هندريكس الخبير الهولندي في الشؤون العربية والشرق اوسطية: الملف السياسي يتميز بالعمق وشمولية التغطية.

أجرى بيرتوس هندريكس الخبير الهولندي في الشؤون العربية والشرق أوسطية دراسة تقيمية لــ (الملف السياسي) من خلال استعراض جملة من الأعداد السابقة التي تناولت موضوعات وقضايا عدة , وخرج بالحصيلة التالية في مقارنة مع ملاحق بعض الصحف الهولندية والأوروبية وفيما يلي نص الدراسة: غالباً ما تؤدي الاجتماعات واللقاءات التي تعقد في جمعية الصحافة في لاهاي الى اكتشافات مفاجئة في عالم الصحافة, وخلال لقاء مع مراسلكم جاء عن طريق الصدفة, اتيحت لي الفرصة للتعرف على الملف السياسي لصحيفة البيان, وبالرغم من انني اطلع من حين الى آخر على هذه الصحيفة, الاّ انها كانت المرة الاولى التي اطلع بها على الملحق السياسي الذي كان بمثابة تجربة جديدة بالنسبة لي. ويمكنني القول الآن انها كانت تجربة تزخر بالفائدة والمتعة. فنحن في الغرب غالبا ما نقرأ ونسمع انتقادات مفادها ان العالم العربي منغلق على ذاته ومفرط الى حدّ كبير بتوجيه اللوم والانتقاد للعالم الخارجي بشكل عام, والدول الغربية بشكل خاص, ويحمله المسؤولية لما آلت اليه الاوضاع في العالم العربي. ويميل البعض الى الاعتقاد بأن هذا التوجه قد حجب عن العرب رؤية آفاق جديدة, ولكن ما اثار دهشتي واعجابي في الملف السياسي كان هو الاهتمام الجاد والموضوعي بالعالم الخارجي, والجهد الصادق لمعرفة ما يدور في العالم. فالملف كما اراه الان ليس انغماسا بالهموم الذاتية والداخلية, ولكنها رحلة استكشافية تدفعها رغبة صادقة لتعريف القارئ بالاحداث العالمية وخلفياتها وخباياها, وكذلك التطورات الهامة وما لها من تأثير على الساحة العالمية ونحن نقف على اعتاب القرن الحادي والعشرين. لقد قادتني رحلتي الاستكشافية هذه من مرحلة (الشك) التي كانت تتنازعني حول الهجرة العربية الى الغرب والتحاليل والدراسات الغربية حول الاصولية الدينية (فبالنسبة للغربي الذي يداوم على قراءة الدراسات حول الاصولية الاسلامية, فان (المسلمين) و(الاصولية) قد اصبحتا كلمتين مترادفتين تقريبا, كان شيئا رائعاً ومشجعاً ان يرى ولو لمرة واحدة ان الغرب اصبح في قفص الاتهام) واذكر على سبيل المثال لا الحصر اهم المحطات في رحلتي عبر الملفات السياسية مثل (النمور الاسيوية) و(عودة الحكومات اليسارية في اوروبا) , كما وردت في بعض المقالات. وقد كان من دواعي سروري ايضا ان اكتشف ان مواضيعاً كانت ولفترة طويلة بمثابة المحرمات مثل أوضاع النساء في العالم العربي, تناقش باستفاضة وتعمق وتتبنى وجهة نظر تؤكد على ضرورة حصول المرأة على حقوقها وتحسين اوضاعها في كافة المجالات. واثار اعجابي ايضا الحوار القائم وتسليط الاضواء على المفاهيم المختلفة بين الديمقراطية الغربية ومبدأ الشورى في الاسلام. وبالرغم مما لدي من تحفظات حول هذا الموضوع, الا اني اؤكد ان الحوار كان ممتعا واضافة جديدة. ونظرا للأهمية البالغة لآسيا وما تلعبه من دور حيوي على الساحة الدولية, فقد كان من الطبيعي ان تعطوا التطورات في الصين والهند وباكستان والازمة الاقتصادية في اندونيسيا وماليزيا والتطورات في ايران المجاورة ما تستحقه من اهتمام. اما مستوى الحرية في التعبير والذي لمسته لدى العديد من كتاب المقالات فقد جاء بمثابة مفاجئة بالنسبة لي (لازلت اتذكر, وحتى عهد قريب, ان قراءة صحيفة عربية كانت الطريقة الانجح للنوم اذا كنت تعاني من الأرق) ان مثل هذا التطور ليس ضروريا وحسب ولكنه جدير بالثناء ايضا. وخلاصة القول انه فيما يتعلق بالعمق وشمولية التغطية, اعتقد ان الملف السياسي يضاهي الملفات والملحقات المألوفة لنا كما نراها في الصحف الاوروبية, كما ان هذا التوجه المتزايد لاقامة حوار مستقل وحرّ يدعو الى التفاؤل ويستحق التشجيع والثناء. ومن أجل تطوير الملف وجعله اكثر جذبا للقارئ واكثر تواصلا مع اهتماماته, اسمحوا لي ان اتقدم ببعض الاقتراحات: الاستخدام الافضل للمصادر المتنوعة: يمكن الاستفادة بشكل افضل من المصادر المتخصصة ووجهات النظر المتباينة بواسطة استكتاب متخصصين من مناطق مختلفة في العالم بالاضافة الى المصادر المحلية. ودعوني اعطي مثالا من هولندا. فاذا كان موضوع الملف عن اندونيسيا, من المفيد ان نعرف انه بسبب تاريخ هولندا الاستعماري, فان هناك كماً هائلاً من المعلومات والخبرات الفريدة عن اندونيسيا ليس من السهل الحصول عليها في اي مكان اخر في العالم, ولذلك يمكن ان تطلبوا من مراسلكم في هولندا ان يقوم بمزيد من البحث حول خلفية التطورات في ذلك البلد وان تطلبوا من مراسلكم في القاهرة على سبيل المثال ان يتعمق بالبحث عن الدور التعليمي الذي لعبه الازهر في نشر الاسلام في اندونيسيا بدلا من اعطاء المراسلين في كلا البلدين تعليمات وارشادات عامة لا تزيد عن كلمة (اندونيسيا) . ان من شأن هذا ان يؤدي الى تنوع يثري الموضوع, والاستفادة القصوى من قدرات وخبرات المعنيين بموضوع البحث. برنامج الملف: لا تستطيع الصحف ان تتجاهل تناول وتغطية الاحداث اليومية لانها المادة الاساسية للعمل الصحفي. ولكن الملف السياسي, من الناحية الاخرى يصدر مرة في الاسبوع مما يسمح بالتروي والتأني لتناول مواضيع لها علاقة بالمجريات الخفية وراء الاخبار والاحداث والتطورات. بمعنى آخر, نحن لسنا بحاجة للتقيد بما تبثه وكالات الانباء على مدار الساعة. هذه ليست دعوة لتجاهلها, ولكنها دعوة (لصنع) الخبر وليس اللهاث ورائه. ويمكن للملف ان يعتمد على البحث الموضوعي والمنهجي لاستشراق التطورات التي يمكن ان تكون خبر المستقبل. فكوريا الجنوبية, على سبيل المثال, احد اهم مواضيع القصص الخبرية بسبب الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تعانيها والجميع تقريبا يكتب عنها. ولكن موضوع الوحدة الكورية لا يقل اهمية. فهل ستتوحد الكوريتين كما توحدت المانيا, ام ان هناك مسارا اخر للتخلص من اخر معاقل الشيوعية في اسيا والذي لايزال يعتبر مصدرا هاماً لتقنيات الصواريخ؟ اقتراحي التالي هو: لماذا لا تدعون اولئك الذين يكتبون ويساهمون في الملف بوضع قائمة سنوية بالمواضيع التي يعتبرونها في غاية الاهمية ولابد من تناولها في اعداد الملف السياسي للعام المقبل. كما يمكن كذلك طرح هذا السؤال على القراء مباشرة من خلال الانترنت او من خلال صفحة خاصة في صحيفة البيان. كقارئ ومحلل اجنبي (لايزال يسعى جاهدا لتملك ناصية لغتكم العربية الجميلة) اخصكم على تشجيع المساهمين من كتاب على استخدام لغة عربية مبسطة ومباشرة وان يبتعدوا عن الكتابة بأسلوب صعب واستخدام التعابير والمصطلحات الغامضة والمعقدة. فلا يخفى عليكم ان من يريد الاطلاع على النصوص الادبية والشعرية يمكن ان يرجع الى المجلات والدوريات المتخصصة في هذا المجال. مقارنة واذا ما قارنا بين الملف السياسي وملاحق الصحف الهولندية سنكتشف فورا ان هذه الملاحق تلجأ الى الاساليب ووسائل مختلفة. ولمزيد من الايضاح, نأخذ مثالاً على ذلك صحيفة ان آر سي هاندلز بلاد المسائية الهولندية التي تعتبر لسان حال النخبة السياسية والمثقفة وتحسب على التيار المحافظ المعتدل. يمكن شرح بنية ملحقها الاسبوعي الذي يصدر كل سبت كالتالي: أولا هناك دائما عدة مواضيع لتغطيتها اسبوعيا مثل الاعلام العلمي والاجندة الثقافية والمقالات السياسية وقضايا المرأة والمنافسات الرياضية. ولا تتركز هذه المواضيع حول قضية واحدة فقط, بل تعالج الشؤون الراهنة مثل آخر الاكتشافات العلمية او الاحداث الثقافية او احدث الازياء او الكتب والتسجيلات التي حازت على اهتمام القراء بشكل خاص. اي ان الملحق بشكل من الأشكال ما هو الا امتداد للشكل اليومي للصحيفة ومجالات اهتماماتها, لكن بشكل اوسع وبمعالجة مكثفة خصوصا وان لدى القارئ في يوم العطلة الاسبوعية مزيدا من الوقت ليقرأ مقالات مطولة. من ناحية اخرى تظل المواضيع الثقافية والسياسية للملاحق الاسبوعية واساليب عرضها انعكاسا طبيعيا للصحف التي تصدرها. وعلى سبيل المثال, اذا ما نزعت اسم ان آرسي عن الملحق فسيبقى من السهل التعرف عليه. ومما يزيد في تعزيز هذه الهوية المحددة والدقيقة هو ان اصحاب المساهمات هم اما من محرري الصحيفة او من مجموعة محدودة من الكتاب المعتادين فيها. اما الملاحق المخصصة لفكرة مركزية واحدة فقط فتظهر بين الحين والحين ولكن في مناسبات خاصة جدا مثل الذكرى السنوية لمشروع مارشال او مرور 50 عاما على قيام دولة اسرائيل. لكن ذلك يظل الاستثناء وليس القاعدة. وتتبع الصحف الهولندية الاخرى النهج ذاته مثل صحيفة فولكسكرانت الصباحية وهي أهم الصحف الليبرالية في البلاد والتي يمكن مقارنتها بصحيفة ان آر سي من عدة نواحي, باستثناء وحيد هو انها تتوجه نحو الطبقة السياسية والثقافية الأكثر ليبرالية, على كل حال فمن غير الصحيح تضخيم هذه الفوارق السياسية لانها فوارق نسبية اكثر منها جوهرية وهي اشبه بالتمايز بين درجات الظل من التمايز بين الألوان. كما أن فولكسكرانت تحاول الوصول لقطاع اوسع من القراء نوعا ما على خلاف ان آرسي المهتمة بالنخبة والأعمدة في ملحقها أكثر انفتاحاً امام المساهمين من خارج اسرة تحريرها, ولذلك فهي تقدم تنوعا تحريرياً اكثر غنى. وبغض النظر عن هذه الفوارق يبقى الملحقان متشابهان جداً في بنيتيهما. وتتبنى هذه البنية التي اوضحناها فيما تقدم الصحيفتين الأكثر شعبية في البلاد ايضا وهما تيلجراف ألجمين داجبلاد واللتان توزعان اعدادا اكبر من الصحيفتين سالفتي الذكر. لكن اذا ما كانت البنية متشابهة فان الاسلوب مختلف جدا. اذ تتطرق المقالات فيها للمواضيع المثيرة وبتركيز اقل على القضايا العلمية والثقافية الرفيعة, كما تلتفت اكثر للاهتمامات العامة مثل حياة مشاهير السينما والتلفزيون وأبطال الرياضة والقصص البوليسية المثيرة دون وجود فكرة مركزية وحيدة الا في حالات خاصة جدا واكثر ندرة من السابقتين. اي ان خلاصة كل ما تقدم هو ان الخلاف الاساسي بين الملف السياسي والملاحق الهولندية التي ذكرتها يكمن في نهج التركيز على قضية معينة الذي يتبعه هذا الملف. ويتيح نهج التركيز هذا فرصة اكبر لنظرة متعددة الزوايا وتنوعا اغنى من المساهمين ليعرضوا منظورهم وخبراتهم حول هذه القضية. كما يمكن هذا النهج القارئ ايضا ان يتعمق اكثر فيما يقرأ ليصبح اكثر خبرة ومعرفة حول موضوع الاسبوع. لكن للتركيز على فكرة واحدة مساوئه ايضا, اذ من الممكن ان يكون القارئ من غير المهتمين بموضوع هذا الاسبوع مثلا ولذلك يجب التغلب على عقبة جذب اهتمامه. بينما يجد المرء في الملاحق المتنوعة ما يجذب اهتمامه دائما. والمشكلة الاخرى هو تقديم ملحق ذي مستوى رفيع اسبوعيا حول نقطة واحدة يضم تنوعا كافيا في وجهات النظر وهو ما يتطلب اداءً تحريرياً عالياً باستمرار ومجالاً واسعاً من الخبراء المؤهلين للحفاظ على مستوى للنتاج غير متذبذب. ولذلك فليس من المصادفة ان العديد من الصحف قد توصلت لصيغة وسط بين الملاحق ذات الموضوع الواحد والمتعددة المواضيع. دعوني أؤكد لكم في نهاية المطاف أن قراءة الملف السياسي كان تجربة مثيرة ومثمرة, ورحلة استكشاف رائعة. ولكن لايزال هناك المزيد لاستكشافه, ولذا اتمنى منكم ان تحرصوا دائما على خوض غمار تجارب رائدة والكشف عن آفاق جديدة. اتمنى لكم المزيد من النجاح والتقدم لما فيه مصلحة القارئ الذي يعتبر رضاه افضل مكافأة للصحفي. وبالرغم من اننا بحاجة للراتب الذي نتقاضاه, الا اننا اولا وقبل كل شيء بحاجة لمن يقرأ ما نكتب.

تعليقات

تعليقات