ابراهيم الصبحي اول امين عام مساعد للشؤون السياسية لمجلس التعاون: حان الوقت لطرح الصيغة الأمنية الخليجية

من المعروف على نطاق واسع ان فترات البداية في حياة اي تجمع او منظمة او تجربة للتكامل الاقليمي بين مجموعة من الدول تؤثر كثيرا على حياتها, بل وعلى فرص استمرارها ومدى فاعليتها , لذلك التقى (الملف السياسي) مع الشيخ ابراهيم بن حمود الصبحى اول امين عام مساعد للشؤون السياسية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية حيث استمر في منصبه لست سنوات امتدت من عام 1981 حتى عام 1987. ولم يكن الحوار حديث ذكريات ومع انه لم يخل من قليل منها الا انه كان بمثابة نظرة شاملة لسنوات طويلة من العمل الخليجي المشترك جمعت بين الماضي والحاضر وانطلقت الى آفاق المستقبل مع شخصية سياسية ساهمت بدور نشط وكانت قريبة من مرحلة المخاض والنمو الاولى لمجلس التعاون. ومع تأكيده على ان حديثه شخصي وانه قد لا يتذكر التفاصيل الا ان حديثه كان متدفقا. ماذا نريد من مجلس التعاون؟ بعد اكثر من 17 عاما على قيام مجلس التعاون, كيف تقيمون مسيرة المجلس وما وصلت اليه خاصة وان هناك وجهات نظر كثيرة في هذا المجال؟ ان التقييم ينطلق دوما من ماذا كان يريد المجلس؟ وما هي طموحاته وما الذي كان يخطط له المجلس؟ فهل كنا نطمح ان تكون هناك وحدة ــ بالمفهوم الشامل ــ سياسية واقتصادية واستراتيجية ام كان المقصود مجرد تنسيق للمواقف وتحديد مناطق معينة او اتجاهات يمكن ان توحد فيها الجهود؟ ومن البداية كان الطرح امنياً اقتصادياً, لكن قبل ان نفكر في التقييم يجب العودة الى نقطة اساسية هي ظروف نشأة المجلس لان التعرف على ظروف النشأة وكذلك الظروف التي صاحبت عمل المجلس ومسيرته مهم جدا. وفي هذا الاطار فان المجلس وجد في ظروف سياسية صعبة وعسكرية اصعب, فكان الصراع الاقليمي بين ايران والعراق, والصراع الدولي بين القوى العظمى في الخليج وقد ظلت هذه الظروف بشكل او بآخر حتى نهاية الحرب الباردة لانه بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية, جرت حرب تحرير الكويت وظل الهاجس قائما ويسيطر على تفكير المسؤولين في المجلس ولم تهدأ هذه الامور الا في السنوات الاربع الاخيرة, ربما يقول احد ان هذه الظروف هي التي عجلت او انها احدى العوامل التي ساعدت على قيام المجلس, ولكني اسميها تحديات ظلت ملازمة لتحرك المجلس منذ قيامه. الوحدة لم تكن في بال المسؤولين بالنسبة للتقييم ــ بعد الاشارة للظروف ــ اذا كنا نطمح في هذا الكلام الى وحدة او غيره فانها لم تكن في بال المسؤولين. الوحدة الاقتصادية او خلق سوق اقتصادية موحدة, اعتقد ان هذه يفترض انها كانت الانطلاقة لان الامور الاقتصادية لا خلاف عليها وهي المحرك والنتيجة والمحصلة. ويمكن ان يقول احد كيف يكون هناك سوق اقتصادية بدون امن؟ الامن طبعا هناك امن مجلس التعاون, وامن اقليمي ونحن مرتبطون بمجموعة دول في قضايا امنية وليس الارتباط نفسه في الجوانب الاقتصادية التي لا تؤثر علينا كثيرا. صحيح ان التغيرات الاقتصادية في آسيا اثرت علينا ولكن لم تؤثر كما اثر انخفاض اسعار النفط. الجانب الاقتصادي كان هو المحور الرئيسي, معظم القرارات كانت ذات طابع اقتصادي, معظم الدول, والامانة العامة اما انها وصلت او على مشارف الوصول نحو مزيد من التكامل الاقتصادي, الا بالنسبة للتعرفة الجمركية الموحدة. فدول المجلس الآن اتفقت على تصنيف السلع وربما صيغ مشتركة, ولكن في الواقع ان هذه تم تجاوزها خاصة بعد الانضمام الى منظمة