مذكرات عصمت عبدالمجيد،الحلقة(2)حادث 4 فبراير1942جرح قومي غائر،رحلتي مع العمل السياسي بدأت عام45بتعييني ملحقا بالخارجية

الحلقة الثانيةالخطى الأولى- 1 -في دراسة القانون، لم أكن قد انتهيت بعد من دراستي الجامعية بجامعة فاروق الاول - الاسكندرية الآن - عندما لقي أبي ربه. كان حزني وألمي عميقين, ولكن كان عزائي أنه رحل كريما ًعزيزا ًمرفوع الرأس, وأنه غرس فينا مبادئ وقيماً سنظل نهتدي بها حتى آخر ايامنا , وكان عليّ أن أكمل مسيرة حياتي, وأن أرعى كذلك أسرتي في غياب رائدها الذي رحل. كنت في السنة الثالثة بكلية الحقوق حينذاك, وكانت دراسة القانون ترضيني بشكل خاص, فقد كنت أستشعر في أعماقي ايماناً راسخاً بضرورة أن يسود العدل, وبأن العدل هو روح القانون, وهو غايته العليا, كما كنت أوقن أن الاصلاح والتقدم لايتحققان لمجتمع إلا من خلال النظام والشرعية وسيادة القانون. كانت كلية الحقوق في الاسكندرية عند انشائها فرعاً من كلية الحقوق بجامعة فؤاد الاول - القاهرة الآن - الى ان استقلت الاسكندرية بجامعتها عام 1942 وكانت تضم مجموعة من اساطين العلم والقانون, أذكر من بينهم الاساتذة الدكاترة حامد سلطان,, حسن بغدادي, حامد زكي, حسين خلاف, زكي عبدالمتعال, السعيد مصطفى السعيد, محمود مصطفى وغيرهم. ولم نكن نتلقى على ايديهم العلم فحسب, فقد كان كل واحد منهم مدرسة في ذاته في الفكر والعلم والوطنية والقيم الرفيعة. وكانت قلّة عددنا تتيح لنا ان تكون علاقتنا بهم وثيقة وحميمة, فكانوا اساتذة وآباء ورواداً ومثلاً عليا في آن واحد. وكانت الحرب العالمية الثانية في ذروتها في مطلع الاربعينات, ووصلت آنذاك الى مشارف الاسكندرية التي ذاقت مرارتها مرتين, مرة من خلال الغارات الجوية التي كان يقوم بها الطيران الالماني والايطالي عليها, ومرة من خلال الوجود الكثيف للقوات البريطانية والقوات المتحالفة معها,, وعربدتها نهاراً وليلاً في شوارعها وميادينها. وكان يستثيرنا ما نراه وما نسمع به, ويبلغ غضبنا أقصاه عندما وقع ما عرف بحادث 4 فبراير ,1942 وتجتاح الجامعة تظاهرات عارمة, ويندد استاذنا الدكتور سيد صبري, استاذ القانون الدستوري, في محاضراته بالاعتداء البريطاني الصارخ على سيادة مصر, فلم يكن اساتذتنا بأقل تأثراً بما حدث من تلامذتهم الشباب. وعلى الرغم مما كان يكنه الجميع للاسرة المالكة من مشاعر السخط, فقد اعتبرنا جميعاً ما حدث, والصورة المهينة التي عومل بها الملك - رمز الدولة - بمثابة جرح قومي غائر. ومع قوة مشاعرنا الوطنية وتوقدها في هذه الحقبة, فقد كانت مشاعرنا القومية على القدر نفسه من التفتح والنضج, فقد شهدت الاسكندرية تظاهرات غاضبة احتجاجاً على ما يفعله الفرنسيون في لبنان, وشاركت بنفسي فيها. وقد دفعتنا هذه المشاعر القوية الى تأسيس ما سميناه (نادي الاتحاد العربي) في مقتبل عام 1944 مع زميلي وصديقي الاستاذ جمال مرسي بدر المحامي, وزملاء آخرين مصريين وعرب. وقد عكست هذه الاحاسيس المبكرة مدى تعمق فكرة العروبة في نفوسنا, ومدى تأثرنا بما يدور في العالم العربي حولنا, ومدى صدق المصريين وعفوية إدراكهم لحقيقة