انصار الحكومة وحلفاؤها يتبادلون الاتهام ... والإشادة: وقائع أول ندوة سياسية في الخرطوم منذ عشر سنوات

شهد ميدان الكاشف بحي الركابية بأم درمان احد اضلاع العاصمة المثلثة بالسودان مساء السبت الماضي اول ندوة سياسية جماهيرية بحي شعبي منذ عشر سنوات . وتحدث في الندوة التي كانت بعنوان (مستقبل السودان في ظل التوالي السياسي) كل من الشريف زين العابدين الهندي الامين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي, والذي انشق عن الميرغني وتصالح مع الحكومة التي اسندت اليه منصب نائب الامين العام للمؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) ود. لاماكول القيادي السابق في حركة قرنق الذي انشق عنها ووقع مع (الانقاذ) اتفاقية منشودة للسلام وتولى منصب وزير النقل, ومحمد الامين خليفة عضو مجلس قيادة انقلاب يونيو ووزير شؤون رئاسة مجلس الوزراء حالياً, والكاتب الصحافي محمد طه محمد احمد الاعلامي السابق في الجبهة الاسلامية المتنفذة في الحكم والذي اختلف معها. وخلال الندوة تقارع انصار (الانقاذ) ومعارضيها الذين دعوا لاتاحة المزيد من الحريات والديمقراطية. لكن المتحدثين اتفقوا على ان (التوالي السياسي) يعني التعددية السياسية وان واقع السودان المتباين والمتعدد الاعراق يقتضي ان يحكم وفق التعددية والتداول السلمي للسلطة. وشن محمد طه محمد احمد هجوماً عنيفاً على (الانقاذ) ونظيرها الاحادي قائلاً ان السير على درب الفكر الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد يفضي الى طريق مسدود, وان الانقاذ باعدت بينها والانسان السوداني طوال عشر سنوات من حكمها, معتبراً ان الحقيقة ابنة الجدل الذي لن يتحقق الا بتعددية حقيقية. وفي المقابل شن محمد الامين خليفة هجوماً مماثلاً على التجربة الديمقراطية التي سبقت (الانقاذ) قائلاً ان السودان كانت تحكمه (حكومة السفارات) , واشار الى ان الاحزاب لم تع دروس انقلابي نوفمبر 1958م ومايو 1969م وعادت لتكرر ذات الاخطاء التي ارتكبتها خلال التجربتين السابقتين. ولدواعي التوثيق واثراء الحوار وتعميماً للفائدة تقدم (البيان) فيما يلي رصداً شاملاً لوقائع الندوة التي شهدت اشتباكاً كلامياً ساخناً بين بعض اطرافه: الطريق المسدود بدأ محمد طه محمد احمد مداخلته بالقول: على الرغم من اننا نعيش في بلد المليونا ميل مربع الا اننا نعاني حالة من الضيق القاتل ضاع معها المعاش والتعليم والصحة, وطال الضياع الانسان ذاته واصبح مهاجراً ومغترباً ومهدداً داخله وخارجه, وهذه مشكلة كبيرة جداً. لقد بدأ السودانيون بداية صحيحة لكنهم توقفوا في منتصف الطريق, وبدلاً من تحويل الصراع الى (صراع افكار) حولوه الى صراع عنيف ومخيف ونسوا ان البلد تتحملهم جميعهم. ومضى يقول: ان وصول (الانقاذ) الى طريق مسدود يعود الى السير على هدى الفكر الواحد والرأي الواحد, لان غياب المنافسة والصراع الشريف ادى الى تفكك وتلاشي انجازاتها, وافضى الى تفكك اجتماعي, الامر الذي تسبب في التباعد بين (الانقاذ) والانسان