قضية عربية: المشكلة الكردية ميراث الماضي وسيناريوهات المستقبل

قفزت القضية الكردية إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد تهميش دام أعواما, وانتزعت لنفسها صدارة الأجندات السياسية والإعلامية الاقليمية والدولية, وكاد الخلاف حول الموقف من أكراد تركيا يشعل حربا بين سوريا وتركيا , إلا انه أشعل بالفعل حربا كلامية وصراعا دبلوماسيا بين تركيا وايطاليا التي ألغت اعتقال عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني ولوحت بامكانية منحه اللجوء السياسي فيما تطالب أنقرة برأسه كـ (ارهابي) مسؤول عن مقتل أكثر من 19 ألفا خلال معارك بين الأكراد والجيش التركي. وتختزل القضية الكردية تاريخ منطقتنا ووطننا العربي مع الغزوات الاستعمارية الأوروبية التي خلفت وراءها قنابل موقوتة وألغاما تنفجر بوجه كل طامح لتحقيق وحدة واستقرار وطننا, فاصطنعت حدودا وتقسيمات, والقت بذرة الأقليات العرقية, لتنمو شجرة التفتيت, وتصبح الوحدة مطلبا مستحيلا دونه الأهوال. وعلى اتساع رقعة (الأكراد) جغرافيا من جنوب الاتحاد السوفييتي وشمال ايران وحتى شمال شرق تركيا مرورا بالشمال العراقي, لم تتسارع المخططات الغربية والأمريكية لاستخدام الورقة الكردية, إلا في العراق بهدف تفتيته وتقطيع أوصاله. اللافت للانتباه ان الأكراد لم يحظوا طيلة تاريخهم بحقوقهم إلا في المحيط العربي, وبرز منهم قادة سياسيون وثقافيون أبرزهم البطل صلاح الدين الأيوبي قائد معركة حطين لتحرير القدس من قبضة الغزوة الصليبية, والشاعر الكبير أحمد شوقي وعملاق الأدب عباس محمود العقاد. وعلى النقيض لم يواجه أكراد تركيا إلا بالقمع والتجاهل منذ قيام الجمهورية العلمانية بزعامة كمال الدين أتاتورك, الذي لم يعترف بوجودهم واكتفى بوصفهم بـ (أتراك الجبل) . والشاهد ان تعامل الغرب مع القضية الكردية مشحون بالمغالطات والمعايير المزدوجة, ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية قصفت الطائرات البريطانية أول معقل سياسي للأكراد في السليمانية, وفي الأعوام الأخيرة وقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون إلى جوار تركيا أبان اجتياحها وغزوها لشمال العراق لمطاردة فلول عناصر حزب العمال الكردستاني, فيما تدفع أكراد العراق لاقامة دولة مقتطعة من الجسد العراقي. (البيان) تناقش تفاصيل القضية الكردية بكل تناقضاتها وأبعادها وتتلمس آفاقها وسيناريوهاتها المستقبلية وتزيل عنها بالمعلومات الكثير من الأوهام الرائجة. الاكراد من هم وماذا يريدون؟ الاكراد ضحايا الموقع الجغرافي وسوء الحسابات السياسية انفجرت مشكلة الاكراد في العراق في القرن العشرين وحده عشر مرات واستنزفت المشكلة من الشعب العراقي عربا واكرادا حوالي المليون نسمة وحوالي 50 مليار دولار.. وماحدث في العراق حدث مثيل له ان لم يكن في التفاصيل ففي الخطوط العامة في كل من تركيا وايران.. والآن تنفجر مشكلة الاكراد في العراق حيث اعلن في واشنطن عن اعتماد الكونجرس 100 مليون دولار لتوفير مساعدة عسكرية للاطاحة بنظام صدام حسين في بغداد كما اجتمع