انتماء مصر القومي, وانتسابها المصيري الى أمتها العربية. وكانت الجامعة بذلك, بعد الاسرة والمدينة, العماد الثالث في بناء تكويننا الفكري والقومي والانساني, وطبعت في عقولنا وقلوبنا معاً بصمتها التي لا تمحى. وقد شاءت الاقدار أن تكون جامعة الاسكندرية, بعد ذلك بأشهر قليلة, مقراً لتوقيع بروتوكول الاسكندرية في 7 اكتوبر 1944 الذي اتفقت بمقتضاه سبع دول عربية على انشاء جامعة الدول العربية, وبذلك صارت الاسكندرية مهداً لأول منظمة تجمع العرب في تاريخهم الحديث. أنهيت دراستي في كلية الحقوق في مقتبل صيف ,1944 وكانت امامي فرصة العمل في النيابة العامة التي كانت السبيل الوحيد امام المتفوقين من خريجي كليات الحقوق للوصول الى أعلى المناصب القضائية, أو للانتقال بهم الى ميدان السياسة الواسع, بما يحوطه من صخب واضواء, الا أن ذلك كان يقتضي التنقل بين عواصم ومراكز مصر, من صعيدها الى دلتاها, وهو ما رفضته أنا والاسرة التي أصبحت كبيرها بعد وفاة والدي, ولذلك اخترت مجالاً قانونياً آخر, فعملت في قلم قضايا الحكومة بالاسكندرية, تحت رئاسة قانوني فاضل هو الاستاذ شارل أيوب الذي أولاني ثقته واهتمامه معاً, وكان يرى أن امامي مستقبلاً قانونياً واعداً. وكنت سعيداً بعملي هذا, وهيأت نفسي لسنوات طويلة من العمل القانوني في خدمة الحكومة. إلا أن ذلك لم يدم طويلاً, وكان للقدر رأي آخر. فقد أعلنت الدولة عن إيفاد بعثات للدراسة في الخارج, ستّ منها مخصصة لوزارة الخارجية, منها اثنتان موجهتان للدراسة في فرنسا. وكان معنى تقدمي لاحدى هذه البعثات, أن أقبل أن أترك مصر الى فرنسا لمدة غير قصيرة, وأن أقضي حياتي كلها متنقلاً بين بلاد العالم شرقه وغربه. ولم يكن القرار في هذا الاختيار قراري وحدي, لكن والدتي, بالرغم من اعتبارات كثيرة, لم تتردد في أن تدفعني الى التقدم للبعثة, وأصرت على الا أضيّع فرصة استكمال دراستي العليا. كان لموقفها هذا أكبر الاثر في تغيير مجرى حياتي, وكان فيه درس جديد من دروس الامومة الحقة, ضربت به مثلا في التضحية والايثار, وتقديم فريضة طلب العلم على كل اعتبار آخر. وهكذا تقدمت للترشيح على احدى بعثتي فرنسا, وتوجهت الى القاهرة بناء على استدعاء من وزارة الخارجية لكي أجري مقابلة مع لجنة الاختبار التي ضمت الاساتذة السفراء راضي أبو سيف راضي وحسني عمر وامين ابو الذهب. وكانت المقابلة في المكتب نفسه الذي شغلته بعد ذلك وزيراً للخارجية المصرية عام 1984. وافقت اللجنة على اختيار اثنين للدراسة في الولايات المتحدة هما السفيران اشرف غربال وصلاح ابو جبل, واختارت اثنين للدراسة في انجلترا هما السفيران جمال بركات وعبدالمنعم فهمي, واثنين للدراسة في فرنسا هما السفير سعد الفطاطري وأنا, وكان وزير الخارجية في ذلك الوقت الدكتور عبد الحميد بدوي باشا. وفي ديسمبر (كانون الأوّل) 1945 صدر قرار تعييني ملحقاً بوزارة الخارجية, لتبدأ رحلتي الطويلة في العمل الدبلوماسي والسياسي, عاملاً من اجل قضايا بلدي وأمتي, ولترتبط خطى حياتي بمراحل تاريخهما عبر ما يقرب من نصف قرن من الزمان. n 2 - n مشاعر أصيلة في الغربة كانت باريس, مدينة