مندوب فرنسا السابق لدى مجلس الأمن لـ(البيان): فرنسا تصوغ سياستها الخارجية وفقا لمصالحها وعلاقاتها التقليدية مع العرب

كيمود دي كيمو لاريا السياسي الفرنسي المخضرم بدأ نشاطه السياسي منذ سنة ,1944 كمستشار لوزير الداخلية الفرنسي ثم تدرج في مناصب ادارية وسياسية ودبلوماسية كثيرة , أهمها توليه مندوب فرنسا الدائم لدى الأمم المتحدة في الفترة ما بين عامي 1984 و1987 فضلا عن شغله قبل ذلك لمنصب مستشار الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة داج هامولشولد ومدير لديوان أمير موناكو. ورغم انصرافه الآن للعمل الاقتصادي وترؤسه لاحد أكبر المصارف الفرنسية, فهو لا يزال على اتصال وثيق بالسياسة بشكل عام, وبالسياسة الفرنسية ــ العربية والأمريكية بشكل خاص, ومن هذا دخلت (البيان) الى عقله, في محاولة لتحليل حقيقة السياسة الفرنسية تجاه المنطقة العربية .. والكيفية التي تسير عليها الأمور داخل المنظمة الدولية, وتحديدا داخل مجلس الأمن وكان الحوار التالي: * منذ سنة 1987 .. تاريخ مغادرتك لمنصب المندوب الدائم لفرنسا في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن .. هل تعتقد ان الأشياء تغيرت هناك؟ ــ لا اعتقد ان تغييرات جوهرية حصلت منذ ذلك الحين, فالمشكلات الاسرائيلية الفلسطينية ما زالت تراوح مكانها تقريبا, وفيما عدا المأساة العراقية الجديدة, التي نتجت عن غزو الكويت, فإنني لا اعتقد ان هناك أشياء ذات بال شغلت مجلس الأمن, وفي المقابل, فإن التطور الاقتصادي والسياسي في منطقة الخليج, أصبح أمراً واضحا, وخصوصا من خلال اتحاد مجلس التعاون الذي بدأ يعطي ثماره, وبدأنا نحس بأن دول المنطقة أصبحت تعرف احتياجاتها ومصالحها أكثر. لكن بصفة عامة .. فإن العلاقات الاقليمية, والدولية ايضا ستظل متأثرة بمدى تقدم عملية السلام في الشرق الأوسط, أولا .. وثانيا بالنهاية التي ستعرفها المشكلة العراقية .. وثالثا بتطور قضية أسعار النفط في السوق العالمية, وما يعكس ذلك من مضايقات مالية لدول الخليج. * وماذا بخصوص ما تذهب اليه تحاليل عديدة من ان الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا يمثلان الارادة الدولية بقدر ما هما انعكاس للرغبة الامريكية حسب مصالحها في العالم؟ ــ عندما أقرأ الصحافة العربية .. وعندما أتحدث مع أصدقاء مسؤولين في حكومات عربية .. فإنني أشعر بمثل هذا الأمر .. لكن ورغم ابتعادي الآن نسبيا عن الدوائر الرسمية الفرنسية .. فإن هذا اللوم, لم يوجه أبداً إلى فرنسا .. لأن موقف فرنسا كانت دائما مستقرة, ومنسجمة مع نفسها, سواء في خصوص قضية السلام, أو في القضية العراقية, أو سواها, فقد كانت الحكومات الفرنسية جميعها, بيسارها ويمينها محافظة على موقف ثابت من هذه القضايا, وذلك يعني ان فرنسا كانت دائمة البحث عن توازن معقول يراعي علاقاتها التاريخية بالمنطقة العربية. * لماذا لا يتم تفعيل القرارات الأممية الا عندما يتعلق الأمر بدولة عربية مثل العراق أو السودان أو ليبيا؟ ــ هناك نوع من الخلط .. لأن كل هذه المشكلات منفصلة عن بعضها .. وكل لها خصوصيتها. ودعنا نتحدث عن الموضوع العراقي الذي أزعم انه الأهم .. ففرنسا كانت حريصة دوما على إظهار نوع من التفهم للمطالب العراقية .. مع البحث الدائم عن صيغة تنقذ الشعب العراقي من معاناته الحالية .. وفي مجلس الأمن, كانت فرنسا تبحث دوما عن نوع من التوازن في القرارات, مؤداه انه من المهم ان يحترم العراق القرارات الأممية, وهذا ليس معناه اننا نتبع الخط الامريكي, فقد كان ذلك موقفنا من البداية الى اليوم . والى جانب ذلك ففرنسا تعمل ايضا على تخفيف المعاناة على الشعب العراقي. وأود الملاحظة هنا .. أننا لم نطلب أبدا سقوط النظام العراقي, لأنه ليس شأن مجلس الأمن الدولي. حسب رؤيتنا للأشياء .. وإذا أردت سؤالي, عن رؤية الأمريكان .. فهم الأقدر على شرحها! * هل تعتقد ان هذا الموقف الفرنسي عائد الى متانة العلاقات بين باريس وبغداد قبل الأزمة؟ ــ لقد عايشت تلك الفترة من قريب .. وعملت كثيرا مع المسؤولين العراقيين مثل السيد طارق عزيز وغيره, ولا أنكر ان العلاقات الفرنسية العراقية, كانت جيدة جدا .. لكن ذلك لا يمكن ان يجعلنا نتخلى عن موقفنا المطالب بضرورة التزام العراق الكامل بقرارات مجلس الأمن, التي صادقنا عليها بروية وقناعة .. والحقيقة لا أخفي ان هذا الموقف الفرنسي المرن والمتفهم أحيانا للعراق .. يصطدم بعدم فهم كامل في بعض الاحيان, عندما يعمد العراق الى قلب مواقفه, درجة ... فيمنع المفتشين الدوليين من القيام بمهامهم .. وهذا يجعلنا في وضع صعب. * كثير من العرب, أصبحوا يعولون كثيرا على مساندة فرنسا لقضاياهم في المحافل الدولية .. هل هذا وهم عربي؟ ــ هذا السؤال ظريف .. لأن مجرد التفكير العربي في ان فرنسا تساندهم, يعكس نوعاً من حميمة العلاقة بين باريس والمنطقة العربية, واؤكد على ان المسؤولين الفرنسيين, شديدو الوعي بذلك ورغم توالي الحكومات الفرنسية .. فقد كان حرصها دائما عند اتخاذ موقف يهم المنطقة العربية, على الأخذ بعين الاعتبار هذا العامل, ومنه يطلع موقف أقرب ما يمكن الى التوازن. * من خلال تجربتك ومتابعتك القريبة للشأن الأمني.. هل تعتقد ان موعد رفع الحصار عن العراق, قد اقترب؟ ــ نحن نتمنى ذلك في أقرب الأوقات, ولذلك فنحن نضغط بأقصى ما يمكن من قوة على أصدقائنا العراقيين لكي يحترموا قرارات مجلس الأمن. * لو نتحدث قليلا عن العلاقات الفرنسية الأمريكية, في مجلس الأمن .. وفي خارجه .. هل هي علاقات تنافسية حادة في بعض الأحيان؟ ــ في كل مرة أزور واشنطن .. يبادر كثيرون بطرح هذا السؤال علي .. فصحيح ان الامريكان يحسون في بعض الاحيان بأن السياسة الفرنسية تضايقهم قليلا .. وأرد عليهم ببساطة .. لان المواقف الفرنسية ثابتة ولا تتغير .. ومثلما يصوغ الامريكيون مواقفهم بحسب مصالحهم.. فان الفرنسيين يفعلون الشيء نفسه .. ومن لا يفهم هذا سوف يتعسر عليه فهم السياسة الفرنسية. لاحظ مثلا, ان السياسة الفرنسية تختلف عن السياسة البريطانية, فهذه الأخيرة, اختارت بكثير من البساطة ان تكون منسجمة دائما مع الخط الأمريكي .. ونحن لا نود التساؤل حول ذلك, لأنه أمر يعنيهم وحدهم. المهم ان المواقف الفرنسية تتمايز أحيانا عن سواها الأمريكية أو البريطانية, لأن مصالحنا .. خصوصا في العالم العربي, ليست متماثلة مع هذين البلدين .. فضلا عن ان هناك تقاليد عريقة, والتي يجب على أي سياسي فرنسي ان يراعيها قبل اتخاذ اي موقف من اي قضية عربية. أجرى الحوار- فيصل البعطوط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات