ربع قرن من الزمان هل يكفي لإنهاء المعضل العراقي؟! بقلم- د. محمد وقيع الله

برضوخ العراق مجددا للضغوط الامريكية, انتهت حلقة اخرى من حلقات السجال الذي سيكون طويلا جدا ما بين الطرفين. ولا تبدو في الأفق ثمة اشارة تعطي بصيصاً للتفاؤل بإنهاء هذا السجال , ولا يوجد ادنى تبرير يتعلل به المتفائلون الذين يهونون من شأن الأمر, ويتنبأون بنهاية قريبة له, فقط لانه طال, او لأن الشعب العراقي في معاناته المتفاقمة غدا لا يحتمل الأمر. كل عام او نحوه تتكرر نفس التفاصيل: امتناع العراق عن التعاون مع المفتشين الدوليين.. تواصل البناء العسكري الامريكي في المنطقة استعدادا لقصف العراق.. تهديد امريكي متواصل.. دبلوماسية نشطة لفض النزاع.. ثم تراجع عراقي بغير إحراز هدف ملموس, غير ازعاج الادارة الامريكية, وتنبيه العالم لمأساة المواطنين العراقيين.. هذا هو كل ما يستطيع صدام حسين ان يفعله إزاء امريكا.. أما ما تستطيع امريكا ان تفعله إزاءه فهو ان تزجّ به مجددا في المربع الذي حاول ان يغادره. وهذه هي سمات العلاقة الشائكة ما بين الطرفين. صدام... وتصرفات غير عقلانية امريكا تريد لصدام حسين ان يبقى في حكم العراق, ولكن ان يبقى معزولاً من القوة الخطرة المهولة التي يزمع تشييدها لنظامه ولبلاده, ولم يكن ثمة بأس في السابق من السماح للعراق ببناء تلك القوة, بل باستخدامها كما استخدموها ضد ايران, وضد الاكراد, ولكن استخدامه لها الان او في المستقبل لا يتماشى مع أهداف الاستراتيجية الامريكية. وشخص مثل صدام لا يمكن كبحه او تقييده تماما, بل لا يمكن فهم سلوكه ولا التنبؤ به, فتصرفاته وتحركاته تبدو غير عقلانية تماما. وهكذا تبدو امام امريكا ثلاثة خيارات غير مريحة وغير مضمونة اولها خيار الابقاء على صدام حسين وملاحقته بشكل دائم بفرق التفتيش (الدولية) , لئلا يتمكن من إكمال انجاز قوة الاسلحة الصاروخية والكيميائية والبيولوجية والنووية. والخيار الثاني هو اقناع صدام حسين بالتخلي عن برامجه التسليحية, وذلك عندما ييأس بمرور الزمن من جدوى الاستمرار في ذلك المشروع وسط الملاحقة (الدولية) . والخيار الثالث هو خيار الاطاحة بصدام حسين والإتيان بنظام جديد في بغداد, يلبي مطالب امريكا واسرائيل بتجريد العراق من اي قدرات تسليحية فوق العادة. مناورات ومماطلة واذا كان الخياران الاولان ينطويان على مناورة ومماطلة متطاولة, الا ان الخيار الثالث ينطوى على مخاطرة كبرى, ولن تلجأ امريكا بالتالي الى استخدامه الا عند يأسها تماما من استثمار الخيارين الأولين. ولم يكن بوش في 1991 يقصد فعلا الاطاحة بصدام حسين, لا عن طريق جيشه الذي كان على عتبة التوجه لاسقاط بغداد, ولا عن طريق ميليشيات الشيعة والأكراد التي شجعها على انجاز تلك المهمة ثم تخلى عنها وتركها لنقمة صدام حسين. نالت تلك الميليشيات يومها ضربات صاعقة من قوات صدام اوهنت قوتها كثيرا وهبطت بمعنوياتها الى الحضيض وأشاعت في صفوفها مزيداً من الخلافات والانقسامات, وكل يوم يمضي يسبب ضعفا وتمزقا جديدا في جسم المعارضة العراقية التي يراد لها ان تسقط صدام حسين وتتولى حكم العراق, واذا كانت مادلين أولبرايت قد صرحت علنا في الاسبوع الماضي بان امريكا تخطط فعلا لاسقاط صدام حسين والاتيان بحكومة تخلفه لتتولى معها اغلاق موضوع العراق, فقد كان ذلك شيئا من حديث النفس والأماني التي تحاول اولبرايت ان تدثّر بها مشاعر الاحباط التي تتملكها, وهي كثيرا ما تطلق التهديدات الجوفاء, لتخفي بها نقاط الضعف في السياسة الخارجية الأمريكية. لم يصدق أحد مادلين في دعواها تلك واخيرا جاء كلينتون بنفسه ليكشف عدم مصداقيتها, عندما صرح بأن المعارضة العراقية هي أوهى من ان تسقط صدام حسين أو تسهم في حل المعضل العراقي. ذكر ذلك رغم ان الكونجرس اصدر (قانون تحرير العراق) وسمح لكلينتون ـ ولم يلزمه ـ بانفاق مبلغ 97 مليون دولار