النور, قد خرجت لتوها من الحرب العالمية الثانية, وكان كل شيء فيها يموج بالحرية والانطلاق, التيارات الثقافية والفنية والمذاهب الاقتصادية والفلسفية, والافكار والمعتقدات السياسية. وكانت ملتقى لثقافات اوروبا ومقصداً ومزاراً لكل شعوب العالم. وكان ايقاع كل شيء فيها سريعاً, الناس والفكر والفن, وكأنما كانت باريس تسعى الى استدراك ما ضاع من سنوات الحرب, وأن تعوض ما فاتها في أمسها, وتضيف اليه ما كان يجب أن تحققه في حاضرها, وتتطلع فوق ذلك الى آفاق المستقبل الرحبة, وربما تقفز اليها قفزاً, فلا يبقى أمام عواصم العالم الحضارية الاخرى غير أن تلهث وراءها, ولا يسع من يعيش فيها الا أن ينهل من منابعها لكي يرتوى, ولكنه يجد أمامه جديداً في كل يوم فيعود ينهل من جديد لعله يرتوي. هكذا وجدت باريس عندما وطأتها أول مرة, ووجدت فيها عالماً يفتح أمامي أبوابه, عالماً زاخراً بالاصوات والاضواء والعطور والالوان. ولم أجد صعوبة في أن ألقى نفسي بداخله, ولم أكن أبدأ من الصفر, فقد كانت فرنسيتي جيدة لدراستي الثانوية في كلية سان مارك (الفرير), وكانت معرفتي بالادب الفرنسي والثقافة الفرنسية وثيقة, فلم أستشعر غربة او وحشة, وبدأت دراستي الاكاديمية في ثقة ويسر كانا موضع تقدير اساتذتي الجدد. ولم أتوقف عند حد في مجالات التحصيل العلمية والثقافية, فإلى جانب دراستي في القانون درست العلوم السياسية وهي مكملة للدراسة القانونية, وتنوعت قراءاتي في مجالات المعرفة المختلفة, مع زيارات منتظمة لمتحف اللوفر بما يضمه من كنوز حضارية, وحرص على متابعة فرق الموسيقى الكلاسيكية وفرق الاوبرا, حيث شاهدت, ولاول مرة, اوبرا (عايدة) لفيردي العظيم, ومع متابعة للتيارات الفكرية السياسية والاقتصادية التي كانت تملأ أجواء باريس: اليسارية الماركسية والاشتراكية واليمينية المحافظة والليبرالية والقومية. كنت أرقب كذلك انشطة حركات التحرير الوطنية في نضالها ضد الاستعمار وأستمع أصداءها في العاصمة الفرنسية. وكنت أتابع بصفة خاصة التطورات السياسية الجديدة في العالم العربي وآثارها على العرب المقيمين في فرنسا وعلى الفرنسيين معاً, فقد أنشئت الجامعة العربية في 22 مارس ,1945 ومع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ العالم العربي يدخل في حقبة من الفوران وعدم الاستقرار, فقد كانت دوله تطالب بالاستقلال والتحرر من سيطرة دولتي الاستعمار الاوروبي في المنطقة, انجلترا وفرنسا, كما بدأت القضية الفلسطينية تطفو على سطح الاحداث مع قرب موعد انهاء بريطانيا انتدابها على فلسطين في 15 مايو ,1948 وكان لهذه الاحداث صداها القوي في نفوسنا, وكانت موضع اهتمامنا البالغ على البعد, وكانت غربتنا تضيف الى حماستنا ومشاعرنا الدافقة مزيداً من الاحساس بالانتماء والترابط والتوحد. وقد وضحت لي عمق هذه الاحاسيس منذ وصولي الى فرنسا, فقد وجهت لي الدعوة من ابناء المغرب العربي - تونس والجزائر والمغرب - المقيمين في باريس لالقاء محاضرة في ناديهم المشهور في 115بوليفار سان ميشال بالحي اللاتيني, وقد استقبلت من جانبهم بترحاب بالغ وحرارة صادقة, وسادت لقائي