السوداني وحتى التيار الاسلامي اصبح للناس رأي فيه بسبب فشل الرجال وقصور الرجال وضيقهم بالآخر, والحياة اذا تأسست في ظل غياب المنافسة السياسية الشريفة ستصل الى طريق مسدود سواء نهضت على حزب ديني او غير ديني. ولا يوجد انسان يملك الحقيقة كاملة لوحده, لان الحقيقة بنت الجدل. ان الاسلام نفسه لم يدخل السودان بالقوة وهو البلد الاسلامي الوحيد الذي دخله الاسلام بالجدل, ان البداية الحقيقية لحياة سياسية فعالة تكمن في احتمال الآخر. وعرج السياسي الاسلامي محمد طه الذي يصدر صحيفة اسمها (الوفاق) , على موضوع (التوالي السياسي) وقال انه اثار جدلاً اكبر مما يستحق وتوقف الناس كثيراً امام معنى كلمة (التوالي) وسئل الترابي عن معنى ودور (التوالي) فقال: ان التوالي تعني الحزبية لمن لا يفهمونها... اذن لماذا الاصرار على التمسك (بالتوالي) التي لا يفهمها الناس, ويجب ان يخاطب الحاكم الناس بحسب عقولهم, ويقل الحقيقة المتمثلة في ان النهج الشمولي وصل الى طريق مسدود, وكان لا بد للنهج الشمولي ان يصل الى طريق مسدود, وسبق لنميري (الرئيس الاسبق) ان انشأ (الاتحاد الاشتراكي) تنظيمه الحاكم الاوحد ووصل الى طريق مغلق شأن المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) الذي اسسته (الانقاذ) ولا فرق بين التنظيمين فكلاهما تنظيم واحد خارج من الجماعة الواحدة لم يقدم الا العاطلين عن الموهبة الخاملين عن العطاء, وتجربة (الانقاذ) تزخر بمثل هذه الاوصاف. الوزير يبقى في منصبه لعشر سنوات وعندما يدمن الفشل يحال الى منصب الوالي. هل تعلم الحكومة ان (95%) من السودانيين يأكلون وجبة واحدة؟ بالطبع لا لانها لا تعرف احوال الناس ولا يتجول المسؤولون لمعرفة ما يحل بالناس ولان الناس لا تسأل الحكومة. ان على الحكومة ومن واقع المسؤولية تقديم التنازلات لمعارضيها, وعليها اتاحة الفرصة للقوى السياسية في الداخل والخارج لان السياسة لا تقبل التحديات والعنتريات التي ما قتلت ذبابة. واذا ذهبت القوى السياسية الى الخارج وارتمت في احضان الاجنبي فإن الحكومة هي المسؤولة لانها ضيقت عليها الخناق ودفعتها الى الارتماء في احضان الاجنبي, وعلى سبيل المثال الصادق المهدي الذي خرج يوم زواج ابنته, ولا يمكن ان يترك الانسان وطنه يوم زفاف ابنته ان لم يكن مضطراً الى ذلك والشعب السوداني هو الذي يدفع ثمن الطموحات السياسية والحزبية والشخصية والزعماء عادة لا يشقون كثيراً ان كانوا في الداخل او الخارج. ومن ايجابيات (الانقاذ) اعترافها بالقصور وسعيها الى المعالجة باقرار التعددية وسماحها للرأي والبرنامج الآخر بالتداول. ان ميزة الاتحادي الديمقراطي جناح الأمانة العامة تكمن في استجابته لنهج التسامح السياسي وبذلك ساهم في اعادة الثقة بين السودانيين التي عمل النظام على هدمها من خلال التباعد بينه وبين القوى الاخرى طوال السنوات العشرة من حكمه. وشخصياً ادعو القوى السياسية الاخرى الى دخول مرحلة (التوالي السياسي) والقبول بالقانون القائم على علاته وسلبياته الكثيرة جداً, ولتبرهن للشعب السوداني انها لا تسعى الى السلطة, وتعمل على التعبئة والتوعية واصلاح المجتمع وسلطة اداة من ادواتها, وعلى الاحزاب الذكية المخلصة الا تتعجل في السعي الى السلطة لان نصف الناس اعداء للحاكم ان عدل, وهذه هي نصيحتي للشريف زين العابدين الهندي الا يوافق على اية منصب, وان يتجه الى الجماهير السودانية ليعمل وسطها. بلد التباين وجاء دور الزعيم الجنوبي د. لاماكول المتمرد السابق الذي تصالح مع النظام فبدأ بالقول: نحن السودانيين ومنذ الاستقلال لم نجلس لنتحدث عن واقع ومشكلات البلد وسماته ومكوناته وقبائله وناسه, والسودان بلد كبير ومتعدد يسكنه ما يزيد عن (500) مجموعة عرقية يتحدثون ما يزيد عن مائة لغة ولهجة محلية. ان سمة السودان التعدد والتباين ان كان ذلك في المناخ او اللغة او الدين او الاعراق او السلوك, لذا لا بد من احترام هذه التباينات من قبل القوى السياسية وقياداتها ووضعها في الاعتبار, وهذا لا يتم بواسطة الكلام والكتابة لكنه يتم خلال الممارسة التي تترجم هذا الاحترام الى فعل, وان كان ثمة احترام للتباين فلا بد من اقرار التعددية سياسية كانت ام ثقافية ام اجتماعية. (الانقاذ) فكرت بطريقة صحيحة عندما اتجهت الى التعددية السياسية لانها من طبيعة الاشياء في السودان, ونحن عندما كنا نفاوض الحكومة من اجل السلام كان كل حديثنا ينصب حول الديمقراطية والحرية وهوية السودان, وكل ذلك لا بد أن يتم احتواؤه في اطار تعددية سياسية ليعبر الشعب السوداني عن نفسه, وينتخب قيادته, وباتجاه (الانقاذ) نحو الديمقراطية تكون سارت في الطريق الصحيح. صحيح ان الفرقاء السودانيين حصروا نقاشهم حول كلمة (التوالي) وادت الكلمة الى تحويل الانظار عن المعنى العميق الى اللفظ وصار النقاش يدور حول الكلمة لكن العبرة في الواقع السياسي بالتطبيق وعندما ننظر الى الدستور بصورة مجردة سنجد فيه الكثير من الحقوق التي يطالب الشعب السوداني باقرارها نحو الديمقراطية والحريات, واول دليل على هذا الحديث ان بعض منتقدي الدستور يقولون انه دستور غير اسلامي لانه لم ينص على ان يكون رئيس الجمهورية مسلم والبعض يقولون انه دستور اسلامي, وان كان ثمة خلاف من هذا النوع فإنه يعبر عن ان الدستور اتسم بالوسطية وغالبية الشعب السوداني وسطي التوجه. اذن لماذا يتردد الكثيرون حتى الآن في ممارسة العمل السياسي المفتوح؟ اذا كانت حجتهم ان (الانقاذ) نظام شمولي لا يتيح الفرصة لغيره لممارسة العمل السياسي, وانه ضد الديمقراطية وينتهك حقوق الانسان, فإن الدستور اكد على الديمقراطية والحريات والحرمات والواجبات, ونحن الآن في حاجة الى بناء جسور الثقة بين (الانقاذ) ومعارضيها, ومن يبحث عن الديمقراطية عليه التمسك بأول الفرص التي تسمح باقرارها, والآن لدينا الكثير من الفرص, رغم الخلاف على كلمة (التوالي) وبرأيي ان الدستور في حد ذاته بداية طيبة للعمل الديمقراطي الحر وافضل كثيراً عما سبقه. محك الجدية ونحن في السودان لم نحدد بعد ثوابت السياسات والدولة التي يجب الا تبدد بتغير الحكومات, واذا نظرنا الى الدول الغربية على سبيل المثال نلاحظ ان الحكومات تتغير من اليمين الى الوسط الى اليسار لكن السياسة الخارجية والدفاع والنظام الاقتصادي والاجتماعي لا تتغير, صحيح ان عامل الخبرة وتراكم التجارب يجعل البلدان الغربية اكثر استقراراً وتسقط هنا المقارنة, لكن لأن الاساس الذي قامت عليه التجارب السياسية لتلك البلدان, اي ثوابتها التي لا تخرج عنها القوى السياسية, كانت واضحة ومتينة ومتفقاً عليها. ان الاختبار الاهم هو اثبات الجدية من قبل (الانقاذ) .. الجدية التي ستسهم في بناء الثقة بين (الانقاذ) ومعارضيها والتي تتطلب ان تعمد المعارضة ايضاً الى مبادلة (الانقاذ) ثقة بثقة وجدية بجدية, ولا بد ان تثبت للمعارضين اننا نفعل ما ندعوا اليه. ان الحركة السياسية في السودان طوال تاريخها تعاني نقطة ضعف واضحة تتمثل في عدم توافر الثقة بين عناصرها, والسؤال المهم ما هو موقع الاحزاب الصغيرة في خارطة (التوالي) السياسي وفلاسفة السياسة يتحدثون عن ان الديمقراطية تعني احترام حقوق الاقليات لان الاكثرية تستطيع ان تراعي مصالحها وتعمل على تحقيقها, وهذه هي خلفية مشكلة جنوب السودان عندما وعد الساسة الشماليون الجنوبيين بالفيدرالية قبل تحقيق الاستقلال وعندما تحقق الاستقلال لم يف القادة الشماليون بوعودهم وبدأت اولى بوادر ازمة الثقة التي تشكل كما قلت, نقطة الضعف في الممارسة السياسية السودانية, ولو كانوا اوفوا بما وعدوا لما شهد السودان تلك السلسلة الطويلة من الحروب والدمار, ومنذ ذلك التاريخ والى اليوم صارت ازمة الثقة وهي التي تدفن فيها اعظم انجازات القيادات السودانية. اننا عندما نقدم على عمل جوهري مثل التعددية السياسية لا بد ان نراعي مكونات السودان وشعبه التي تتأسس على التباين الثقافي والعرفي والديني, وحتى الآن لا يوجد حزب سياسي استوعب كل مكونات المجتمع السوداني برضاء مهما قيل عن كبر وعظمة هذا التنظيم. معلم سياسي بارز وبدأ زين العابدين الهندي مداخلته باقرار صريح بان (التوالي السياسي) يعد معلماً بارزاً في تاريخ السودان السياسي. وقال: ان مستقبل السودان في ظل التوالي السياسي يشكل معلماً بارزاً في مسيرة (43) سنة من الحكم شهد خلالها السودان نوعيات مختلفة من الحكم من الوسط الى اليسار ومن اليسار الى اليمين (43) عاماً ولدت خلالها اجيال عديدة ومتعاقبة قطعت الاتصالات فيما بينها بأنظمة شمولية ووضعت المراحل الديمقراطية في جذر منعزلة متباعدة واصيب تواصل الاجيال بأوصاب قاتلة, وهذا الامر مضر بالشعوب وبالجار والجوار, والتعامل الاقليمي والمحلي والدولي, ولكن لحسن الحظ وعلى الرغم من كثرة الاضرار المتعاقبة ظلت قوامة الترابط الاجتماعي على الرغم من الانتهاك المستمر للمجتمع المدني فيه متماسك. ان كل الدروس والعبر التي مرت بنا هي موضوع الحوار امس واليوم وغداً, ومن محاسن الصدف ان تنتهي (الانقاذ) الى الحوار بمعنى ان توقف كل الصراعات, وان تقلم اظافر المنافسات غير الموضوعية, ان يستمع الى الصوت الخفي في الانين من