وجهة نظر: الثنائي لحود والحريري ضرورة للبنان: بقلم- نصير الأسعد

قبل انتخاب العماد اميل لحود رئيسا للجمهورية بأسابيع, بادر الرئيس رفيق الحريري إلى اجراء نقد للمرحلة السابقة بعد الطائف, تضمن نقدا ذاتيا لبعض جوانب دوره في هذه المرحلة أيضا . النقد والنقد الذاتي يشكلان معا بادرة لم يسبق لها مثيل, من مسؤول في الحكم في لبنان أو في المنطقة العربية حيال قضايا أشد تعقيدا وخطورة, بادرة لم نتعرف إلى مثلها, حتى لدى أطراف وقوى تعلن تمسكها بالديمقراطية. في نقده هذا, الذي لن نعود إليه جملة, اعترف الحريري بأن الوضع في لبنان خلال المرحلة التي تلت اتفاق الطائف لم يكن طبيعيا, لأن المحاصصة وعقلية الحرب غزتا الدولة والنظام ومؤسساتها. ماذا كانت هذه المبادرة تعني في حينها, وماذا ما زالت تعني فعلا؟ ذلك ما سنحاول الاجابة عنه. ان المعنى الأول لكلام الحريري عن المرحلة السابقة, هو ان الوضع في البلاد يحتاج إلى اصلاح, ويحتاج الى تغيير, وبذلك يؤكد الحريري مرة أخرى أنه داعية اصلاح وتغيير في البلاد, والمعنى الآخر لكلام الحريري, هو انه مستعد للحوار توضيحا لسمات المرحلة المقبلة المطلوبة, وفي المعنيين السابقين, تأكيد لوعي الحريري لثغرات المرحلة السابقة من ناحية وضرورات المرحلة المقبلة من ناحية ثانية. وعندما خلص رفيق الحرير في تقويمه للمرحلة المنقضية, إلى ضرورة الانسجام في السلطة التنفيذية بين من أسماها الرأس (رئيس الجمهورية) والرئيس (رئيس مجلس الوزراء) من جهة, ثم داخل الحكومة نفسها من جهة أخرى, فانه انما كان يعكس كل المعاني السابقة نحو اصلاح وتغيير في البلاد, وكان يمهد لانتهاء ما أسماه (المرحلة الانتقالية) نحو مرحلة تغيير, لابد ان تتجسد ارادته في رأس السلطة, أولا, تفاهما على مشروع كبير لمصلحة البلد. المصطادون في الماء العكر قالوا يومها, تعليقا على تقويم الحريري واستنتاجاته, ان الرجل يريد ان يبيض دوره السابق (!) وهل عندما يعلن رئيس الجمهورية الأخطاء وحصته منها, يكون في مثل هذا الصدد, أم انه جدي في السعي إلى تجنبها؟ عجيب!. وقالوا ان الحريري يخطط للاتيان برئيس للجمهورية ضعيف أمامه ويخضع له (!), وهل يمكن تفصيل رئيس جمهورية على قياس أحد, وهل يمكن أصلا منع رئيس للجمهورية من صلاحياته, كما يحددها الدستور؟, وقالوا ان الحريري (يتآمر) في سبيل الامساك بمقاليد الأمور والانفراد بشكل أو بآخر بالحكم والسلطة (!), وهل ينسى هؤلاء ان للحكم والسلطة سياقا أكثر تعقيدا من ذلك بكثير؟ على أية حال, تبين بعد فترة وجيزة, ان رفيق الحريري بتقويمه للمرحلة السابقة واستشرافه للمرحلة الاتية, انما كان يؤكد بجدية ودينامية, التحضير لمجيء الرئيس اميل لحود.. كان يواكب بفعالية انطلاقة مرحلة جديدة لبنانيا وسوريا. كان الحريري مبادرا في اعلان تأييد الرئيس العماد, ودعا إلى أوثق تعاون معه, واستبشر خيرا مقبلا, وكل المواقف التي صدرت عنه بعد ذلك , تعكس هذا التوجه بالفعل. مصلحة الحريري ولحود ان كل هذه المقدمات تهدف إلى القول ان رفيق الحريري كان ومنذ فترة يتهيأ لمرحلة جديدة يدرك أبعادها كافة, لا بل لعب دورا في تهيئتها, وانه لا معنى لأباطيل المصطادين في الماء العكر, حول ما يزعمون انه توجس من الحريري بازاء المرحلة المقبلة. ونقرن هذا الحكم بالاعتبارات السياسية المنطقية, يعي الحريري ان مصلحة لبنان ومصلحة مشروعه هو في لبنان, تكمن في تعزيز الوفاق الوطني اللبناني, وفي معالجة ازمة الوفاق الوطني ومن ضمنها شكوى المسيحيين, يعي الحريري اذن ان تعزيز الوفاق وتطويره هو التمهيد للاصلاح فيحصل الاصلاح من ضمن الوفاق, ويعي الحريري ان العماد اميل لحود, الرئيس المسيحي القوي, هو عامل أساسي في هذه المسيرة اللبنانية. ويعي