بهم مشاعر فياضة وعواطف جياشة لا تنسى. بقى أن أذكر أن موضوع حديثي معهم كان عن (الجامعة العربية) , ذلك الوليد الجديد الذي جمع ما بين العرب في المشرق والمغرب, وعن ميثاقها, واهدافها, والآمال التي يعلقها العرب جميعاً عليها. وأذكر هنا حادثة صغيرة, لكنها كانت بالنسبة إليّ ذات دلالة عميقة. فقد لقيت ذات يوم بائع فاكهة جوالاً يحمل على عربته التي يدفعها بيديه بعض ثمار الموز. طلبت منه ثمرتين او ثلاثاً, على قدر ما تسمح به موازنة طالب بعثة يحيا في باريس, قدّر الرجل وكان متجهم الوجه اني غريب, سألني بالفرنسية من أين أتيت, فأجبته أنني من مصر. ابتسم الرجل ورحب بي في ألفة. وذكر لي أنه جزائري. ثم مد يده ليخرج من جيبه بعناية صورة منزوعة من صحيفة, وأراني الصورة وعيناه دامعتان. وكانت لعبدالرحمن عزام باشا, الامين العام الاول لجامعة الدول العربية. تبادلت معه كلمات ود قصيرة, وقدمت إليه ثمن ما أخذته فرفض, وطلب أن أعتبر ما أخذته هدية صغيرة من شقيق لشقيق. ولم أكن في حاجة الى دليل أعمق من ذلك الذي شهدته في هذا اللقاء العابر في الحي اللاتيني على أن الرابطة التي تجمع بين العرب على امتداد وطنهم الكبير لم تستطع أن توهنها أو ينال منها جبروت الاستعمار الاوروبي وسطوته, الذي توهم قدرته على أن يفرض نطاقاً من العزلة على ابناء المغرب العربي, أو أن يطمس معالم شخصيتهم العربية الاسلامية, أو أن يذيبهم في بوتقة حضارته الغربية, ويقطع صلتهم بجذورهم الضاربة بعمق في اغوار العروبة تاريخاً ولغة وتراثاً وحضارة, وقد حرصت في احدى مداخلاتي في اجتماع لمجلس وزراء الخارجية العرب رداً على مداخلة على ذكر هذه الواقعة مدللاً على ان الامة العربية من المحيط الى الخليج بخير وعلينا ان نثق بأنفسنا وبقدراتنا. وقد اكتملت الصورة عندي, ولعلها اكتملت كذلك عند الرجل الطيب بائع الموز, عندما صدرت الصحف الفرنسية تحمل في صدر صفحاتها نبأ هروب بطل الريف الامير عبدالكريم الخطابي من السفينة التي كانت تحمله منفياً الى احدى جزر المحيط الهندي عبر قناة السويس, ولجوئه الى مصر التي استقبلته بفرحة وحماسة غامرين. وكان للهجوم على مصر من جانب فرنسا, حكومتها وصحافتها, رد فعل مختلف تماماً لدينا نحن العرب, المصريين منهم خاصة, احساس طاغ بالفخر والكبرياء امتلأنا به, ومشاعر عارمة بالانتماء جمعت ما بيننا, فأحالت تفردنا توحداً, وجعلت من غربتنا قربى. امتدت اقامتي في باريس ما يقرب من العامين ونصف عام, حصلت في نهايتها على ثلاث دبلومات في الدراسات القانونية العليا, وحصلت على دبلوم في الدراسات السياسية من معهد العلوم السياسية Institut d'Etudes Politiques ودبلومين في الاقتصاد السياسي والقانون العام ثم بعد ذلك قدمت رسالة الدكتوراه في القانون الدولي سنة 1952 وكان موضوعها (محكمة الغنائم دراسة مقارنة) , وكما سعدت بتحقيق هذا الانجاز العلمي, فقد أسعدني كذلك زمالة اصدقاء أفاضل, أذكر من بينهم الاساتذة الدكتور اسماعيل غانم والدكتور حسن ابو السعود والدكتور حسن ظاظا, كما سعدت بتلمذتي على ايدي اساتذة أجلاء كان في مقدمهم الاستاذ شارل روسو, وسعدت كذلك بصداقة الكثيرين من العرب والفرنسيين ممن جعلوا حياتي في فرنسا أكثر يسراً وأرحب آفاقاً وأوفر خصباً. 