مسؤول امريكي هو مارتن انديك مع احمد الحلبي منسق جماعات المعارضة العراقية من اجل التخطيط للاطاحة بصدام حسين, وفي لندن تنظم الحكومة البريطانية مؤتمرا موسعا للمعارضة العراقية بهدف توحيد صفوفها للاطاحة بصدام حسين, وتقول لندن, العمل سيكون صعبا ولكن الظروف تغيرت داخل العراق, والظروف في العراق هي بالطبع ظروف اضعاف النظام العراقي والشعب العراقي الذي يموت منه مايزيد على سبعة الاف طفل شهريا دون الخمس سنوات وفوق الخمس سنوات, اما في تركيا فالامر يختلف فقد حشدت تركيا قواتها مؤخرا على حدودها مع سوريا, بسبب وجود زعيم حزب العمال الكردستاني فيها.. ودقت طبول الحرب, وانتهت بفضل وساطة مصر.. وظهر اوجلان في روما وتوترت الاجواء بين انقرة وروما التي ترفض تسليم الزعيم الكردي لانقرة, وانقرة تهدد روما بانها ستتحمل اوخم العواقب اذا رفضت التسليم, وروما تعلن انها لن تسلم اوجلان لدولة تنفذ حكم الاعدام بحق معارضيها.. وانها لاتستطيع مواجهة الجموع الكردية الغاضبة المحتشدة في شوارعها رفضا لتسليم زعيمهم والتي وصلت غضبتها الى ان يحرق الكردي نفسه احتجاجا على محاكمة او تسليم زعيمه, اما في ايران وسوريا فالمشكلة اهدأ كثيرا... ولنبدأ قصة الاكراد من اولها: من هم الاكراد؟ الاكراد هم احد المجموعات البشرية التي تنحدر عرقيا ولغويا من اصول (آرية ــ هندو ـ اوروبية) ويستوطنون مرتفعات اسيا الغربية المحصورة بين ايران والعراق وسوريا وتركيا وجنوب ارمينيا (الاتحاد السوفييتي) وتعرف باسم (كردستان) اي وطن الاكراد, ويحد هذه المنطقة شرقا وشمالا جبال (أرارات) وجنوبا جبال (زاجورس) وغربا هضبة الاناضول ويعود تاريخ الاكراد المسجل الى حوالي 3 الاف سنة ماضية, عاش الاكراد ومازالوا في تنظيمات قبلية عشائرية, تعتمد في تضامنها على رابطة الدم والقرابة والولاء الفردي المطلق لهذا الكيان الجمعي العشائري, ولان بلادهم وعرة ولان تنظيمهم الاجتماعي يرتكز على العشائرية والقبلية, وتنظيمهم الاقتصادي يعتمد على الرعي والزراعة المطرية فقد عاشوا في شبه اكتفاء ذاتي عن الخارج وعرف عنهم الاباء والشجاعة ورباطة الجأش وانجب الاكراد لامتنا الاسلامية صلاح الدين الايوبي محرر القدس وبطل الحروب الصليبية, وامير الشعراء احمد شوقي, وكاتبنا العظيم محمود عباس العقاد ولكنه شعب تهزمه الجغرافيا السياسية وتهزمه القبلية والاستبداد والاستعمار, فكانت حياته سلسلة من التراجيديا المأسويا لاتنتهي. عدد الاكراد اختلف تقدير عدد الاكراد من مصدر الى اخر.. واثارت هذه المسألة الكثير من الجدل فالاكراد يبالغون فيه والحكومات تقلل منه, فالاكراد منهم من يقول مثل عدنان المفتي مسؤول العلاقات العربية في قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني ان عددهم لايقل عن 40 مليون نسمة, وانهم يشكلون القومية الثانية في العراق, ويمثلون 23% من سكانه تقدر دراسة لديفيد ماكدويل انتجتها جماعة حقوق الاقليات الدولية في لندن عدد الاكراد بـ 26 مليون كردي موزعين بين تركيا حيث العدد الاكبر والعراق وايران وسوريا والاتحاد والسوفييتي سابقا ورغم ان المنطقة الجبلية الشديدة الوعورة التي يعيش فيها الاكراد لاتحتوي فقط على الاكراد الا انهم الاغلبية الساحقة منذ بدايات القرن الثالث عشر تم اطلاق اسم (كردستان) على اغلب هذه المنطقة واستخدم المصطلح (كردستان) اي ارض الاكراد بصورة شائعة في القرن السادس عشر بعد ان بدأ الاكراد هجرات قبائلية الى هضبة الاناضول ويشير الى اسم كردستان الى اكثر كونه مصطلح جغرافي ــ الى ثقافة انسانية ومفهوما اجتماعيا وسياسيا. ومثلما كانت الجغرافيا دائما عائقا امام قيام كردستان موحدة ولكنها كانت ايضا عائقا امام كل من اراد ان يحتل هذه المنطقة, وظل الاكراد يتطلعون دائما الى كيان سياسي يضم هذه المنطقة الموزعة بين 5 دول وتعرض الاكراد منذ نهاية الحرب العالمية الاولى لعمليات قمع عنيفة واجهاض لمحاولات اقامة الكيان في المستقبل سواء من بريطانيا او من مصطفى كمال اتاتورك ونظام حكم البعث في العراق. ديانة الاكراد تنافست الديانات المسيحية واليهودية والزرادشتيه وعبادة الشمس والشجر في منطقة كردستان, واعتنق الاكراد الاسلام بعد الغزوات العربية في القرن السابع الميلادي وينتمي اغلب الاكراد للمذهب الشافعي, وفي الشمال الغربي من الاناضول يعتنق عدة ملايين منهم المذهب الشيعي وتعتنق قبائل الجنوب الشرقي واقصى الجنوب في الاناضول مذهب الاثنى عشر الشيعي, ويتفرع عن ديانة الاكراد الاسلامية ديانتان يعتبرهما البعض انحرافا اسلاميا وهما (اهل الحق) و (اليزيديه) ويلتصق الاكراد المسلمون التصاقا شديدا بالجماعات الصوفية خاصة القادرية والنقشبنديه وعموما لاتلعب الاعتقادات الدينية دورا في التمييز بين الاكراد ولعب الزعماء المحليين لجماعات التصوف في مجتمع الاكراد القبلي دورا ناجحا في السيطرة على الاكراد في انحاء كردستان وانحدر منهم كل الزعماء السياسيين للاكراد من امثال محمود البرزنجي ومصطفى البرزاني وجلال الطالباني. القبلية عند الاكراد كانت القبلية دائما هي مقتل الاكراد, فالاحزاب السياسية الكردية ليست سوى تعبير عن قبائل او تحالفات وتجمعات عشائرية قبلية, وكانت القبلية دائما هي احد الاسباب الهامة في الحيلولة دون قيام كيان سياسي او دولة للاكراد.. والصراع القبلي بين الاكراد سهل دائما على دول الاستعمار ودول الجوار استغلال الاكراد لتحقيق مآربهم ومن المفارقات المأساوية ان الاكراد يجتمعون ويتحدون ويقاتلون ضد اي غزو من خارج كردستان ولكن اذا تهيأت لهم الفرصة كما سنحت ايام صلاح الدين الايوبي ـ الذي لم تكن هناك قوة تقف امامه ــ وكما سنحت حديثا في اعقاب حرب الخليج الثانية (1991) لاقامة دولتهم فهم لايستفيدون منها, لان القبلية تفتت في النسيج الكردي دائما, لما تتسم به من عدم التجانس وقوة قيم القبلية والتعقيد الشديد في التفاصيل سواء ما يتعلق بالنسب او القرابة وشدة التغير في الولاءات حفاظا على المصالح السياسية الامر الذي سهل على دول الجوار ودول الاستعمار استثمار الورقة الكردية حتى ان الاكراد لايقلون انتهازية عن اعدائهم رغم وجود كل الصفات الديمقراطية والوطنية في تسميات احزابهم كما يصفهم في مقدمة لدراسة عن الاكراد د. سعد الدين ابراهيم استاذ الاجتماع بالجامعة الامريكية. لغة الاكراد لم يطور الاكراد لغة واحدة ذات منهج منظم للقراءة والكتابة فمازالت اللغة الكردية مقسمة الى مجموعة من اللهجات ولايستطيع الاكراد الاتصال بسهولة وحرية مع الاكراد الاخرين بلغتهم الام, وتمكن بعضهم من التحدث باكثر من لهجة بسبب استخدام الراديو والمطبوعات وتأثير التعليم الواحد, وتوجد لهجتان اساسيتان ومع وجود عدد من اللهجات الثانوية, واللهجتان هما اللهجة الكرمانجيه, ويتحدث بها الاكراد في الشمال من الموصل وحتى الاتحاد السوفييتي السابق, وتأخذ شكلين للكتابة, الاول منها يستخدم الحروف الروسية, والثاني يستخدم حروف الهوار, وهي حروف لاتينية تركية, واللهجة الاخرى هي السورانية والتي يستخدمها مجموعة كبيرة عبر الحدود الدولية, من اورمية في الشمال حتى خانقين في الجنوب, وقد اصبحت هذه اللهجة هي الرسمية في العراق, وهي اللغة الكردية الوحيدة التي تدرس في المدارس وتستخدمها الحكومة كما توجد بعض اللهجات الفرعية مثل الجوراني والكرمنشاهي والليكية وهي التي يتحدث بها الاكراد في كردستان الايرانية من كرمنشاه حتى سنندج والزازائية ويتحدثون بها في درسيم, وهي منطقة في الاناضول داخل مثلث مقلوب رؤوسه ديار بكر وسيفاس وارزروم. الارض عند الاكراد السيطرة على الاراضي تعد عنصرا حاسما في النفوذ, ففي الجبال كانت القبيلة هي المسيطرة على الارض حسب العرف والاغا هو المسؤول عن التوزيع العادل للحقوق الرعوية. وفي السهول وسفوح الجبال فقد اشتغل الاكراد في الارض التي يمتلكها مالك, تعززت سلطة الاغا في الجبال والمالك في السهول وزادت الطبقية داخل القبائل, والاغوات هم الزعماء الذين سيطروا على قرية او مجموعة من القرى واعتمدوا في نفوذهم على اعتراف الحكومة بهم وكان الاغا يقوم بتقسيم الموارد المائية وتحديد الوقت المناسب للرعي وتقبل اهل القرى هذه السلطة بسبب حاجتهم للنظام والانضباط كما كان للاغوات عدد كبير من الاقارب الذين يكونون حجر الاساس في التضامن الاجتماعي وكانوا لوقت قريب يتجهون لتعدد الزوجات بينما باقي افراد القرية يتزوجون زوجة واحدة وبذلك زاد عدد أفراد عائلة الأغا, بينما لم يحدث الشيء نفسه في باقي العائلات وكان من نفوذ الأغا الموافقة على الزواج, مما يسمح له ضمان التحكم في صلة القرابة, وكان الأغا يتحكم أيضا في زوار القرية, فالاستقبال يتم في بيته المزود بالمؤن من أهل القرية, ورغم ذلك لم يكن الأغا محصنا ضد مكائد وطموح أقربائه. وقد أدى ظهور الميكنة الزراعية في السهول إلى العمل أثناء الفصول فقط, الأمر الذي تسبب في هجرة فصلية للمدن القريبة, أو حتى البعيدة مثل بغداد وأنقرة للعمل, فأدى ذلك إلى نمو طبقة البروليتاريا الكردية والرأسمالية الصناعية خارج كردستان, وأخذت مكانة الأغا تتقلص في السنوات الثلاثين الأخيرة. المشكلة الكردية بدأت المشكلة الكردية بالجغرافيا التي كانت عائقا أمام قيام كيانات موحدة للأكراد, قامت دويلات كردية في كردستان العراق مثل امارة بابان, وفي كردستان تركيا مثل امارة