الحريري أيضا ان الاستقرار السياسي حاجة سياسية وضرورة اقتصادية في آن, وان عودة المسيحيين إلى المعادلة تساهم في الاستقرارين, لأن الشكوى من مجموعة لبنانية أساسية ـ أي مجموعة ــ هي عنوان لتأزم لا داعي لاستمراره. ... وإلى ذلك نضيف ان الحريري يدرك خطورة ــ أو دقة ــ المرحلة اقليميا, ويدرك ان ثمة استهدافا اسرائيليا لسوريا ولبنان, وان هذا الاستهداف الاسرائيلي لسوريا ولبنان يقع في نطاق الاستراتيجية الأمريكية, لذا فان الحريري يعطي أولوية للمصلحة اللبنانية ـ السورية المشتركة في مواجهة هذا الاستهداف, لا سيما ان هناك سعيا أمريكيا ــ اسرائيليا إلى اخضاع العملية السلمية من المنطقة لمزيد من الخلل في توازن القوى. باختصار, يعي رفيق الحريري المرحلة الجديدة.. عناوينها والقضايا. ومن جملة ما يعيه, حتى يكون الأمر واضحا تماما, ان في لبنان مع انتخاب الرئيس لحود, انتقالا الى صيغة سياسية حاكمة على أساس توازن محلي مختلف, وان الحكم هو الدستور. هو لا يعي ذلك فقط, بل هو يوافق عليه, ويرتضي كركن أساسي ان يصوغ شراكة متجددة في الصيغة, فكيف اذا كان الشريك الجديد, هو الرئيس اميل لحود, الاصلاحي التغييري الذي يستطيع ان (يشيل) معه أحمالا ثقيلة؟ قوة الحريري ... الحاجة اليه وماذا بعد؟ يعرف رفيق الحريري ــ ونعرف معه ــ نقاط قوته, فهو بلا شك بحاجة للاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي, وهو الذي يملك مشروعا يتمحور الجدل ــ أو النقاش ــ حوله حتى لو كان هذا المشروع قابلا ــ بالحوار ــ لتعديلات وتطويرات مختلفة. وهو رجل ذو قامة دولية لا تحتاج الى أي برهان أو أي اثبات. وبصفته هذه, استطاع ان يعزز مكانة لبنان وان ينتزع لكيانه مزيدا من الاعترافات الخارجية بمكانته ووجوده ودوره.. وان يكسب له الثقة الدولية. يعرف رفيق الحريري ـ ونعرف معه ــ اذن, نقاط القوة هذه, ويعرف ــ ونعرف ــ ان المعادلة تحتمه رئيسا للحكومة المقبلة, فمن أين أتى المصطادون في الماء العكر بفرضية انه متوجس من الآتي؟.. هذا اذا كان الحريري ساعيا الى رئاسة الحكومة أصلا. .. وفي الوقت الذي نعي فيه أهمية ثنائي اميل لحود ورفيق الحريري في ادارة انتقال لبنان الى المستقبل.. لا نطرح (دويكا) في مستقبل (ترويكا) . نقبل شراكة مصاغة على أساس متجدد, غير اننا نرفض التجريح ومحاولة البعض (تلبيس) المرحلة السابقة للحريري عندما يأخذ الوضع مجراه الطبيعي, أو مجراه الاكثر طبيعية, فهذا دليل على امكان السير نحو الافضل, ولكننا نحن الآن في صدد التشديد على ما نفهمه من فلسفة الصيغة.. وفلسفة الصيغة انها شراكة بين أقوياء.. الى ان يلغي النظام الطائفي ويحل مكانه النظام الديمقراطي (الكامل) الذي تنتج آلياته تمثيلا ديمقراطيا قويا بالتعريف.. وذلك في ظرف محدد بتوازن محدد. النفاق ... والديمقراطية باختصار, نرفض النفاق السياسي, ونعني بالنفاق السياسي, النشاط (التبخيري) الذي يبديه عدد غير قليل من المشتغلين في السياسة للعهد الجديد, مسقطين ــ بداهة ــ من حسابهم المصلحة اللبنانية لمصلحة الاحقاد والانانيات.. وقد فات هؤلاء ــ طبعا ــ انهم بذلك انما يسيئون الى العهد الجديد نفسه. وفي مقابل هذا النفاق, من الطبيعي ان ندعو الى خطوات تؤسس للاصلاح والتغيير, وتكون بمثابة تمهيد لهما, بل ضمانة لهما فعلا, أي اننا ندعو الى تفكيك الالغام من أمام انطلاقة العهد الجديد الذي يعقد عليه اللبنانيون آمالا كبارا. وأكثر من ذلك, نقول ان اللبنانيين مستعدون للتضحية.. اذا كان التوجه على هذا القدر من الشفافية والتطلع الى بناء المستقبل. ليس ما قمنا به, دفاعا عن رفيق الحريري... انه دفاع عن وجهة في السياسة نراها هي المنتجة حقا! كاتب سياسي ــ بيروت*

تعليقات

تعليقات