3 - الخارجية في الميزان عدت الى الوطن لأبدأ عملي في وزارة الخارجية وسط جو حافل بالاحداث مفعم بالمشاعر. كان ذلك يوم 21 يوليو ,1948 بعد أيام ثلاثة من الهدنة الثانية بين العرب واسرائيل, التي بدأ سريانها في 18 يوليو ,1948 تنفيذاً لقرار صدر من مجلس الامن في 15 يوليو 1948 بوقف اطلاق النار في فلسطين. تسلمت عملي في قسم اوروبا في الادارة السياسية بالوزارة. ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى بدأت تتملكني مشاعر من الاحباط وعدم الرضا, فقد كانت درجتي صغيرة - ملحقا ًما زلت - وبلا عمل تقريباً, ولم يكن هناك الكثير من العمل على أي حال. كما وضحت لي من موقعي في الوزارة حقيقة مؤلمة, وهي أن مصر, رغم استقلالها ظاهرياً, لم تكن تتمتع بحرية حقيقية في تسيير دفة سياستها الخارجية, إن كان لها حقاً ما يمكن أن يسمى سياسة خارجية, وأنها لا ترقى بالتالي الى مصاف الدول الحرة الكاملة السيادة. وجدت أيضاً أن الكثيرين ممن يعملون في السلك الدبلوماسي المصري وقتئذ أكثر اعتناء بمظهرهم منهم بجوهرهم, ولم تكن الجدية والالتزام والثقافة والعلم أموراً ذات أهمية بالنسبة إليهم. وكان سندهم في الوصول الى مركزهم الوظيفي هو صلات القربى التي تربطهم بذوي النفوذ والسلطان في مصر. دفعني هذا كله الى اتخاذ قرار بيني وبين نفسي بترك العمل في وزارة الخارجية, والعودة الى قلم قضايا الحكومة حيث بدأت أو الى مجلس الدولة. وصارحت وكيل الوزارة وقتها, السفير كامل عبدالرحيم, برغبتي هذه. وكان رجلاً جمّ الادب واسع الثقافة رفيع الخلق, وقد بذل رحمه الله جهداً في ثنيي عن عزمي وفي إقناعي بالاستمرار في العمل في السلك الدبلوماسي. وكانت حجته في ذلك أن الوزارة في حاجة الى المتميزين من أبنائها لكي يكونوا نواة للاصلاح المأمول وأكد ان الخارجية أوفدتني في بعثة الى فرنسا وعليّ أن أقدم خدماتي لتلك الوزارة دون غيرها. وامتثلت لرأيه دون اقتناع كامل. ولم تكن الصورة في وزارة الخارجية قاتمة تماماً, فقد كانت هناك وجوه مشرقة جمعت بين الكفاءة والخلق, تؤدي عملها في اخلاص واقتدار, أذكر من بينهم عبدالخالق حسونة باشا, الامين العام الثاني لجامعة الدول العربية, والسفير سامي ابو الفتوح والسفير محمد عوض القوني. وتغيرت الاحوال بالنسبة إليّ بعض الشيء عندما عين عبدالخالق حسونه باشا وكيلاً للوزارة, فبدأت أكلف بعض المهمات التي أمكنني أن أستثمر فيها دراستي في سنوات البعثة, كان من بينها مشاركتي في اعداد معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية, وهي واحدة من أهم وثائق العمل العربي الجماعي, كما أذكر كذلك بصفة خاصة مشاركتي في صياغة وترجمة مذكرة دورية وزعت على البعثات المصرية في الخارج تشرح حق مصر القانوني في مراقبة وتفتيش السفن التجارية التي تمر في قناة السويس, والتي يشتبه في أن تكون محملة بالاسلحة أو المهربات, وأن مصر في ممارستها لهذا الحق تصدر عن اساس قويم من القانون, دون مخالفة لأحكام معاهدة القسطنطينية لعام ,1888 وأنها قد أنشأت محكمة للغنائم تختص بالنظر في المنازعات التي تنشأ نتيجة لهذه التدابير, وبالتالي فلا مجال للاحتجاج عليها. ولعل ما دعاني الى ذكر هذه المذكرة أن موضوعها كان دافعاً لي الى اعداد مقارنة عن محكمة الغنائم في مصر, لتكون موضوع رسالتي لنيل درجة الدكتوراه من جامعة باريس عام 1952 كما ذكرت سابقاً. واستقرت بي الامور في الوزارة نوعاً ما, الا انها استقرت بدرجة أكبر عندما تولى قسم اوروبا شخصية فذة, هو المرحوم كمال الدين صلاح. كان بدرجة سكرتير أول, وكنت أنا سكرتيراً ثالثاً ألتمس التوجيه وأبحث عن القدوة. ووجدت في الرجل نوعية غير مألوفة في وزارة الخارجية, وطنية جارفة وحماسة صادقة وكفاءة يندر مثالها, ووجدت لديه الكثير مما كنت أبحث عنه, ولا أنسى دوره في دفعي وأنا بعد في اول درجات عملي الدبلوماسي, وتوجيهاته ونصائحه التي أفدت منها طوال سنوات عملي. وتحضرني هنا إضافة صغيرة, فقد كانت الظروف السياسية العصيبة التي مرت بها مصر والعالم العربي عقب انتهاء الجولة العربية الاسرائيلية الاولى تطغى على تفكيرنا وتنعكس على مناقشاتنا في مكاتب الوزارة, وكانت القضية الفلسطينية تأخذ منعطفاً خطيراً تصعب الرؤية فيما وراءه. واعتاد أن يزور المرحوم كمال الدين صلاح في ذلك الوقت المراسل العسكري لمجلة (آخر ساعة) , الصحافي الصاعد محمد حسنين هيكل. وكانت متعة فكرية ثرية بالنسبة إليّ أن أستمع وأشارك في الحوار السياسي الرفيع المستوى الذي كانت تشهده الغرفة التي تضم ثلاثتنا بين جنباتها. وأرى من واجبي أن أذكّر هنا بالنهاية البطولية, والمأسوية معاً, لكمال الدين صلاح, هذا النموذج الرفيع للدبلوماسي المصري المخلص لوطنه ولقضايا أمته. فقد اختارته وزارة الخارجية ليكون ممثلاً لمصر في لجنة الاشراف على استقلال الصومال عن بريطانيا وايطاليا. وقد قام بمهمته هذه على أفضل وجه, فنجح في توحيد القوى الوطنية الصومالية في ذلك الوقت, وكان له دور رئيسي في أن ينال الصومال استقلاله. ولم يكن هذا باعثاً على رضى بعض القوى, فدبرت مؤامرة لاغتياله, وفقدت الدبلوماسية المصرية أول شهيد بذل حياته في سبيل قضية تحرير الشعوب العربية واستقلالها. وقد وضع له تمثال في مدخل مبنى وزارة الخارجية, كما أطلق اسمه على النفق الذي يطل عليه مبنى الوزارة ومبنى جامعة الدول العربية. عندما أصدرت الوزارة قرارها بنقلي الى السفارة المصرية في لندن في ديسمبر ,1950 أصابتني الدهشة, فقد كان المنصب على قدر كبير من الاهمية, وكانت مثل هذه المناصب مقصورة على المقربين من أصحاب السلطان وذوي الحظوة. ولم أكن من بينهم. كنت أعمل في ذلك الوقت في مكتب وزير الخارجية, الذي كان يشغل منصبه السياسي الوطني النابه الدكتور محمد صلاح الدين. وكان القرار مفاجأة لي. ولم أتردد في قبوله. وسافرت الى لندن بنهاية عام 1950. لتبدأ صفحة جديدة من حياتي, وكنت قد اقترنت في العام نفسه بزوجتي السيدة إجلال أبو حمدة, ولتبدأ كذلك مرحلة جديدة من مراحل عملي, شاءت الاقدار ان تكون شاهدة على تحولات كبرى في تاريخ بلادنا وأمتنا, بل والعالم على اتساعه.

تعليقات

تعليقات