في شكل اسلحة ومعدات اخرى لتقوية جانب المعارضة العراقية. وقد ذكر كلينتون ذلك لانه يعرف ان في الغالب ان تقوم جماعات المعارضة بتوجيه تلك الاسلحة الى نحور بعضها البعض فتسهم في اضعاف وضعها اكثر واكثر. وقد انتقد الكثيرون من مسؤولي وزارة الدفاع الامريكية, وبعض مسؤولي البيت الأبيض, قيام كلينتون بالتوقيع على قانون تحرير العراق وحذروا من تنفيذه, وتجرأ الجنرال انتوني زيني ليصرح علنا بنقده لذلك القانون, ووصفه بأنه غير حكيم وان واضعيه لم يفكروا في أمره بعمق, وذكر ان تنفيذه قد يخلق واقعا عراقيا اخطر من الواقع الحالي, ولعله كان يشير من طرف خفي الى خطورة تسليح امريكا للشيعة العراق, فخطوة مثل هذه قد تثمر على المدى البعيد تغييرا شاملا لتوازن القوى في المنطقة, وقد تواترت بعض الاخبار اخيرا عن وجود نوع من الاتصال الذي قد يعقبه نوع من التنسيق, بين المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق, والبيت الأبيض. والخطر الذي يشير اليه هؤلاء الحذرون من تسليح الشيعة يشير اليه ايضا الحذرون من تسليح الأكراد حيث ان انفصالهم عن العراق سيؤدي ايضا الى اختلال اخر في ميزان القوى بالمنطقة ويثير مخاوف دول عدة ولذلك فقد تفضل الادارة الامريكية اسلوب الانقلابات العسكرية, ومنذ عام 1991 قامت ثماني محاولات انقلاب ضد صدام حسين, اي بمعدل انقلاب كل عام تقريبا, وفشلت كلها مخلّفة وراءها مذابح انتقامية هائلة بواسطة حكومة صدام. اجهضت كل تلك المحاولات اما بسبب عدم اتقان عمليات الاعداد, او بسبب اختراق الاجهزة الامنية العراقية لبعض اطرافها, واحيانا قامت بعض الاطراف المساهمة فيها بإفشاء سرها عندما ادركت ان عملية (تكويش) معينة تجرى من وراء ستار لقطف كل ثمارها مع اقصاء الاطراف الاخرى, وابرز مثال لذلك ما حدث للمحاولة الانقلابية التي جرت في سبتمبر 1996, وهي من اكبر المحاولات, وقد وضعت الــ CIA لمساتها الأخيرة, ولكن قام مسعود البرزاني الذي كان على اشتراك طفيف فيها, بكشف امرها لصدام حسين فقضى عليها في المهد. ولا تتسبب انشقاقات المعارضة العراقية وحدها في افشاء اسرار المحاولات الانقلابية. فالامريكان ايضا لهم دورهم في ذلك. ففي فبراير الماضي مثلا كشفت صحيفة (نيويورك تايمز) عن ان الــ CIA تشرف على محاولة انقلابية ضخمة ضد صدام حسين تبدأ بعمليات تخريبية كثيفة ضد البنية التحتية العراقية, ومحطات الكهرباء, والارسال الاذاعي.. الخ وتنتهي بالاستيلاء على بغداد. وقد كشف محاولة الــ CIA للصحيفة, احد المسؤولين الامريكيين, ممن كلفوا بالمهمة, ولم يكن راضيا عنها كما ذكرت نيويورك تايمز.. ولم يكن ذلك المسؤول راضيا عن انجاز المخاطرة, لانها بظنه ستؤدي الى تعقيد اوضاع العراق, بصورة اكبر وبحيث لا تستطيع امريكا فهمها بعد ذلك, فضلا عن ان تتعامل معها! وكما ذكر جون شاليكاسفيلي رئيس الاركان الامريكي السابق, فان مهمة انجاز الانقلاب العسكري ضد اي دكتاتور هي مهمة صعبة وشائكة بطبيعتها, واصعب بكثير من مجرد احاديث التمني ومحاولات التخطيط, والتشجيع, والتمويل, وفي حالة دكتاتور العراق فان الانقلاب عليه اصعب بكثير من الانقلاب على غيره من الطغاة. وشاليكاسفيلي يقصد بهذه الملاحظات بالتأكيد رجالات الكونجرس الذين يحاولون تبسيط المشكل العراقي, وانهاءه عن طريق الاطاحة بصدام حسين, فقد طفقوا يتحدثون بتلك اللهجة طوال العام الماضي, ويجتمعون بقادة الــ CIA لوضع خطط انجاز الانقلاب, واخيرا توجوا محاولاتهم باصدار ما سمي بقانون تحرير العراق, الذي بدا لهم وكأنه الامل الوحيد لانهاء المعضلة, وبعضهم صرح في يأس بان الوضع الحاضر لا يحتمل على الاطلاق, فهو مزعج غاية الازعاج لامريكا, وللمجتمع الدولي, ولذلك فلابد من اصدار الامر للجيش الامريكي نفسه لكي يجتاح بغداد, وليحدث بعد ذلك ما يحدث, ولتعد امريكا نفسها لأسوأ الاحتمالات. أحد أسوأ الاحتمالات يتمثل في قدوم حكومة عراقية اخرى معادية لامريكا, او موالية لها في البدء, ثم ما تلبث ان تتلبسها مواقف العداء لامريكا تحت ضغط الاستفزاز والمزايدات الداخلية. وقد جربت امريكا صناعة كثير من الانقلابات الخارجية, التي ما لبثت ان اثمرت ثماراً عكسية, وأتت بأصلب الحكومات في عدائها لامريكا.. اما أسوأ الاحتمالات لامريكا فهو احتمال تفكيك العراق, واشتعال الحرب الأهلية فيه بشكل مستعر, وهنا لن تتمكن امريكا من انجاز اي مهمة فيه, وربما تمكنت حينها ايران من بسط سيطرتها على جزء من العراق, وربما تكونت به نواة لدولة كردية, وربما ظفرت بعض الجماعات المتحاربة بأسرار الصناعة التسليحية الكيميائية والبيولوجية والنووية وصدرتها لدول او جماعات اخرى, او استمرت في تطويرها واستثمارها سراً في معاقلها السرية الحصينة. هكذا يبدو الوضع عصيبا جدا امام امريكا, ولذلك سارع كلينتون بإيقاف مفعول قراره بقصف العراق فور علمه برسالة صدام الى عنان.. وتنفيذ قرار القصف كان سيزيد من تعقيد الوضع العراقي, ويضاعف من تمرد العراق على جماعات وفرق التفتيش بل ربما قام العراق على أثره باعادة ترتيب وضعه او خلطه بشكل يستعصي فهمه على فرق التفتيش في حالة عودتها للعمل, مع وضع سابقة خطيرة تقول بأن اي تمرد عراقي على تلك الفرق ثمنه التنفيذ الفوري للتهديد واعادة قصف العراق وهو وضع لن يكون مقبولاً للمجتمع الدولي بالتأكيد. والى متى سيتوالى موضوع قصف العراق؟ فذلك أمر آخر غير محسوم. فالقصف هنا ليس موجهاً ضد هدف بعينه, وانما هو لمجرد ايقاع الضرر بالعراق ومفاقمة اوضاعه المعيشية والصحية المتردية, بهدف الضغط على القيادة العراقية المناورة. وتختلف الحالة هنا اختلافا كبيرا مع حالة او ازمة الصواريخ الكوبية التاريخية (في عام 1962) وهي الحالة التي حاول كثير من المحللين السياسيين العالميين ان يحيوها الآن لأجل المقارنة مع الحالة العراقية, فقد كان على كيندى حينها ان يقصف هدفا منصوبا واضحا يتمثل في الصواريخ السوفييتية التي ركزت على أقل من مائة ميل من ولاية فلوريدا الامريكية, اما في موضوع العراق فلا تدري امريكا ولا تدري لجان التفتيش موضع الاسلحة او الاسرار المطلوبة حتى تقضي عليها او تنتزعها من العراق. والجهل بموضع تركيز الأسلحة العراقية وكمياتها ونوعياتها سبب آخر سيؤدي الى اطالة امد التفتيش. وكلما عثرت لجان التفتيش على سر جديد ظنت انها عثرت على طرف الخيط فقط, فأصبحت مسكونة بعديد من الهواجس والوساوس, ورئيسها رتشارد باتلر اصبح يعبر في احاديثه العامة عن تلك الوساوس والهواجس ويتحدث وكأنه سياسي امريكي, لا كموظف يفترض انه محايد, من موظفي الامم المتحدة. وقد تحدثت في يوم الاربعاء الماضي في مؤتمر لجنة الشؤون الدولية بمدينة فلادلفيا, قائلا ان التفتيش في العراق لن يكون له حد, لان العراق يستخدم ادوات لا تخطر بالبال في صنع الأسلحة الكيميائية والجرثومية, فالمعدات العادية التي تستخدم لصنع (البنسلين) في النهار يستخدمونها لصنع الاسلحة الكيميائية والجرثومية في المساء, ولذلك فان لجان التفتيش ستبقى لتراقب كل شيء في العراق, كما ستقوم باستجواب كل علماء العراق فردا فردا لمعرفة مشاركتهم في الموضوع وسربت لجان التفتيش سرا اخر يقول بانها بصدد ان تطارد عددا كبيرا من الشركات العالمية وتتحرى في أمرها, لانها متهمة بأنها تنتج في مصانعها أسلحة كيميائية وجرثومية للعراق, كما هددت بأنها قد تمد نطاق تفتيشاتها لتشمل دولا اخرى كالسودان وليبيا واليمن والأردن بدعوى وجود احتمال كبير لتصنيع العراق لاسلحته فيها لصالح العراق. وهكذا يبدو أن موضوع لجان التفتيش لايزال في أطواره الاولى, رغم الثماني سنوات التي انقضت عليه, واذا كان الشأن كذلك, فربع قرن من الزمان, ربما كان فترة قصيرة لانجاز باقي المهام.. استاذ العلاقات الدولية ــ المسيسبي*

تعليقات

تعليقات