الجسم الدامي والمجروح للمجتمع المدني بعناية وبحرص شديدين. وعلى الجميع حاكمين ومعارضين تقصي هذه المسيرة بتفاصيلها لانه بصراحة من يكن له خطيئة فليرمنا بحجر او يرمي الآخر بحجر, وكل الناس خطاؤون ولكل العهود خطايا وايجابيات ويجب ان تأخذ الايجابيات لقادمات ايامنا وعلينا ان نمارس الحوار بصدق ووضوح وتجرد, وبقلوب خالية من الحقد والضغائن متجردة لوجه وطن يذوب تحت اقدامها بعد قليل ان استمرت في عراكها وصراعها حول السلطة وليس حول الوطن وأهله وان استمر الصراع حول الكراسي والقيادة التاريخية المزعومة الى الابد. ان الصراعات تدفع الآخرين ومن هم اقل شأناً منا الى الطمع في بلادنا, وهناك دول صغيرة الآن تتحدى السودان العامر بالخيرات, المليئة بالكنوز وما خفي منها وما بدا, هنالك امم صغيرة تتحدانا تسخر منا وتطأنا بأقدامها. ان نقطة الضعف الكبيرة فينا نحن السودانيين اننا نكابر ولا نعترف بالخطأ ونصر عليه ايضاً ونقاتل على هذا الاصرار ان كان ذلك في صراع الشمال والجنوب اوالشمال والشمال, الآن من المفترض بعد مسيرة (43) سنة ان يكون الاحياء منا تخرجوا من اكبر جامعة في التاريخ. وان لم نغير ما بنا فإن الله لن يغير ما بنا على الاطلاق مهما كان ايماننا وهتافنا واطلقنا (الله اكبر) الى عنان السماء وسائر الهتافات وهذا لا يجدي نفعاً, وعلينا ان نطهر انفسنا, وكلنا اخطأنا. ان (الانقاذ) ادخلت الساسة في تحد واضح عندما طرحت الحوار وأقرت التعددية مهما جاءت الكلمات او لم تجيء وانتهاءً الى نظرة موضوعية واستجابة لدواعي المجتمع المدني. وتوجد فرصة الآن وبعد الآن لتتلاحم الكثير من الصفوف وتلتقي الكثير من الرؤى وتترابط الكثير من الافكار وقد تحتذى الى طريق واسع هو طريق التوحد والوحدة, وما ذلك على الله ببعيد ونحن نسعى الى مثل هذا الطريق الواسع بكل ما اوتينا من قوة, وكل ما وسعنا من صبر واجتهاد. واتفق مع د. لاماكول حول ضرورة اقرار الثوابت كمنطلق للحوار انطلق منها ميثاق وانبثق عنه دستور بفتح الطريق للممارسة السياسية المفتوحة, ونحن نسعى ان تكون هذه هي المرحلة الاخيرة للصراع الدامي بين ابناء الوطن الواحد. وعلينا ان نأخذ من العبر التاريخية والتجارب ما يلائم الشعب السوداني بأعرافه ودياناته وثقافاته المتعددة واول فيدرالية لم تقرها (الانقاذ) انما اقرها العيدلاب الكنوز مروراً بهذه البقعة المباركة من التاريخ المهدوي. والوحدة الوطنية لا تتأسس تستمر الا بالحب وهو لا يعشعش حتى بين زوجين الا بالاتفاق والاتفاق لا يقوم الا بجدلية الحق والواجب وهما قطبا (التوالي السياسي) . والصراع الدامي هو الذي اورثا القتال حول الاغاثة على الرغم من ان ارضنا تزخر بـ (450) مليونا فدان صالحة للزراعة وعشرات الروافد والانهار ونحن جوعى وظمأى. اننا يجب ان نعزز هذه الوقفة المقدسة للحوار التي ابتدرتها (الانقاذ) بارادتها دون ان يفرض عليها اقرار دستور او تعددية او حريات. حكومة السفارات استهل محمد الامين خليفة حديثه بالقول: اود ان ابدأ بالعودة الى الوراء قليلاً حتى نستطيع ان نضع الاصبع على موضع الالم, والسودان منذ الاستقلال وأسأل هل حققنا الاستقلال السياسي والاقتصادي؟ نعم لقد رفرف العلم فوق السارية وصاحبت هذا الحدث معضلة تمثلت في قضية الحرب بجنوب السودان, وان بدأنا بداية صحيحة وعالجنا مشكلة الجنوب في مهدها لوفر علينا الامر الكثير مما انفقناه من انفس واموال. لو لم تكن مشكلة الجنوب منذ بدايات استقلال هذه البلاد لحققنا نجاحات مقدرة في التنمية والاستقرار الذين يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالديمقراطية والشورى, لان التنمية والحرب يتناسبان تناسباً عكسياً. ان الحكومات التي سبقت (الانقاذ) لم تضع اولوياتها بدقة, فأول حكومة وطنية بعد الاستقلال (56 ــ 1958م) كانت اولويتها الاغلبية المريحة لتنفيذ برامجها, فيما كانت اولوية المعارضة اسقاط الحكومة بالوسائل السلمية, ونحن نكن لاولئك الرجال الذين حققوا الاستقلال كل تقدير لكن لا بد من وضع الاسبقيات. اعقب حكومة (الديمقراطية الاولى) انقلاب 16 نوفمبر 1958م قبل (40) عاماً من الآن واعتلى الجيش بقيادة الفريق الراحل ابراهيم عبود مسرح السلطة, لكن اولويات برنامج حكومته حسم قضيتي الجنوب والتنمية, وذلك الطريق هو ليس بالطريق الصحيح لان الحرب والتنمية يتناسبان عكسياً. وجاءت (ثورة) اكتوبر 1964م وجاءت الاحزاب السياسية الى الحكم, لكنها بدلاً عن ان تعي الدرس وتعيد النظر في برامجها, جاءت بذات اولويات اي الصراع على السلطة. ثم اعتلى الجيش مسرح الاحداث مرة اخرى بانقلاب جعفر نميري في مايو 1969م وايضاً كانت الاسبقية حرب الجنوب لكن هل كان البرنامج موضوع بحث؟ اجيب بلا لأن الحلول كانت وقتية ولم توضع ممسكات الوحدة الوطنية والحل الناجع, ومهما يكن من امر فقد نعمم السودان بعقد كامل من الاستقرار المؤقت. وعندما قامت انتفاضة ابريل 1985م يا ليت الاحزاب وعت الدرس مرة ثالثة فرجعنا الى ذات المربع الاول وتركنا القضية كما هي دون اجراء حوار او تشخيص المشكلة (مشكلة الجنوب) ورجعنا الى حكومات سفارات واصبح السودان اكثر دولة استباحة في افريقيا هل هذه هي الديمقراطية التي ينشدها الشعب السوداني؟ ثم جاءت (الانقاذ) واعتمدت الحوار طريقاً لبرامجها وعندما يتحدث الآخرون عن الحوار اقل هذه هي ساحة (الانقاذ) وخير دليل على مبدأ الحوار هو وجود اثنين من المتحدثين في هذه الندوة كان الاول د. لاماكول معارضاً بالسلاح وهو الآن وزير اتحادي, والآخر كان معارضاً سلمياً وهو الشريف الهندي الذي يتولى منصب نائب أمين عام المؤتر الوطني (الحزب الحاكم) كيف جاء هؤلاء الى حظيرة (الانقاذ) ؟ جاءوا بالحوار. ونحن ما زلنا نكرر ما سبق, ان هذه البلاد للسودانيين جميعاً وليس لـ (الانقاذ) (وحدها, وتدرجت (الانقاذ) من مرحلة (الشرعية الثورية) في ايامها الاولى حتى حكام الاقاليم كانوا من العسكريين, ثم جاء بعد ذلك حكام مدنيون, ثم حل مجلس قيادة (الثورة) نفسه, تبعت ذلك انتخابات حرة مباشرة بدءاً من المحليات الى المحافظات الى الولايات الى البرلمان.. والى رئيس الجمهورية, ثم انتقلنا الى المرحلة الدستورية الراهنة. وحل مشكلة الجنوب تطورت المسيرة من حوار الى ميثاق الى اعلان مبادىء الى اتفاقية تم تضمينها في الدستور الذي يعتبر كل من يخالفه يخالف الاجماع الوطني. اما عن (التوالي السياسي) فان مستقبل السودان السياسي يكمن في (التوالي السياسي) وهو يعني ان نترك لهذا الشعب ان يختار وان يتوالى حتى تكون هذه الحرية حرية صالحة. والتوالي لا بد ان ينضبط بواسطة القانون الذي سينظم الممارسة السياسية, والحرية حق مكفول لكن لا بد ان تئتم في سياق تنظيم قانوني. مقبرة الحكومات واعتلى المنصة محمد محي الدين الجميعابي, وهو من الاسلاميين الشباب ويتولى منصب محافظ ام درمان وقال: ابدأ مداخلتي بالسؤال التالي: لماذا التوالي السياسي؟ هل لان السودانيين لم يتطوروا ام لأن (الانقاذ) لم تتطور؟ وهو سؤال يستصحب سؤالاً آخر لماذا يطلع الانسان السوداني ويهبط مثل الموج؟ ولأجيب لا بد ان اؤكد على حديث محمد الامين خليفة حول ان مشكلة الجنوب هي السبب المباشر لتقدم او تخلف السودان وهي التي تؤدي الى نهاية اية حكومة. من الذي يضمن الا تنحرف الاحزاب عن الخط الوطني عند اقرار التوالي؟ ان الفرحة بالدستور والحرية يتربص بها بعض القيادات المختفية خارج السودان وهي تمارس العمالة والارتزاق, ونحن مع كل هذا نريدهم ان يعودوا الى ممارسة عملهم السياسي المفتوح. انا الآن محافظ في الحكومة الا ان قناعتي الشخصية ان (الانقاذ) قصرت لانها ان لم تقصر لما لجأت الى التوالي. ان مرحلة التوالي تقتضي ان يتولى الشباب قيادة العمل السياسي ان يتنحى الصادق المهدي والترابي والميرغني والشريف, وان تتاح الفرصة للشباب لقيادة العمل السياسي في المرحلة المقبلة. الكفر أرحم! بدأ عثمان عمر الشريف, وهو وزير في العهد الديمقراطي الاخير وأحد انصار الهندي حديثه بالغمز من قناة محمد الامين خليفة وقال: ان الصدق في العمل السياسي هو من اصعب الاشياء اذ لا يمكن ان اتحدث عن تاريخ الحركة السياسية السودانية من الاستقلال واقول ان كل ما قامت به (صفر على الشمال) وكل تجربتها كانت خاطئة وتجربتي هي الصحيحة, وان السودان لم يعرف الانجاز الا بعد 30 يونيو 1989. واذا اردت ايراد الحقائق لما حدث من 30 يونيو الى اليوم لوجدت ان الكفر كان ارحم مما حدث. وان كانت التجارب الديمقراطية التي لم تتجاوز الواحد منها الـ 4 سنوات لم تنجز فإن (الانقاذ) حكمت عشر سنوات وما زال قادته يرغبون في المزيد, اي العدالة ونحن لا ننشد سواها؟ وهذه الحكومة عندما جاءت نصب قادتها من انفسهم قضاة وقالوا ان من سبقوهم فاشلون وفاسدون وعملاء سفارات, لكنهم هل فتحوا المدارس وصاروا قدوة حسنة للآخرين؟ لكنهم ان يشردونا وادخلونا السجون واصلوا اتهام الآخرين وغمط حقوقهم, لكنهم غارقون في الاخطاء شأن غيرهم, ومن لم يكن مخطئاً فليرمنا بحجر كما قال الشريف الهندي, ونحن ندرك ان الرأي اقوى من السلاح, فان الشعب سيد نفسه, وان كل من ينصب من نفسه قاضياً ومدعياً فهذا يتمنى على الله الأماني. ونحن مع الحكومة لاقرار الديمقراطية وبناء الثقة ولم نأخذ من (الانقاذ) لا مال ولا سلطة ولا جاه وحتى اسفارنا نمولها ذاتياً, والدستور القائم الآن احد ثمار جهودنا. التعقيبات وتلى ذلك فتح باب التعقيبات فبدأ محمد طه محمد احمد بالقول: شخصياً قدمت من اجل الحركة الاسلامية من التضحيات ما لم يقدمه اي عنصر آخر من عناصرها بمن فيه الترابي وعمر البشير ولا داعي للمزايدة, ونحن نسوق لـ (الانقاذ) افكارها لانها اصابها الكساد والبوار ولم لم نأت نحن لما جاء هذا الجمهور, وعلى قادة (الانقاذ) التدرب على احتمال الرأي الآخر. ان الذي دمر الحركة الاسلامية هو الجري وراء المكاسب الدنيوية وكل انجازات (الانقاذ) سيارات (اللاندكروزر) الجائلة في السوق والمخلصون فيها يحاولون اعادة تسويقها من جديد وفق رؤية جديدة, وسبق ان قلت من واقع المسؤولية التي يجب ان تقوم بها الحكومة تجاه معارضيها هو تقديم المزيد من التنازلات لا الضغط. وعندما قيل للصادق المهدي: ان انطلقت رصاصة تجاه (الانقاذ) سنطلق على صدرك عشرة رصاصات الامر الذي اضطره للخروج وهو معذور في ذلك. ان (الانقاذ) لا تقوم على استراتيجيات بدليل ان مؤتمر السلام لم ترد في توصياته (تقرير المصير) ومؤتمر الحوار السياسي رفض الحزبية اساساً, وها هي (الانقاذ) تقر بتقرير المصير وتقر بالتعددية السياسية اذن اين الاستراتيجية؟ اما الحديث عن الطائفية فهو حديث مردود فالحركة الاسلامية نفسها طائفية يقف على قيادتها الترابي منذ عام 1964 ما الفرق بينه وبين الميرغني. ويأتي دور لاماكول في التعقيب فيقول كما قلت ان الديمقراطية يجب ان تعنى بالاقليات لان الاغلبيات تستطيع ان تحمي نفسها, لكن حدث في الندوة العكس من ذلك اذ لم يوجه لي اية سؤال ولم يعلق على حديثي, وفي صراع الافيال تموت الحشائش لكنني اود ان اعلق على منحى الحديث اذ كنا نوقع حواراً ديمقراطياً حول القضايا وقال احد المفكرين ان الناس العظام يتحدثون عن المواقف ولكننا تحدثنا كثيراً عن الاشخاص. وفي تعقيبه يرد محمد الامين خلفة على مداخلة عثمان الشريف فيقول: لم أغمط الآخرين حقوقهم وقلت اننا نكن للذين حققوا الاستقلال كل تقدير, لكنني قلت ايضاً ان الاوليات في برامج تلك الحكومات لم توضع بدقة, ولم اوفر حكومة عسكرية او مدنية, ونحن لنا العديد من الاخطاء. ان نهجنا وطرحنا يتمثل في كيفية حكم السودان وليس في من يحكم السودان. الشريف الهندي: ان الهجوم على الاحزاب السياسية ورموزها يعبر عن تجاهل الحقائق عن عمد ومحاولة طمس صفحة من الصفحات المشرقة في تاريخ السودان, لان الاحزاب حققت اعظم انجازات الشعب: الاستقلال والتحرر من الاستعمار ونشر الوعي بين المواطنين. انني متفائل بممارسة حزبية جديدة تقوم على اسس واضحة تزيل بعض السلبيات التي لازمت التجارب الحزبية السابقة, التي اغتالتها احلام العسكريين الذين لم يكونوا مؤهلين يوماً لادارة شؤون المجتمع المدني ولولا المثقفين العاطلين عن الفعل لما قامت لهم قائمة. الخرطوم ــ محمد الاسباط

تعليقات

تعليقات