التجارة العالمية وجولة اوروجواي. صحيح يمكن ان نستفيد من المرحلة الانتقالية ولكن بعد ذلك نكون دخلنا في العولمة, في السوق الحرة وهي لا حدود ولا قيود بالنسبة لها, ففيها ستفتح الحدود وستزال القيود والا ستصبح في معزل وهم ــ الغرب ــ سيحرمونك من هذه الميزات بالرغم من اننا لا توجد لدينا مزايا. حتى لو وصلنا الى التعرفة الجمركية فاننا نستفيد في التفاوض مع المجموعات الاخرى في المرحلة الانتقالية فقط. ومن هنا فان التخطيط الاستراتيجي مهم جدا لنعرف اين يتجه العالم واين نحن. ولان قليلاً منا هم الذين شاركوا في جولة اوروجواي لذلك غاب عنا كثير من الامور التي نوقشت والتي هي حقيقة الان وتفرض علينا. بالطبع ما تحقق في الامور الاقتصادية جيد ولكن المواطن قد يكون له هموم كبيرة وهو يدرك حقيقة ان هذه هي الامكانات المتوفرة. ولكن لم نصل الى ما وصل اليه الآخرون مثل الاتحاد الاوروبي والاسيان ــ قد يكون ما وصلنا اليه افضل, مقارنة لعنصر الزمن, ولكن لا يجب ان نغفل دورهم ويجب ان نغير نمط التفكير لان نمط التفكير كان مركزاً في هذه المنطقة ولكنه لم يستوعب ان هناك حركة عالمية قائمة على مصالح دولية. كنا منطقة جذب في يوم من الايام بالنسبة للنفط وهناك الان مناطق منافسة تبرز الى الوجود. وعليه فالتفكير الاقتصادي يجب ان يرتبط بالتحرك السريع في السوق العالمية والتخطيط الاستراتيجي. وبالنسبة للجوانب السياسية هناك الآن تعاون حثيث وفيه تنسيق وملامح لسياسة المجلس في قضايا عديدة, وما عاد فيه كثير من القضايا الخلافية, كان هناك بؤر كثيرة في الماضي والمناطق الساخنة بدأت تبرد وكذلك التهديد بالحرب انتهى, هناك الآن ثورة معلومات وثورة اقتصادية في العلم يجب ان نركز عليها. الكيف وليس الكم آخر نقطة في عملية التقييم في رأيي هي ما يتصل بالقوة البشرية, ليس لدينا قوة بشرية او سكان ولذلك يجب ان نركز على النوعية, فخير ان يكون لدينا مجموعة علماء وفنيين على درجة عالية من التخصص من ان يكون لدينا عمالة اخرى اقل فهذه اهميتها ليست كبيرة. ومن ثم نريد ان نرى نسبة العمالة الوطنية متفوقة على الوافدة ولكن المهم هي القيادات لان القيادات هي التي تتحكم في التوجيه والتخطيط الاستراتيجي للدول. نمط التفكير لا بأس ان نفكر في المواطنة ويجب ان نفكر في الخطوات المشتركة وننتقل الى العالمية لاننا اصبحنا جزءاً منها. التسمية لا تهم هل يمكن ان نطلق على مجلس التعاون تعريف (منظمة اقليمية), وهل يقدم المجلس نموذجا في هذا المجال؟ ان تعريف مجلس التعاون حسب القانون والمفهوم الدولي انه طالما يضم مجموعة من الدول فهو منظمة دولية بغض النظر عن التسمية. وفي الحقيقة عمدوا الى البعد عن المفهوم. وكما تعرف ان ميثاق الجامعة العربية لا يمنع قيام تنظيمات اقليمية. ومن ثم كمفهوم فان المجلس هو منظمة ولكنهم شاؤوا ان يسمونه مجلس Council ولا اعتقد ان هناك التباس او ضرر ان يبقى في هذا الاطار, في التنظيم الذي يضمها وفقا للنظام الاساسي بالطبع. بالنظر الى مسيرة المجلس ما هي ابرز المحطات من وجهة نظركم, او النماذج التي يقدمها مجلس التعاون؟ كما قلت ان المجلس عندما بدأ لم تكن لديه حدود معينة للوصول اليها كوحدة او نظام فيدرالي او كونفيدرالي, ولكن الدول ارادت ان تقدم نموذجاً خاصاً بها من الدول الست, كل واحدة منها لها تجربة في مجال معين تعتز بها سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او امنية او غيرها وبدأت بالفعل من تجاربها المختلفة وسعت الى تطويرها بما يحقق مصالحها المشتركة ويسهم في تحقيق السلام والامن لها وللمنطقة. هذه الدول بدأت من تجاربها هي واخذت تطور فيها وعلى سبيل المثال النموذج الاعلامي الخليجي قلما نجد نماذج مماثلة له في العالم, ليس لانه نموذج فريد او مستعص على الاخذ به ولكن لان هذه الدول عملت على معالجة الامور بالحكمة والعقلانية وهي تنظر للامور بواقعية وبدون تطرف او مغالاة. التجربة الاقتصادية محطة اخرى, وكذلك السياسية, بالاضافة الى ما يتصل بالشورى وكلما نبتت تجربة وتأكدت من نجاحها واستمرارها وامكانية تطويرها قدمتها لمن يريد الاستفادة وهي تجارب مبنية على اساس قناعة وتدرج وعلى اساس ديناميكي. وباختصار شديد اذا وصفنا التجربة الخليجية فانها ديناميكية, متطورة, لم تتحجر وهي قابلة للتطور, يضاف الى ذلك ان الحوار مستمر وهي لم تقف عند حد مع كل الدول, دول المجلس او غيرها. خصوصية الشورى الخليجية ان الدول الديمقراطية كانت تنظر الى دول المجلس على انها ليس عندها ديمقراطية, الان هناك تجارب في كل دول المجلس وكل دولة منها لها خصوصيتها ومميزاتها وتاريخها وكلها تدخل ضمن المقومات الخاصة بالتجربة واصبحت نموذجاً. دول المجلس تريد ان تقدم نموذجاً طيباً, سمها ما شئت من تعاون او على هذا النحو, وبشهادة كثير من الدول التي راهنت على توقف المجلس او تجمده عند حد معين, ولكن الحقيقة ان المجلس مستمر. التعرفة الجمركية الموحدة على سبيل المثال تناقش منذ مدة طويلة, وهناك تصميم للوصول اليها لانه بدونها لن نصل الى السوق الخليجية المشتركة. كذلك ما يتصل بالقطاع الخاص والذي حظي بكثير من الدعم والتسهيلات فقد اعترفت به هذه الدول كعنصر اساسي ومحرك للاقتصاد واخذ دور الشريك بصرف النظر عما يحدث في الدول الاخرى من خصخصة او غيرها. فهنا نموذج محدد ومحطة من المحطات الكبيرة التي يجب ان نستمر في التطور فيها لان القطاع الخاص ليس اموالاً واستثمارات ولكنه كذلك عقول, عقول مفكرة, تدعم العقول المفكرة في القطاع العام, وعندما يكون هناك فكر استراتيجي يكون الاثنان معا داعمين له فالحكومة لها انشطتها ودورها والقطاع الخاص له دوره ودوره الكبير جدا. العلاقات مع دول الجوار ماذا عن العلاقات بين مجلس التعاون ودول الجوار؟ كيف تنظرون الى تلك العلاقات وآفاقها؟ كما قلت في البداية ما هو التخطيط الاستراتيجي؟ المفروض ان يكون التخطيط من 1980 الى 2000 مثلا على المستويات السياسية والاقتصادية والامنية لانه بدون وجود صيغة امنية يتم الاتفاق عليها بين هذه الدول فالامر يكون مختلفا. في الحقيقة سلطنة عمان كانت من اوائل الدول الداعمة لذلك. وكما تعرف انه في عام 1976 اجتمعت ثماني دول في عمان ــ دول المجلس والعراق وايران ـ لبحث ذلك فهذه الدول يجمعها الخليج وهو ممر لكل وسائل النقل والبترول والبضائع وغيرها وهذه الصيغة هي ان يبقى الخليج بحيرة آمنة مفتوحة لكل الدول التي لها مصالح. واضاف هناك خطوط معينة للاسترشاد بها, يمكن ان الاجواء الحالية ــ كرأي شخصي طبعاً ــ اصبحت مناسبة, ومن يستقرئ اقوال كبار المسؤولين يجد ان الوقت الآن انسب من غيره لطرح صيغة, حتى ولو تفاهم امني بين هذه الدول, الان انسب وقت لانه ما كان يقال في عام 1979 لم يكن يشجع على ذلك كما هو الحال اليوم اي بعد 20 سنة. كل الامور التي كانت ستؤخر او تعرقل اي صيغة اعتقد انها ذابت واعتقد ان العقول اصبحت اكثر تقبلا. صحيح أن هناك اموراً مازالت عالقة, ولكن نبدأ من حيث نبدأ الان, وكل من لديه استعداد ليبدأ خصوصا اننا نتحدث عن اشياء تجمعنا جميعا في ظل خصوصية كل دولة, هناك تقارب كبير صار في وجهات النظر حول هذا المفهوم. تفاؤل عماني ما هي في رأيك العقبات التي تعترض عمل المجلس او تحد من انطلاقه؟ اننا كعمانيين عندنا تفاؤل كبير وبطبيعتنا لا نستعجل الامور, واريد ان اقلب السؤال واقول ما الذي يؤخر عمل المجلس؟ انا عندي ان ما يجمع اكثر مما يفرق, وما يقرب اكثر مما يبعد, اننا فقط نحتاج الى تخطيط, ان نضع تخطيطاً استراتيجياً للاستفادة من التجارب المحلية لكل دولة, مثلا في التفاوض بشأن مشروعات بتروكيماويات او غاز ينبغي ان نستفيد من تجارب دول المجلس وان نذهب كست دول وان نستفيد من بعضنا البعض وبالتالي لا نكرر ولا نقع في الازدواجية لانها لا تؤدي الى التكامل. واذا كان الهدف هو التكامل فان التكامل يأتي من التنويع ولذلك يتم التبادل. يمكن ان تبني ما شئت من المصانع ولكن في اطار خطة يتم من خلالها تكامل الامكانيات بين دول المجلس. وفي الحقيقة ما قدمه اصحاب الجلالة والسمو شيء طيب ومشرف ويدعو للفخر والاعتزاز. ولكن هناك نقطتين, ان نحافظ على المكتسبات وان نطورها لاننا اصبحنا قرية صغيرة ولم تعد قرية سياحية ولكن تنافسية والبقاء فيها للاصلح. لا نريد ان نعطي للناس فرصة انه لم يعمل شيئاً, ولكن تم عمل شيء. بنينا 20 دوراً ونريد ان نبني 40 دوراً فعلينا ان نكمل البناء تدريجيا ونطور وان يكون فيه تخطيط. وبالتأكيد من الصعب ان نلغي ما حدث فالاشياء الصغيرة تتحقق, الجواز, نسافر بالبطاقات, الحدود تحتاج الى شيء من التسهيلات (هناك حدود في تبادل السلع والاموال, (فيه حرية ويمكن فيه تأخير), هذه نماذج ولكنها ستحل والاكثر اهمية الجوانب الاستراتيجية, في المراحل الاولى ركز المجلس على الجوانب المحلية والآن بدأ ينتقل الى مرحلة اخرى هي العولمة., ماذا سنفعل؟ نحن في مواجهة تجربة علمية كبيرة جدا, يجب ان نعرف الآخرين بالتجربة بطريقة مقنعة, اريد في النهاية ان اقول ان ما تم شيء طيب واننا في سبيلنا الى التطوير والتجديد والتحديث بما لا يمس اساسياتنا. تطور حسب الحاجة ماذا عن المستقبل؟ وهل تتوقعون حدوث تعديل في النظام الاساسي للمجلس سواء لقبول اعضاء جدد او لغير ذلك؟ هذا السؤال توجهه الى الشيخ جميل الحجيلان, لان الاجابة من داخل المجلس ولكن ما يمكن قوله هو ان مجلس التعاون بشكله القانوني ما وصل اليه جيد وان اغلب ما خطط له اما انه نفذ او انه في طريقه للتنفيذ او يحتاج الى متابعة. وارى ان المجلس يتطور. مثلا كان المجلس الاعلى بحاجة الى خلق جهاز للمتابعة والاستشارة فخلق الهيئة الاستشارية, وبدأ المجلس كذلك يطور عمله واداءه وكذلك في اسلوبه الدستوري لان هذا الجهاز لم يكن قائما. ولكن عندما وجد ان هناك حاجة اوجدها وهناك امور كثيرة يتم تحويلها الى جهة او اخرى. ومع ان هناك مجلس وزاري يجتمع كل ثلاثة شهور الا ان المجلس الاعلى اراد ان يكون هناك جهاز قريب منه كثير. وقد تكون هناك امور اخرى تتبادر الى المسؤولين وهذه من مميزات المجلس لانه ديناميكي والمسألة ليست ان هذا هو النظام الاساسي للمجلس وفقط, لا, الهيئة الاستشارية صار تفكير فيها منذ فترة وعندما نضجت قيل اذن نبدأ, فالنظام الاساسي يتطور مع تطور المجلس. سهر وحماس وعمل كبير كنتم من اوائل المسؤولين في الامانة العامة للمجلس في المرحلة الاولى له, كيف كانت هذه الفترة وكيف اثرت على عمل المجلس خاصة وانها فترة يمتد تأثيرها لسنوات عديدة؟ كانت فترة حيوية, خصبة, بلورت اموراً كثيرة, كنا احيانا نسهر لساعات متأخرة من الليل, لكن الحمد لله الامور اليوم اصبحت ايسر وافضل, وفيه تفاهم كثير وعلاقات شخصية واجواء يسودها شيء من المحبة ومناخ جديد ولولا هذه الروح ما كان قد تحقق ذلك كله مثل الاستثمار والانتقال وغيره, لانه لو فيه فرص استثمارية في مكان ما لابد من جهة تقوم بتنمية وتطوير العلاقات ليس على المستوى الرسمي ولكن على المستوى الشخصي لان الجوانب الشخصية مهمة وهذه واحدة من محامد مجلس التعاون انه خلق علاقات شخصية وعائلية وعندما نلتقي في معرض او ندوة تجد ان ممثلي المجلس قريبين منك. واجهنا التحدي وكنا شركاء اي تجربة خصوصا اذا كانت لها علاقة بعمل مشترك او بجهد مشترك لابد أن تواجه شيئاً من التحديات والصعوبات والخلافات في وجهات النظر ولكن هذه كلها صحية.. توجد تحديات فيوجد التعاون والتنسيق ومن هذا المنطلق كان العمل في البداية فعلا. كشخص والامين العام للمجلس وامين الشؤون الاقتصادية في ذلك الوقت كنا نواجه تحدياً, وجهات نظرنا الشخصية كانت لا تقبل في البداية, ومع ذلك جئنا بعقلية اننا لسنا موظفين ولكن مشاركين وعلينا ان نفكر بصراحة وطلاقة وان نبتكر, ففي بعض الاحيان الانسان كان عليه ان يتغلب على نفسه وليس فقط على الآخرين. والحقيقة ان ما كان يشد من عزمنا ان هناك قناعة بهذا العمل على كل المستويات وبرغم الصعوبات والخلافات في وجهات النظر خاصة وانها تجربة جديدة ودول مازالت ناشئة وتعتز بنظمها المحلية وليست مستعدة ان تضحي او ان تعطي الفوقية لنظام لم يجرب, الا انه مع مرور السنوات بدأت هذه تذوب تدريجيا وتقبل التجربة, بدأت تتسع وبدأ المسؤولون يكونون اكثر حماسا منا, كانوا يقولون اننا مندفعين في البداية, وبعد ذلك بدأوا في تفهم حماسنا وهذا كان يريح الانسان, عملي كدبلوماسي كان يختلف كثيرا في الامانة العامة لانه كان يشمل قطاعاً كبيراً والمسؤولون كانوا يشدوا على ايدينا ولم نسمع سوى ما يدعمنا. في الحقيقة كنت اؤمن بالتنسيق والاعداد والاتصالات قبل الاجتماعات لنضمن الآراء والموافقة وكنت انتقل احيانا بين عدة دول في المجلس في يوم واحد للوصول الى توحيد الآراء. وحتى بعد اتخاذ القرارات كنا نتابع تنفيذها ولم نجد أبداً تبرم بذلك. كان هناك تقدير كبير وتفهم وتأثرت كثيرا عندما تركت المجلس. هل تذكر تجربة او واقعة محددة من خلال عملك في الامانة العامة ذات دلالة بالنسبة لك؟ ان مجلس التعاون خلق احتراما وتقديرا بين الدول والمنظمات الدولية على حد سواء, ولذا يجب ان نعتز بهذا العمل والا نوقفه عند محطة معينة وهذه المنطقة تختزن ثروة كبيرة هي ثروة العقول لان الثروة الحقيقية هي الانسان. سألني احد اعضاء الكونجرس الامريكي ذات مرة الى اين انتم ذاهبون؟ فقلت له ــ وكان ذلك في اوائل الثمانينات ــ ان الاجابة ستكون بعد 15 سنة لانني اخاف ان اقيم التجربة الآن ــ اي في ذلك الوقت ـ وانه بعد عدة سنوات قيم تجربتي وليس الآن. فأوروبا سبقتنا ومن غير العدل ان اقيم تجربة دول مجلس التعاون في بدايتها, وبعد عدة سنوات التقيت مع نفس الشخصية وكان سفيراً في احدى الدول وقال لي بنفسه الان استطيع ان اقيّم وبالفعل طريق واسلوب المجلس مدعاة للفخر, صحيح هناك امور لم تتحقق ولم نصل اليها, ولكن ليست هذه هي العبرة, ما فات فات, واليوم امامنا امور اخرى, فسنة 2000 هي بالتأكيد غير سنة 1979 فالعلم تغير الآن كثيرا جدا, ماذا حدث للاتحاد السوفييتي السابق؟ وماذا حدث لدول شرق اسيا, التعميمات والتوقعات لها حدود بالتأكيد. مسقط ــ د. عبدالحميد الموافي

طباعة Email