بوتان, وفي كردستان ايران مثل امارة أرولان, قامت هذه الامارات في الحقب الأخيرة من الحكم العثماني, وكانت امارات شبه مستقلة. وإذا كانت الجغرافيا عائقا أمام كردستان موحدة, فهي كانت كذلك أمام كل من أراد احتلالها , وبقيت شبه مستقلة مئات السنين, وكان أول تقسيم حقيقي لها هو ذلك الذي حدث في عام 1514 بعد معركة جالديران بين الجيش العثماني والجيش الصفوي الإيراني فضمت الدولة العثمانية معظم كردستان بما فيه الجزء المرتبط بالعراق وسوريا, والأجزاء التي أصبحت جزءا من أرمينيا واذربيجان, وما عرف بالاتحاد السوفييتي في السابق, أما كردستان ايران فقد ظلت هي الجزء الوحيد الذي لم يتغير واقعه منذ معركة جالديران وان شهدت استقلالا بعد قيام امارة ارولان, وقيام جمهورية مهاباد بعد الحرب العالمية الثانية, ولم تدم الجمهورية أكثر من سنة. بعد الحرب العالمية الأولى, وتفكك الدولة العثمانية تطلع الأكراد إلى تأسيس كيان لهم على أساس نص اتفاقية (سيفر) التي وقعها الحلفاء 1920, والتي تعهد فيها الحلفاء باقامة كيان للأكراد في المناطق ذات الأغلبية الكردية, ولكن تراجع الحلفاء عن وعودهم ونصوص اتفاقية (سيفر) وقسموا المنطقة وفقا لمصالحهم, كما قصفت الطائرات البريطانية معاقل كيان كردي مستقل قام في هذه الأثناء في مدينة السليمانية, ووقعوا اتفاقية (لوزان) التي أيدوا فيها مصطفى كمال أتاتورك, الذي ظهر بقوة على مسرح الأحداث في تركيا, ونجح في قمع الأرمن ثم الأكراد, ومارس ضدهم أبشع أنواع التنكيل والقتل حيث مات منهم عشرات الآلاف, ما دفعهم للفرار إلى أوروبا ومصر ودول الجوار.. وألحق الجزء الجنوبي من كردستان بعد اتفاقية (لوزان) بالعراق الحديثة, في هذا الجزء من كردستان جرى استفتاء للأكراد لمعرفة ما إذا كانوا يرغبون في الانتماء للدولة العراقية الحديثة أم لا.. وأمام السياسة التركية المتوحشة, وأمام حقيقة ان الدولة العراقية الحديثة لا تحمل ضغائن تاريخية بين شعوبها, وقبلت في عصبة الأمم بشروط ضمنها توفير الحقوق لأبناء الأكراد, وأمام تنصيب الملك فيصل الأول ــ الذي يعود نسب أسرته للرسول عليه الصلاة والسلام ــ صدقت أغلبية الأكراد لصالح الانضمام للعراق الحديث, وكان وضع الشعب الكردي في العراق أحسن نسبيا لكل الأسباب التي اختار الأكراد الانضمام للعراق على أساسها, وكانت العلاقة دائما بين العربي والكردي جيدة ليس فيها ضغائن. وأصبحت خريطة الأكراد عبارة عن الجزء الجنوبي الأكبر الذي وقع ضمن دولة تركيا الحديثة, وقسم ألحق بسوريا وبقيت كردستان ايران بحدودها القديمة, وقسم وقع داخل أراضي الاتحاد السوفييتي القديم. فماذا حدث في العراق, وفي تركيا, وفي سوريا, وفي ايران؟ يقول د. سعد الدين ابراهيم استاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية وأحد المهتمين بشؤون الأقليات العربية: ان زعماءنا ومثقفينا لا يهتمون بالمشكلة الكردية, أو غيرها من المشاكل إلا عندما تنفجر انفجارات دموية مروعة, وخاصة عندما تتدخل وتتداخل فيها أطراف أجنبية, تسلط عليها وسائل الإعلام أضواءها, أما في سنوات الهدوء النسبي الذي يسبق هذه الانفجارات فلا أحد من المسؤولين أو كبار المفكرين يريد ان يبحث الموضوع, أو يجد له حلولا وبدائل وقائية وهكذا كتب على أمتنا العربية, وعلى شعوبها وأقطارها ان تدفع (ضريبة دم) فادحة كل عدة سنوات, بسبب هذا التجاهل, فهم بتجاهلهم يعتقدون أو يتوهمون ان المشكلات ستختفي أو أن الزمن كفيل بحلها, بل انهم ينزعجون أشد الانزعاج إذا نبههم أحد لضرورة التعامل مع هذه المشكلات, ولأن الانفجار آت لا محالة, فإن العرب يبدون في نظر العالم كما لو كانوا لا يتعلمون من الفواجع والهزائم, لقد انفجرت مشاكل الأكراد في العراق سنوات (1918 ـ 1919), (1920 ــ 1925), (1943 ــ 1946), (1961 ــ 1963), (1965 ــ 1966), (1969 ــ 1970) (1974 ــ 1975), (1987 ــ 1988), (1990 ــ 1991), (1994 ــ 1996). الاستعمار والمشكلة الكردية يضيف د. سعد الدين ابراهيم: انه قد يكون الاستعمار هو الذي بدأ المشكلة الكردية بتقسيم كردستان, ضمن مخططه الأكبر في تقسيم المشرق العربي والشرق الأوسط, ولكن استمرار المشكلة على مدى 75 عاما لا يمكن رده إلى الاستعمار فقط, هناك القبلية وهي أمر تعود مسؤوليته إلى البناء الاجتماعي للأكراد أنفسهم و وهناك أيضا استبداد الدول المركزية الخمس التي وجد الأكراد أنفسهم يعيشون فيها رغم أنوفهم, ففي هذه الدول وخاصة تركيا وايران والعراق حيث تعيش كتل ضخمة من الأكراد, كانت النزعة المبكرة بعد الاستقلال هي انكار وجود الأكراد, أو أي جماعات عرقية مختلفة والادعاء بأن الجميع ينتمون إلى أصل واحد ولغة واحدة, فإذا كانت الحقائق عكس ذلك فلتتغير الحقائق بالغاء التاريخ والثقافة واللغة, ومن يعارض الصهر والذوبان القسري فهو إما موتور, أو مأجور. ويتم التعامل معه على هذا الأساس. وخير مثال على ذلك مصطفى كمال أتاتورك وصدام حسين, فقد أنكر الأول ان يكون هناك في تركيا شيء اسمه الأكراد, ومن يعرفهم الناس في المنطقة وفي العالم كله كـ (أكراد) أطلق عليهم أتاتورك, ومن بعده لمدة سبعة عقود اسم (أتراك الجبال) وما زالت الاحصاءات والتعدادات التركية تطلق عليهم هذه التسمية, وترك أتاتورك تراثا عتيدا تجاه الأكراد, ومن الصعب اهماله حتى بعد ان أصبحت تركيا ديمقراطية تعددية منذ أواخر الاربعينات, فأي محاولة لتغيير المبادئ التي أرساها اتاتورك يستعد الجيش التركي للتدخل من أجل قمع المحاولة, وقد حدث بالفعل ذلك 3 مرات في العقود الثلاثة الماضية, ولم يكن أتاتورك منكرا للأكراد وحسب, وإنما أيضا للأرمن الذين كانوا يعيشون في شرق تركيا, وكانت كل محاولة أرمينية أو كردية للاستقلال أو الحكم الذاتي, أو الاعتراف الثقافي تقابل بالقمع, وواقع الأمر ان معظم جاليات الأرمن التي تعيش الآن في مصر أو سوريا أو لبنان أو الأردن وفلسطين والعراق كانت جماعات فرت من مذابح اتاتورك في تركيا, والشيء نفسه بالنسبة للأكراد. وبداية حل المشكلة الكردية هي الحكم الذاتي لاكراد العراق, والديمقراطية لكل العراق, وما ينطبق على العراق ينطبق على ايران وتركيا, ولا يوجد حل انساني غير ذلك. القاهرة ــ نور الهدى زكي

تعليقات

تعليقات