محاولة جادة لتقويض نفوذها في اوروبا الشرقية, بل يتجاوز الهاجس الروسي ذلك حين تعلن واشنطن عزمها على ادخال بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق لعضوية الحلف الغربي, مما يضع روسيا في مرمى مدافع الاطلسي ويقوض توجهها لاعادة تأسيس الدولة العظمى كإرث (شرعي) للاتحاد السوفييتي. اما الهند فإنها, وبعد التوجه الجديد نحو اقتصاد السوق, وخلافاتها العميقة مع العواصم الغربية ازاء تفسير العديد من بنود اتفاقية (جات) ومنظمة التجارة العالمية, تجد نفسها امام خيار جديد يحمل في طياته الكثير من العناصر الايجابية, لكنه لا يخلو من السلبيات خاصة التفسيرات التي ستطلقها باكستان عن حلف ثلاثي على حدودها. ومعروف ان نيودلهي لها من العلاقات التاريخية مع موسكو ما يبرر دخولها في حلف كهذا فهي تعتمد في تسليمها بنسبة سبعين بالمئة على العتاد الروسي, ولم تتوقف عن التزود بهذا السلاح نظراً لرخص قيمته وفعالياته العالية, لذلك اشترت اربعين طائرة من طراز سوخوى ــ 30 قبل عامين بقيمة اجمالية قدرها مليارين من الدولارات الامريكية وتسعى موسكو لبيع عشر طائرات اخرى من نفس الطراز ومن المتوقع ان يتم الاتفاق على صفقة ضخمة قريباً تحتوي على دبابات وغواصات وطائرات تدريب كما من المتوقع ايضاً ان تمنح موسكو لنيودلهي حاملة طائرات مقابل موافقة الهند على شراء طائرات بقيمة 500 مليون دولار. من ناحيتها, تسعى الهند لزيادة حصتها في السوق التجاري الروسي, بعد ان اتبعت الاخيرة اقتصاد السوق, ما من شأنه تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري ويحول التبادل بين البلدين الى رقم مهم يعزز في العلاقات السياسية التي فترت بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن جهة ثالثة, تترقب الصين جملة من الاستحقاقات الداخلية والخارجية للافصاح عن موقعها في التحالف الثلاثي الموعود فبعد عودة اقليم هونج كونج للوطن الام (الصين) تسعى بكين لاستعادة تايوان المتحالفة تاريخياً مع الدول الغربية, وتصطدم العلاقات الصينية الامريكية بحواجز العلاقة مع تايوان فرغم الانفتاح الصيني على مسألة تايوان, الا ان ثوابتها في هذه المسألة لم تتغير منذ الحرب العالمية الثانية ولذلك يمكن فهم التعاطي الحذر من قبل الدول الاوروبية مع هذه القضية الحساسة لدرجة التراجع عن تسليح تايوان مثلما حدث في صفقة فرنسا معها, حيث تراجعت باريس عن هذه الصفقة, الامر الذي اثار امتعاض تايبيه وبعض عواصم الغرب على حد سواء, في الوقت الذي اثار المزيد من الارتياح في بكين. لكن تحالف من هذا النوع, سوف يضع روسيا امام اشتراطات جديدة للدول الغربية المانحة للقروض والمؤسسات المالية الدولية التابعة لها, فروسيا غارقة في ديون تزيد على مائة وخمسين مليار دولار, وتسعى للحصول على خمسة عشر مليار دولار لمواجهة الانهيار الاقتصادي الداخلي والتدهور المتزايد في الوضع السياسي. واذا ما (دعست) بقوة في انشاء التحالف الثلاثي الذي تبشر به, فان الضغوط عليها سوف تزداد, وقد تحجم الدول المانحة تقديم المزيد عن القروض, في الوقت الذي لا يمكن لكل من الصين والهند ان تشكلا بديلاً قوياً للتمويل المالي عوضاً عن العواصم الغربية, خاصة وانها تسعى لاعادة جدولة ديونها المتراكمة. بمعنى آخر, فإنه في الوقت الذي تسعى فيه روسيا الخروج من عزلتها واتخاذ جانب المبادرة لتحسين وضعها الداخلي والخارجي, فإن الدول الغربية لن تقف متفرجة على تشكيل (المثلث الاستراتيجي) الذي يصيب في الصميم استراتيجيات العديد من العواصم الغربية, وخاصة الولايات المتحدة الامريكية. كاتب وصحفي بحريني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات